المصطفى فروقي يكتب شذرات من زمن الحجر الصّحّي: مجتمع الفرجة، مسكوت الصورة، وجبل بوحياتي

أحمد بيضي الثلاثاء 21 أبريل 2020 - 04:00 l عدد الزيارات : 22704
  • المصطفى فروقي (°)

 مجتمع الفرجة ومسكوت الصّورة

من مواصفات مجتمع الفرجة أنه مجتمع يقدّس الصّورة ويجعلها ركنا من أركان وجوده ، كما انه مجتمع يجعل من الإستعراض شرطا ضروريا من شروط تحقيق متعة الوجود في الفضاء العمومي.

سياق هذا الكلام ما أصبحت تعجّ به شبكات التواصل الإجتماعي في الآونة الأخيرة من صور ومشاهد تبدو في ظاهرها حاملة لمعاني الفضيلة ودلالات مجتمع التّضامن والتّضحية لكنّها ، في العمق، تخفي معالم وجود مختلف لما يقوله ظاهر الرّسالة بما تحمله في طياتها من حقائق، مضمرة، تعبر عن نفسها خارج إرادة الباثّ والمتلقّي على السّواء.

يمكن التّذكير في هذا السّياق بمشاهد سيل الصّور التي يروّجها بعض المحسوبين على شريحة الميسورين والمشاهير عبر وسائل التّواصل الاجتماعي، للتّعبير عن “تضامنهم” مع الفقراء والمشرّدين من خلال التقاط صور وسيلفيات لهم وهم يمدّونهم بما جادت به عليهم “طيبوبتم” و”رقّتهم” وأخلاقهم “الفاضلة” من صدقات وأعطيات لا تعدو في حقيقتها أن تكون في كثير من الأحيان أشياء تافهة لا تسمن لا تغني من جوع .

هذا، وإذا كان ظاهر الرسالة/ الصّورة أو السّيلفي يجعل من الشّخص “المتصدّق” فاعل خير لا يشقّ له غبار وإنسانا متواضعا لا يجد غضاضة في الاقتراب من الفضاءات المهملة للمشرّدين ومن الملاذات السّفلية للكادحين، وتلك هي الرّسالة التي يريد أن يبعثها لنا ولنفسه من خلال نشر الصّورة على شبكات التواصل الاجتماعي ، فان باطنها يفيد أن “الإحسان” لم يعد قناعة فرديّة تهمّ الشّخص المعني في حدّ ذاته.

كما أنّ الفعل التّضامني لم يعد حدثا خالصا يهمّ بالدّرجة الأولى فاعله بل إن الأمر غدا شبه “موضا” جديدة يصبح عبرها المشرّدون والمتسّولون أداة من أدوات تزكية الذّات والنّفخ في وجودها عبر البدائل الافتراضية وعبر التّرويج، في حالتنا هاته، بواسطتها، لنزوع “خارق” لا يعرفه الناس عن المعني بالأمر والمتمثّل في الوجه المتواضع والخدوم الذي تتمتّع به الذّات فاعلة الخير التي لا تقوم في العمق سوى بممارسة متعة الوجود في الفضاء العمومي وهي مرتدية “لباس الإحسان” الذي يدرّ عليها وابلا من “اللاّيكات”، وبالتالي مزيدا من متعة الإحساس بالوجود الذي ليس في حقيقته في هذا السّياق بالذّات سوى إحساسا مزيّفا في ظل فقاعات مجتمع الفرجة .

