نور محمد عبد المطلب.. نهاية رجل مصري وقع في حب المغرب

محمد المنتصر الثلاثاء 2 نوفمبر 2021 - 11:55 l عدد الزيارات : 59490
عبد الرحيم الراوي
ما زال خبر نور نجل الفنان المصري الأسطورة محمد عبد المطلب يشكل حدثا مؤلما في الوسط الفني والإعلامي والشعبي، بسبب رحيله المفاجئ في صباح يوم عيد المولد النبوي الشريف، عن سن يناهز 81 سنة بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء.
كيف عاش الرجل وكيف مات؟ من المسؤول عن الوضع الاجتماعي والإنساني والنفسي الذي آل إليه نور في النهاية؟ أسئلة لم تعد لها أي أهمية، فهو الآن يرقد بسلام في مقبرة الرحمة بجنوب الدار البيضاء، بعد أن عاش محبوبا ومات مكرما بين معارفه وأصدقائه الذين كانوا يقضون معه أوقاتا ممتعة بمقهى “حابوس” و”الأميرية” و”المقطورة” و”القصر الذهبي” وأماكن أخرى، حيث ظلوا إلى جانبه حتى آخر لحظة في حياته دون ملل ولا كلل، ولم يكن الدافع فقط هو الواجب الإنساني والأخلاقي، بل حبا واحتراما لرجل عاش بينهم ودودا لطيفا محبا، لبيبا، هادئا، متفائلا، مرحا، محافظا على كبريائه وأنفته وأناقته إلى آخر لحظة من عمره.
مر نور الحاصل على الماجستير في الاقتصاد، من محطات عديدة خلال إقامته بالمغرب كانت أشدها قسوة، حين تم طرده من البيت الذي مكث فيه نور لأكثر من إثني عشر سنة من قبل أرملة صديقه الثري صاحب متجر “ابن علال” بلا رحمة ولا شفقة، فوجد نفسه وحيدا يتسكع بشوارع الدار البيضاء في عز زمن الحجر الصحي الذي فرضته سلطات المدينة بسبب انتشار فيروس كورونا وهو يتربص بضحاياه في الأزقة والدروب.
أخذ نور يمضي أوقاتا طويلة في الحدائق العمومية وهو يواجه مصيرا مجهولا، لا يعرف كيف وإلى أين ستنتهي به المغامرة التي ركبها منذ أن وضع قبلة الوداع بكل حب على جبين والدته اللبنانية.
بخصوص طرده من البيت ، قال نور في تصريح إعلامي ردا عن سؤال يتعلق بإمكانية عودته إلى أسرته بمصر: “أدرك قساوة الحياة هذه الأيام، عندهم أولاد وعيلة الله يوفقهم ولا أحب أن أكون عبئا عليهم، مقدرش أحملهم مسؤوليتي، ومقدرش أسبب لهم مشاكل أو أي إحراج لأن في البعد قرب زي ما بيقولو”
علم أحد أصدقائنا خبر نور من خلال بعض الجرائد الالكترونية، فاتصل به كي يطمئن عليه، بل أكثر من ذلك، اقترح عليه بصفته واحدا من الأصدقاء المقربين، السكن بشقة مجهزة عن آخرها بدون مقابل، بالإضافة إلى ما سيحتاجه من مأكل ومشرب وملبس باستثناء السجائر التي كان ينصحه بالإقلاع عنها، لكن نور اعتذر وأخبره بأن مدير قناة “إم بي سي” استأجر له شقة بالدار البيضاء لمدة سنة.
قال لي نور ذات يوم، بلهجته المصرية ونحن نسير مشيا على طول شارع الجيش الملكي بالدار البيضاء “كانت هناك دوافع كثيرة جعلتني أفكر في الرحيل، أهمها الإفلاس بسبب تعرض الكازينو لحريق مهول، حول ذكرياتنا الغالية إلى رماد وحطام متناثر في كل مكان، بالإضافة إلى الأزمات السياسية والاقتصادية التي عرفتها مصر في ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي وأسباب أخرى.
