المصطفى فروقي يكتب من الحجر الصّحّي عن “السيلفي في زمن التحولات”

أحمد بيضي الثلاثاء 26 مايو 2020 - 19:08 l عدد الزيارات : 49196

ذ. المصطفى فروقي (°)

 “لا يجب ألّا ننسى أنّه إذا كان العالم قد تغيّر فنحن من غيّره” – إلزا غودار

    أصبحت مواقع التّواصل الاجتماعي، منذ بدايات العقد الأخير، تعجّ بالصّور و”السّيلفييات”، حيث يصرّ المبحرون في النّيت على نشر صورهم الشّخصية وعرض “سيلفياتهم” على شاشات الحواسب والهواتف الذكّيّة، مما جعل من هذا السّند التّواصلي الجديد – السّيلفي – ظاهرة سوسيوثقافية أثارت انتباه المفكرين والفلاسفة لما رافقها من أسئلة تهم انتقالات الذات الإنسانية في ظل الموجات العاتية للعصر الرّقمي وما ترتّب عنه من تغيّرات عميقة على مستوى علاقاتنا بالزّمن وبالفضاء وباللّغة كبيت للكينونة .

    في ظل الرّقمية، لم يعد الزّمن ماضيا وحاضرا ومستقبلا، بل أنه غدا بعدا واحدا يتمثل في “المباشر المتّصل” أو “الهنا والآن”، وما أفرزه من أشكال جديدة للتعبير يحكمها “الاستعجال والمباشرة والآنية والسّرعة” (1)، أمّا عن علاقتنا بالفضاء فلم نعد ننظر إليه من خلال أبعاده الثّلاثة (الأفقي والعمودي والعمق)، بل أصبحنا مع هيمنة الرقمية أمام بعد واحد ووحيد تمثله الأفقية التي تشكل الشاشة مجالها الأثير، حيث أصبح البعيد ” قريبا والانتظار وغير المتوقّع والغريب لم يعودوا جزء من الحياة ” (2).

   أمّا الإبدال الثاّلث، فهو المتغيّر الذي طال علاقتنا باللّغة حيث انتقلنا من عالم يبنى بالكلمات إلى عالم يشيّد بالصّور وبالتّالي من “عالم يحكي نفسه ويفكّر فيها الى عالم ينظر إليه” (3) بصيغة الغائب .

   في هذا السياق المزلزل لعلاقتنا بالعالم شكل ظهور وانتشار “السّيلفي” دليلا على تحولات “الانا” في زمن الرقمية حيث لم نعد نقبل على البحث عن “أنانا” في القول الذي ننتجه حول الذات والعالم أو الذي ينتجه الآخر حولنا، عبر وسيط اللغة، بل أصبحنا نبحث عنها في الصورة التي أصبحت تحتل كل مكان مشكلة “لغتنا” الأولى والوحيدة في شبه عودة لكهف أفلاطون “حيث الصور المرسومة على الجدران – الظلال- تحلّ مكان الحقيقة” (4).

    غير أن هذا الواقع لا يعني أن “السّيلفي” يخلو من الدّلالات والإحالات على مضامين فنّية أحيانا واجتماعية ونفسية أحيانا أخرى، فهو من جهة بديل معاصر للبّورتريه، خصوصا وأن ظهوره تزامن مع بروز الذّات الافتراضية كما تزامن، في السابق، ظهور البورتريه في الفن التشكيلي مع بروز “الذا” كمقولة فلسفية، كما أنه تعبير فني أيضا لا يخلو من الطابع اللّعبي والجمالي، ومن جهة ثالثة فهو تعبير عن مقاومة للتلاشي والزّوال ونشدان للخلود وبحث مستمرّ عن اعتراف الأخر بنا في زمن أصبح فيه الإحساس بالعزلة واقعا لا يرتفع في ظل امتداد وهم “التواصل” الذي بشّرت به الرّقمية عندما وعدتنا انه لن تتركنا وحيدين .

   إن مدعاة هاته التوطئة ما لاحظناه من تراجع بل واختفاء ل “السيلفييات” من شاشات المبحرين من أصدقائنا الواقعيين والافتراضيين في الآونة الاخيرة وفي احسن الاحوال ما حدث من تغير في مظاهرها ومضامينها المعروفة قبل زمن الجائحة .