لكن في المقابل، يمكن ان تكون الصّورة وسيلة للتعبير عن ازمة اعتراف او عن مطالبة به في سياق اصبح فيه هذا الاخير ، كما تقول الفيلسوفة إيلزا غودار، ” يتم من خلال الصّورة والنظرة الافتراضية للأخر”، يكفي ان نتأمل ما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزية الوطنية في الآونة الأخيرة من مشاهد الاحتفال بمغادرة الطلائع الأولى للمتعافين من وباء كوفيد 19 للمستشفيات العمومية وما آثاره ذلك من استحسان ومن انتقادات وتنبيهات في أحايين اخرى لما يمكن ان تؤول اليه مثل هاته الاحتفالات عندما تنفلت، عن غير قصد،عن التقيّد بالاحترازات الضرورية من نتائج عكسية قد تكون سببا في المزيد من انتشار الوباء خصوصا عندما تتم عملية الاستقبال للمغادرين امام بوابات المشافي .
فاذا كان المعنى المباشر الذي تودّ هاته التعابير، التي اضحت نمطيّة بفعل التكرار، تبليغه هو طمأنة المغاربة، سواء المصابين منهم أو المحتمل اصابتهم بالدّاء وكذلك ذووهم، بأنّ الوباء يمكن الانتصار عليه بفضل تضافر الجهود كما تودّ تبليغهم ان الحرب على الفيروس تتم بفضل تضحيات جيش من الأطباء والتقنيين والإداريين والعاملات والعمال في قطاعي النظافة والأمن بالمستشفيات العمومية الذين يستحقون بسبب ذلك منا الشكر والتقدير وهم يعتصمون بالمستشفيات بعيدا عن أسرهم لأداء الواجب ويعملون في شروط صعبة ولا يلتمسون منا نحن المواطنين، كلّما منحوا الميكروفون، غير الالتزام بالمكوث بمنازلنا واحترام قواعد الحجر الصحي لإنقاذ البلد من شرور انتشار الوباء

وإن الثّاوي خلف طبقات الصّور المتراصّة في هاته الرسائل بالذات هو ما تعبر عنه مشاهد الاحتشاد والاصطفاف للعاملين بالمستشفيات لتوديع متعاف او متعافيين من الوباء من تعبير جماعي ضمنيّ عن شعور عدم الاعتراف الذي طال هاته الشريحة الاجتماعية كما طال القطاع الصحّي برمته لمدّة طويلة من الزّمن بفعل إهمال السّياسات العموميّة للخدمة الصّحّيّة العموميّة وعدم ايلاء العاملين فيها ما يستحقونه من اهتمام واعتبار اجتماعيين .

وبالتالي فان الصّورة والحالة هاته لا تقول فقط ، كما تبدو في ظاهرها، وداعا للمتعافين ولا تلعب فقط دور التّطمين للتخفيف من رهاب الوباء على عموم الناس بل ايضا تقول وعبرصور المصطفّين من اطبّاء وممرضين ومسؤولين إداريين وتقنيين وعمّال ،وذلك هو عمق الصورة ،.. انتبهوا: .. اننا هنا.. كنّا.. وما زلنا.. وسنبقى رغم كل الصّعاب .

نافذة على جبل بوحياتي 

كان الجبل، ولا زال، في كلّ الثقافات الإنسانيّة رمزا للتّحدّي و الصّمود، كما كان رمزا للتّعالي وموطنا لاكتشاف كنه الأعماق فينا بعيدا عن حروب الدّلالات وزيف الإيديولوجيّات، ولذلك شكّل على الدّوام ملاذا للباحثين عن الصّفاء في الأفكار كما في الحياة ، يلجئون إلى قممه كلّما ضاقوا ذرعا ببؤس التكرار، يرتوون من “عيونه” الرّقراقة، ثمّ يعودون للسّفوح، كطيور مهاجرة ، بنفس بديل وبطاقة متجدّدة تمكّنهم من استيعاب متغيّرات الحياة بحكمة الفلاسفة وعمق الشّعراء وحدس المتصوّفة وبشجاعة المقاتلين، تلك كانت علاقة الجبل بالسّهل منذ القديم ، فهو الذي يروي عطشه هو الذي يجدد دماءه وطاقاته من الموارد في زمن الحروب والمجاعات والأوبئة التي كانت المدن تقع ضحية لها في زمن اللاّعولمة.