أمام إصراري على السفر إلى المجهول، أخذت والدتي تبحث في أغراض والدي عبد المطلب عن عنوان أحد الأصدقاء بالمغرب، لكي يطمئن قلبها، فسلمتني عنوانين إثنين، أحدهما للفنان والمصور محمد مرادجي، والآخر للوالي السابق لمدينة الدار البيضاء أحمد مطيع، الذي كنت أعتقد أنه رجل أعمال.
لما وطأت قدماي لأول مرة أرض المغرب، نزلت بأحد الفنادق وسط المدينة، وبعد الاستراحة من تعب السفر الذي دام قرابة أربع ساعات جوا، اتصلت بالاستقبالات وسألت عن مطيع رجل الأعمال فقام أحد العاملين بتصحيح المعلومة قائلا: إن أحمد مطيع هو رجل سلطة ووالي الدار البيضاء وليس رجل أعمال.
توجهت في اليوم الموالي إلى مقر الولاية، لما دخلت وجدت رجلا وإلى جانبه سيدة، طلبت مقابلة السيد الوالي، نظرت إلي السيدة وخاطبتني بلطف قائلة: “يا سيدي المصري، لا يمكن للموظف أن يدخلك عند السيد الوالي، لكن أنصحك، بمجرد ما يفتح الباب الذي أمامك، رح لو على طول”
بالفعل فتح الباب وخرج رجل يضع نظارة طبية على عينيه، فسألني بلهجة مغربية وبصرامة رجل سلطة، من أنت ؟ فأجبته، أنا نور محمد عبد المطلب.
استقبلني بحرارة وأعطى أوامره لسلطات المدينة بتسهيل كل الإجراءات الإدارية، من أجل حصولي على وثائق الإقامة في أقرب وقت ممكن، بل أكثر من ذلك، وفر لي السكن ومنحني أكثر من فرصة للشغل.
كنت أشعر أنها بداية حياة تتأسس من جديد في بلد ثان، شعور منحني الانطباع على أنني شخص مرحب به إداريا، كما أنه على المستوى الشعبي، أدركت من خلال تصرف الموظفة بمقر العمالة وهي تنصحني بما يجب القيام به للقاء السيد الوالي، علما أنني لا أعرفها ولم يسبق لي أن تشرفت بلقائها، ميزة الحنان والعطف لدى المغاربة، حينها زاد شعوري بالاطمئنان وكأنني في حضن أهلي الذين تركتهم في مصر.
بعد ذلك اتصلت بالفنان المصور محمد مرادجي، الذي سبق أن غنى له والدي في حفل زفافه بناء على طلب من الفنان عبد الحليم حافظ، حيث كان من المفروض أن يغني في حفلة زفاف مرادجي، لكن اعتذر بسبب المرض الذي ألم به، لهذا السبب اتصل العندليب الأسمر بوالدي وعرض عليه أن يحل محله فكانت فرصة اللقاء والتعارف بينهما.
كان نور يدير الكازينو الذي خلفه والده محمد عبد المطلب، بشارع الإسماعيلية بالعاصمة القاهرة والذي كان يستقبل فيه نجوما عربية مشهورة، حتى أصبح جزءا من تاريخ الفن المصري.
لم يكن نور شخصا عاديا، بل كان يحمل بداخله كنزا من الأسرار لا يقدر بثمن، باعتباره شاهدا على عصر ذهبي للفن في مصر والعلبة السوداء لوالده عبد المطلب، الذي أتى من أغوار قرية شبراخيت بمحافظة البحيرة المصرية وغنى في بلاط الملك فاروق، ونال التكريم من قبل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في عيد العلم سنة 1964، وحصل على جائزة الإبداع من قبل الرئيس الراحل أنوار السادات سنة 1978، تقديرا لمساره الفني الذي أغنى الخزانة المصرية بأكثر من مئتي قطعة غنائية، أشهرها قطعة الناس المغرمين، اسأل مرة عليا، ساكن في حي السيدة… وقطعة رمضان جانا وافرحنا به” التي ما زلت تداع في القنوات المصرية والعربية كلما حل شهر رمضان الكريم.