إن الرّجّة العميقة التي طالت علاقة الانسان بذاته وبالأخر، في زمن كورونا، ضاعفت من عزلته أمام تقلص فضاءاته اليومية وأمام التغيير الذي طال عاداته وأنشطته في الحياة، وأمام اضطراره للعيش محروما من امتداده في الفضاءات العمومية ناهيك عن الغربة التي غدا يعيشها تجاه جسده أمام انحجابه عن الانظار وبفعل سلطة حجب القناع لعنوانه (الوجه) لما يغادر فضاءه الخاص الى الفضاء العام .

   في زمن الخوف الجاثم على صدر العالم تغيّر منظورنا مرة أخرى، وبشكل فجائي للزمن، حيث لم يعد لا الحاضر ولا المستقبل يستهوي تفكيرنا وتأملاتنا بسبب الهشاشة التي أصبحنا نستشعرها حيال الراهن والاتي، وهو ما يعبر عنه غوص جماعي ملحوظ في اعماق الذاكرة عبر استحضار صور الماضي البعيد أو “سيلفيات” ماض قريب وتقاسمها مع الأصدقاء في مواقع التواصل الاجتماعي مرفوقة في كثير من الأحيان بسرود نوستالجية أو بمحكيات تمجيد للهويات الضائعة وللفضاءات والامكنة المفقودة كصيغة بديلة لهروب جماعي من قسوة وبشاعة الرّاهن ومن عنف الواقع وصلا فته.

   إن واقع الاختفاء المفاجئ ل “السيلفيات”، الطّرية والجديدة، من على شاشاتنا لم يمنع المبحرين من التحايل في حالات خاصة على ترويض الذات واقناعها بالبروز ولو من وراء “قناع” أو على الأصحّ قناع القناع حيث قذف كثير من الاصدقاء بصورهم الى مواقع التواصل الاجتماعي وهم مرتدون لكماماتهم كما نشر اخرون صورا لهم وقد طالت اللحى وجوههم او حلقت شعور رؤوسهم الى درجة الصّفر على غير المعتاد خصوصا في فترات تجديد الحجر الصحي وكأننا أمام تعابير جماعية عن مقاومة لاشعورية للتكرار الممل للزمن واعلان عن تجدد رمزي من داخل رماد الوقت .

   وعلى الصعيد العالمي، لم تخل شاشاتنا من عرض صور تداولها العالم وخصوصا في بدايات استفحال الوباء ل “سيلفيات” مشبعة بألم اليومي في ممالك الموت – المستشفيات – بسبب الفيروس اللعين كنّا خلالها نطلّ على وجوه متعبة لأطباء يعملون على امتداد ساعات طوال تحت ضغط تنامي انتشار الوباء وتهديداته، كما رأينا وجوه طبيبات حفرت الأقنعة الطبية اللصيقة على وجوههن الناعمة خلال مدّة طويلة خدود يوميات الحرب على كورونا في مستشفيات مكتظة إلى حد الاختناق بأعداد المصابين.

   إن فحوى الرسالة التي كان يستنبطنها “السيلفي” كتعبير عن “أقصى درجات العزلة ” (5)، لما كان وسيلة لاستكشاف الذات ومحاورتها ووسيلة للاحتفاء بالأنا وانتزاع الاعتراف بها من الآخر لم تعد على نفس المنوال، إذ يبدو أن من واقع غيابه أو حضوره النّادر والمختلف، في الوقت الراهن، إنه أصبح دلالة على عزلة مضاعفة وعنوانا ممكنا للرّجّة العميقة التي أصابت الإنسان في اعماقه حيث جعلته لأول مرة كائنا يستشعر هشاشته وخفته وضعفه بعدما كان يعتقد، واهيا، أنه اصبح مسيطرا على الطبيعة ومتحكما في مصيرها وفي مصيره قبل أن يجد نفسه، على حين غرة، مقذوفا به إلى عالم جديد لا يكاد يعرف إلا النزر اليسير عن أسراره ونواميسه.

(°) باحث في التراث الثقافي

 – (1) نيكول هيبرت، عن إلزا غودار، أنا أوسيلفي إذن انا موجود: تحدّيات الأنا في العصر الافتراضي، ترجمة وتقديم سعيد بنكراد، الطبعة 01، 2019 ، المركز الثقافي للكتاب، ص 55 .
-(2)
 إلزا غودار، مرجع مذكور، ص 56.
– (3)
إلزا غودار، مرجع مذكور، ص 62.
– (4)
إلزا غودار، مرجع مذكور، ص 105 .
-(5)
سعيد بنكراد : السيلفي أقصى درجات العزلة، بالعربية .نت، 25 أغسطس، 2019.

 

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image