في زمن الحجر الصحي ، وكلّما هممت في صباح كل يوم بفتح نافذة غرفتي لأطل على وجودي من بوابة العالم في الخارج، أجد نظراتي مشدوهة الى قمة جبل “بوحياتي” العظيم مسترجعا لحظات التّيه الجميل في مداراته البديعة والدّاغلة حيث شجر البلّوط الأخضر يتلبّس بالصّخور المتعالية التي تمنح لمتسلّقيها فسحة لا توصف للإنتشاء بجماليّة بانوراما عاصمة زيان التي تبدو من هناك قلعة حمراء يشقّ نهر أم الربيع غبارها بعدما يكون قد زحف عليها، في صمت المتعب أحيانا وهدير الهائج أحيانا أخرى، من الأعالي المجاورة.

جبل يبدو من نافذة غرفتي على شكل طائر أسطوري ضخم وقد خفض جناحيه ونشب مخالبه بعيدا في عمق الأرض بين الصخور، داسّا رأسه في غمار انتظار مرور عاصفة هوجاء على شاكلة “عاصفة كورونا” التي تهبّ اليوم على العالم،
وهي الصّورة التي تجعلني كل مرّة أستحضر تعليقا لصديق وقد لا حظ تعلّقي بهذا الكائن الخرافي قائلا: “هي فقط لحظة انتشاء تشعر بها في دواخلك فيبدو لك هذا الجبل على غير ما هو عليه “فكنت أجيبه أن الأمر قد يكون كذلك لكن لا ضير في أن نضفي عليه ما يبدو لنا من تهيؤات ومضافات وتوابل ثقافية تجعل منه كائنا يتجاوز كينونته الطبيعية وتلك هي خاصية اللغة، أضيف، التي نحيا عبرها في هذا العالم الفسيح وننتج عبرها في كل السّجلاّت الثّقافيّة تجاوزا وتمرّدا على وظيفتها الحسّية المتمثلة في التسمية والتعيين وهي وظيفة لا يمكن، إن سادت وحدها، إلا ان تفقر وجودنا على الأرض .

ولعل ذلك، او ما هو اقرب منه ، هو ما حدا بطلائع الجيوش الاستعمارية بإضفاء مسحة ثقافية على هذا الجبل لتلطيف وقع المقاومة الشرسة التي واجههم بها فأطلقت عليه ” مائدة زيان ” مستوحية في ذلك هندسة موائدهم المستطيلة- الشبيهة بهياة هذا الجبل – التي تعكس من خلال شكلها رؤية خاصة للوجود وللزمن فيه، وهي رؤية تختلف جذريّا عن رؤية مغاربة وزيان ذلك العصر كما تعكسه موائد الأكل التي كانت ولا زالت قبل ان تغزو قشور الحداثة بيوتنا دائرية الشّكل .

ولعلّ الدّائرة هنا لم تكن شكلا هندسيا فارغا من المعنى، كما هو الشّأن بالنّسبة للمستطيل لدى الوافد الجديد ، وإلّا لما كنّا نجدها ممتدّة في كل مظاهر الحياة، الفنية منها كما الاقتصادية والاجتماعية – الزّخارف ، الرّقصات الجماعية وخصوصا رقصة أحيدوس، أشكال تحصين الإنسان والحيوان ، توزيع وهندسة فضاءات تجميع المحاصيل الزراعية ، طبوغرافيا المباني والتخييم الجماعي وغيرها من مظاهر الحياة المتشعّبة في جبال الأطلس العنيد .

إن الأمر يتعلق بتصور للوجود تتناوب فيه الموت مع الحياة والأفول مع الانبعاث كما الذهاب مع الإياب في دوران لا متناهي لعجلة الزمن تماما كما هو الأمر مع الدورة الطبيعية وهو ما كانت عليه دورة الحياة هنا في” بوحياتي” كما في أنداده من بقية الأعلام الشامخة التي تتصادى مع وجوده.

وإذا كان الأمر كذلك في الأمس البعيد فان هذا الجبل اليوم يتراءى وهو الطائر الخرافي العملاق جديرا بأن يسمّى ” فينق زيان ” ذلك الطّير الأسطوري الذي ينبعث من الرّماد منتصرا ، بعد كل كبوة ، للحياة وللعودة للتحليق بعيدا في سمائها بعد انقشاع العاصفة .

(°) باحث في التراث الثقافي
تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image