ناجي.. الكوفيد.. والجائزة الثالثة ضمن ربيع القصة القصيرة بجهة الداخلة وادي الذهب

إدارة النشر الثلاثاء 19 مايو 2020 - 23:00 l عدد الزيارات : 20672

أنوار بريس الداخلة

مساء يوم الاحد 17 ماي الجاري، المديرية الجهوية لوزارة الثقافة والشباب والرياضة  قطاع الثقافة بالداخلة، تعلن عن نتائج مسابقة ربيع القصة القصيرة في نسختها الثانية، وذلك عبر صفحة المديرية الجهوية.

هذا وفي إطار فعاليات هذه الدورة الثانية 2020، تم تنظيم أمسية أدبية عن بعد، تناولت موضوعا هاما وغنيا حول ” راهنية القصة القصيرة بجهة الداخلة وادي الذهب تجارب وآفاق” شارك في تنشيط أطوارها الكاتب الكبير ابن مدينة الداخلة وأحد أعمدة الفن القصصي بالمغرب الأستاذ عبد السميع بنصابر والروائي المتميز الأستاذ أحمد بطاح إلى جانب الإعلامي المعروف بإذاعة الداخلة الجهوية الاستاذ سي أحمد العهدي

تجدر الإشارة إلى أن الندوة عرفت تلاوة التقرير الختامي للجنة التحكيم ليتم الإعلان عن النصوص الفائزة والخاصة بفئة أقل من 18 سنة وفئة الكبار.

وكان من بين الفائزين بأحد المراتب الثلاثة الأولى في هذه النسخة الثانية من فئة الكبار الاطار الإداري نورالدين المتقي مدير مؤسسة الابداع والتفتح الفني والادبي بالمديرية الإقليمية وادي الذهب، وهو الذي سبق أن فاز في النسخة الأولى 2019 لربيع القصة القصيرة بالداخلة بالجائزة الثالثة كذلك عن نص “وابتلع الحوت أحلام الصغار”)

النص ناجي.. الكوفيد.. يحكي قصة تدور أحداثها بأحد دواوير الأرياف المغربية، إليكم النص كاملا. 

 

قصة قصيرة، صنف الكبار

ناجي.. الكوفيد…

ذ.نورالدين المتقي

ولد الڴرطيط، من الوجوه المعروفة عند تجمعات رأس العين أحد دواوير الهامش. امتهن والده تقطير التين حتى تشققت قدماه بتصريفه للزبائن.

ساعد شيخ المركز، وعينه على كل صغيرة وكبيرة، ينام بأعشاش القطع الزراعية بعد ان رفض العيش إلى جانب زوجة أبيه وهي التي حلت ببيتهم خلفا لأختها “رقية” المتوفية العام الماضي. كانت تعزه كثيرا ولكن حبه لوالدته كان أكبر من ذلك.

لا يستحم إطلاقا، يتبول في العراء مترصدا عورات النساء. يحلو له أن يسير بحواشي ساقية الدوار ملازما كمنجته “موبيل” متغنيا بروائع ولد الصوبا وخربوشة ومستلهما الأوزان من تدفق المياه.

بعض الدراهم المتحصل عليها مقابل خدماته، لم تنفعه يوما في النيل من معشوقته التي كانت ورغم ذلك تشفق من حاله حتى أحبته المسكينة مع توالي اللقاءات المسروقة، إنها البنت البكر ل “سعادة الشيخ” أحد أعيان القبيلة.

فضولي بشكل جنوني، يحشر أنفه في كل شيء ويحرص على أن يجمع قصاصات الاخبار من هنا وهناك وينفخ فيها ما شاء ليزداد القوم إعجابا به وهو يحدثهم عن الوباء الذي يغزو العالم، غير أن مخالطيه من العارفين بمعادلات “الروندة” لا يعنيهم الامر إطلاقا بل يتبادلون القهقهات بردادها الهالك على إيقاعات “الصوطة” وضربها الخماسي والعشاري، بعيدا عن احتساء السجائر فكم فضل “تبويقة” العشبة اللعينة، ليعود ادراجه ليلا يحمل خطاه ويخلد إلى النوم بعد يوم شاق بين متاهات الفراغ. 