كان نور شديد الإعجاب بشخصية أبيه كفنان وكإنسان، كان يقول لي “عبد المطلب هو أستاذي وصديقي الأول، اشتغلت معه وأنا ابن الرابعة عشر سنة، كنا نقيم حفلات على خشبة المسرح القومي بالاسكندرية، ضمن فرقة تدعى آنذاك فرقة محمد عبد المطلب، كانت تضم نخبة من الفنانين من بينهم الفنان محمد شكوكو، أحلام، شهرزاد، الكوميدي الكبير اسماعيل ياسين وآخرون، فبالنسبة لي عبد المطلب كيان قائم بذاته كان ملكا للموال، وأميرا للغناء الشعبي.
كانت أم كلثوم تقول عن والدي “لما يغني محمد عبد المطلب أسمع صوت الحارة”، أما عميد الأدب العربي الأستاذ طه حسين، فكان يقول “محمد عبد المطلب عنوان للقرية المصرية”
عندما يتحدث نور بصوت رخيم، يشدك أسلوبه الرصين ويسافر بك في ردهات الزمن الجميل وهو يحكي عن ذكرياته مع أصدقاء أبيه من نجوم سطعت في سماء السينما والمسرح والطرب العربي، فيحكي عن مكالمته الهاتفية مع أم كلثوم وعن صداقة يوسف وهبي لوالده، وعن زيارة اسماعيل ياسين لبيته وعن الممثل الكبير يحيى شاهين وعن علاقة الموسيقار محمد عبد الوهاب بأبيه وعن الحوار الذي دار بين المطرب الراحل محمد الحياني ومحمد عبد المطلب، بخصوص اشتغاله في الكازينو..
كان المرحوم يعشق المغرب إلى النخاع، اعتزازه بالثقافة والتقاليد المغربية مكنه من الاندماج بسهولة داخل المجتمع، إذ كشف في العديد من المناسبات عن أمله في البقاء في المملكة إلى أن يمنح عظامه لترابها، لكن عندما اشتد به المرض طلب نور رسميا من السفارة المصرية العودة إلى بلده لتلقي العلاج.
شاع خبر نور محمد عبد المطلب في القنوات والجرائد المصرية، فقام الفنان هاني شاكر بصفته رئيسا لنقابة الفنانين بمصر والشاعر- السيناريست مدحت العدل بمبادرة طيبة، حيث أخذا يتصلا بالمغاربة المتكفلين به من جهة وبالسفارة المصرية بالمغرب من جهة أخرى من أجل تسريع الإجراءات اللازمة، وبذلا كل ما في وسعهما لمساعدة نور على العودة إلى وطنه لإجراء عملية معقدة على ساقه الأيمن، لكن كانت للقدر كلمته الأخيرة فقرر أن تعود الحقيبة دون صاحبها وقد نال منها الزمن ما نال، وهي تحمل كل أغراضه من وثائق، وصور عائلية وشخصية، ونظارات، وأقلام، وساعة مازالت تعمل عقاربها رغم توقف نبضات قلبه صباح يوم عيد المولد النبوي.

“باسم الله الرحمن الرحيم، لقد بلغت من العمر 75 سنة،

وأتمنى من الله عز وجل

إن مد في عمري ثانية أو ساعة أو يوم أو شهر أو سنة،

أن يتم دفني هنا مع زملائي المصريين في تراب المغرب العزيز

الذي أكرمني في صغري وفي كبري،

الحمد لله، اللهم اغفر لنا وسامحنا يا رب العالمين،

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته”

وصية المرحوم نور عبد المطلب موثقة في حوار مصور أجريناه معه في مقر جريدة “أنوار بريس” يوم 22 يونيو 2017

 

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image