وهو على هاته الحال، وفي غفلة قاتلة من الزمن، انقطع ولد الڴرطيط مرتميا في أحضان وسادته، حتى استيقظ فجأة وسط سباته العميق على ارتفاع مهول في درجة حرارته، غير دار بحاله يتحسس جبهته المبللة، وهو يرتجف بشكل لا إرادي فبدا عليه القلق الكبير كأنه لم يسعد بالأمس قط. بالكاد خرج من “العشة” وخيوط شمس السماء تراقص أعينه، ترنح غير بعيد من المكان ثم سقط.

الدوار خال من حركة الرجل، ليس من عادته تقول إحدى النساء لا شك أنه مفلس هذه الايام ولا يملك ما يراهن عليه عند “علال” صاحب المقهى الشعبي والبقية من الرفاق.

من زاوية أخرى غير بعيد عن المعصرة، أحد الرعاة مشمرا على جلبابه يجري وكأنه يحمل نبأ يوم الفناء، يصيح: “واهيا ناري ولد الڴرطيط ساير يموت”.

أي تضامن هذا عند هؤلاء البسطاء من أبناء الشعب، واي خيط ناظم يربط هذه الافئدة من تجمع اغلب مكوناته تطبعها الامية وتغزوها الخرافة بعيدا عن التمدن وفي عزلة عن الاعلام.

وككل قرية، ففقيهها منارتها ومرد أمور دينها ودنياها، أشار عليهم بالابتعاد فالوباء هذه الأيام يأتي على الأخضر واليابس وإخطار شيخ العشيرة بات ضروريا.

وسط ذهول الجميع، تقف “عواطف” إلى جانب بنات الدوار، وهي تعلم أنهن يتغامزن عليها لأنها ربما تحضر لتلقي النظرة الأخيرة، على من هام بها عشقا بين شعب رأس العين، وتحمل أشواك “الڴرنينة” ليهديها باقة “بلعمان”، ويمنيها بالسفر إلى “الطليان”.

الشيخ في مهمة خارج البلدة، لكن شهامة ابنته قطعت كل مسافات الانتظار بعدما احضرت الجرار، مرتدية لوازم تعقيم التربة ضد الحشرات الضارية والطفيليات، تضع قناعا يغطي كامل وجهها لتنظر من ثقب عينيها وهي تحمل ولد الڴرطيط إلى “الشاريو” وكأن المشهد فيه شيء من زمن “الكوبوي” الرائع.

مستوصف مهجور، وقنينات المشروبات الغازية الفارغة تؤثث المكان وصوت الرعب يخترق كل الاتجاهات و”عواطف” ماضية رغم انها تسير نحو المجهول في سباق مع الزمن.

بين فينة وأخرى كانت توقف مطحنة الجرار المزعجة، وتقفز بخفة بطولية إلى العربة الفولاذية لتطمئن على ولد الڴرطيط الانسان قبل أي شيء آخر. لا جديد حرارة جد مرتفعة، وهلوسة مفزعة لكن بها شحنة هوى في غير وقتها ربما تدفع بالوصول نحو الهدف.

“لا خيار، لابد من الهروب نحو باب المستشفى الكبير ولتقم القيامة بعد ذلك إن جاء أجلها، وهذا شواظ الظهيرة وكأنه عازم أن يقتل ما بداخلي من أمل”، هكذا كانت تهمس “عواطف” في اذنيها وهي تضع سترة واقية من الشمس الحارقة على نصف جسده الامامي حتى لا يضيع حلمها الإنساني وهي تحمله بين دراعيها الرقيقتين.

على بعد بضع كيلومترات من الهدف، تتوقف عجلة الإنقاذ بعدما نفذ مخزون وقود الوسيلة الوحيدة المتوفرة للتنقل وسط مسالك غير معبدة ولا تصلح إلا للحرث أو التزاور في فترات متقطعة إبان مواسم الحصاد أو الاعراس.

جنود الخفاء، كما في كل ضائقة ومع صدف الزمن التي تجود بها السماء وينبعث فرجها من تحت الثرى، يسوق الحظ ل”عواطف و ولد الڴرطيط” وهما في محنتهما نحو الاستشفاء، راحلة لأحد أبناء سوريا الذي اعتاد حفر الآبار وفي جعبته الكثير من الثقوب المائية التي أحدثها بدواوير الأرياف وأشبع بطنه “الزرود” بخيامهم حتى شاركهم الاموال والأولاد، وهو الآن يخاطبهم بلهجتهم البدوية حتى إنه نسي لسان موطنه.

معي يا بنت “شيخنا” المحترم ما يبلغنا المستشفى، اطمئني سيكون بخير، لا شك أن والدك يحضر اجتماع القيادة، الوباء يستشري في الخارج بشكل كبير ومقلق للأسف.

توقعت أن يصاب المسكين فهو كثير التجوال والمخالطة، كم نصحته بالبقاء في منزلهم رغم ما يقوله عن زوجة والده، فالبيت على الاقل آمن في هذه الظروف.

لم تكثرت “عواطف” لكلامه فعيناها كانتا على الباب والتفاتتها هي الأخرى ظلت دائمة إلى الخلف خوفا على المريض.

وسط المستشفى، تتوسل عواطف لكل من رأته ان ينقد حياة “ناجي” فهو الاسم المقيد كتعريف لولد الڴرطيط في بيانات مكتب الضبط الخاص بمستعجلات المستشفى حين وصولهم إليه.

إلى الإنعاش ساروا بالرجل فحالته مبكية، كما قالت إحداهن كانت في زيارة لقريبة لها وضعت مولودها للتو، اقتربت من عواطف واستنزفت ما بقي من جهد لديها، صالت وجالت بها في الانساب وجغرافية المكان وطرقت معها كل أبواب العلم بالأشياء وتاريخ العلاقات حتى انهارت المسكينة بجسدها فوق الأرض، كم كان الزليج قاسيا وقد فاحت من بياضه رائحة الأموات.

وها هي تستفيق من جديد وقد علت أصوات المواليد من داخل غرف الاستيقاظ إيذانا بميلاد فجر آخر تستغيثه عواطف ليحمل معه البشرى وسلامة ناجي كما الرضع الصغار عند أول رشفة من لبن الحياة.

طال الانتظار، والتحق من تخلف بالأمس وفرضت مسافات الأمان ووضع كل لجام فمه وانفه وأخذ الجمع دوره للنظر إلى ناجي من بعيد، ستار زجاجي عازل، كم كان الفصل الموالي متعبا إلى حدود الانهيار. من يقوى على الهزيمة من وراء الحجب، إلا من تسلح عزيمة ترسلها جند بقوة الشهب.

خرج الطبيب، وقد تعرق جبينه يخطب في الناس من بعيد: الزموا بيوتكم وحافظوا على ذواتكم فإن الخطب اليوم جسيم والجائحة كبيرة وليس لنا إلا الماء والصابون واطلبوا العون من الله عسى ان يرفع عنا البلاء.

الزيارات ممنوعة، الأكل ممنوع، التجمعات ممنوعة، سوف نسمح بأقل من ساعة لشخص واحد لعيادة مريضه، والسلام.

عالم كوفيد، عالم جديد إلا أنه موحش، لم نتوقع يوما أن يحدث هذا ولكنها إرادة الله سبحانه وتعالى كما كان يرددها عمي علاء الدين رفقة السندباد وياسمينة في رحلتهما نحو المجهول.

في انتظار أن يستفيق ناجي ويتخلص من كابوس العناية المركزة، ألحت المرأة الغريبة على عواطف باصطحابها إلى البيت، لقد أقنعتها بعدم وجود أي فندق بالحارة المجاورة للمستشفى.

بيت ترتاده من حين لآخر بعض وجوه خاصة جدا، ولا مكان فيه للحديث عن كورونا أو غيرها. دخلت عواطف مشدوهة لتنزوي في مكان مركون واخذت تتحسس جواربها وغطاء رأسها دون أن تنبس بكلمة، لقد أدركت أنها في ورطة حقيقية. ليتها لم تصادف هذه المرأة ولم تقبل دعوتها أصلا، واخدت تتوسل للعلياء أن ترفع عنها هذا البلاء الجديد أيضا.

في لحظة مداهمة ليلية لقوات الامن من شرطة الآداب، اعتقالات ومحاضر استماع، يصرخ ولد الڴرطيط مستيقظا في هلع وسط “العشة” وهو يصيح: ” ولا.. ولا.. حق مولانا مدارت حاجا”.

وقتها أدرك أنه فعلا ناجي وأخذ يترحم على والدته “رقية” التي تنبأت في أمومة خارقة أن ولدها من الڴرطيط الأب سيظل محروسا بعين السماء التي لا تنام.

لملم حاجاته وانصرف إلى دكان القرية الوحيد، كعادته اقترض قطعة صابون وكيس “شامبوان” صغير ومحكا من بقايا شباك الصيادين، ليتوجه إلى أبعد نقطة في ساقية الدوار ويغتسل من كابوس كاد ان يزهق روحه.

اجل لقد فكر في الاستحمام قبل كل شيء، فما رآه من هيتشكوكيات الزمن القريب علمه أن التعايش مع الوباء اللعين يبدأ بنظافة الابدان، وان الحياة في الماء، وأن السلامة من “كوفيد/موفيد” وقد استحل كافه ميما، درس في لوح محفوظ.

هو الآن في الطريق إلى بيتهم الأول، وقد بدت عليه علامات التحسر تجاه زوجة أبيه “للا جميعة” فهي خالته، ورفضه ان تحل مكان المرحومة والدته كان خطئا كبيرا. رجع أدراجه صوبها وطلب السماح ففاضت عيناها بكاء، هي التي لم ترزق من والده أخا له فظلت عانسا حتى وهي في عنق رجل، إنها عاقر.

قبل رأسها وارتمى في حضن والده، فهمس في أذنه هذا الأخير أنه على استعداد لخطبة “بنت الشيخ” فقد فاتح والدها في الامر أكثر من مرة وكان جوابه دائما “الله يكمل بالخير”.

أشغال بالبيت، فخالة ناجي آثرت على نفسها وزوجها ان تجعل من “المصرية” غرفة نوم لابن اختها وشريكته، طامعة في ان يملآنه فرحا بوافد جديد من أحشائهما.

لن نقيم العرس، فالحالة طوارئ كما تعلمون، سوف يعلن مسعود “البراح” عن الزفاف من على كدية زاوية قبر “مولاي المعطي”، حتى يعلم الجميع بالخبر، كما أن الولائم ستقام إن شاء الله بعد رفع الحجر الصحي، والحاضر يعلم الغائب.

عاد ناجي ولد الڴرطيط يمني نفسه بالشيء الكثير بعد ان عقد العدول ورقة القران، وعواطف بجانبه ولا تعلم انها هي التي أحدثت هذا الانقلاب المفاجئ في حياته حتى وإن كان في الاحلام.

لن يضطر ثانية إلى استعمال الكمامة، فعواطف في شهرها السابع، وينتظر ناجي كما خالته منها ان تكون شعلة الفرح بدارهم.

ابتسامة مشرقة هذا الصباح بباب “سعادة الشيخ” وهو يستقبل خبر قدوم حفيده الأول على الهاتف، لقد حل ليلة البارحة ب “المصرية” المباركة على يدي “مي السالكة”، أقدم وأشهر قابلة نساء الدوار وباقي الدواوير المجاورة.

تمر الأيام ليس كعادتها، وهذا الحكم ماض في خلق المولى ولكن الفرج حتما قريب .. أجل قريب ..

انتهى…/.

الداخلة بتاريخ 04 ابريل من العام 2020

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image