هيلين اليوسفي … المرأة التي فتحت بوابة التاريخ ليدخل رفيقة حياتها سجل الأبدية … !!
إدارة النشر
الخميس 9 يوليو 2020 - 22:40 l عدد الزيارات : 64627
منير الشرقي
ما بين مدينة البوغاز والجزيرة اليونانية ejineكان قدر الحياة يحضرلميلاد طفلينسيخرجان للدنيا ليركضا في رحاب الأرض الواسعة مملوئين بالفرح والحبور… طفل وديع إسمه عبد الرحمان سيكبر بين أدراج طنجة العالية ،سيعيش شغب الحياة بين أزقتها ودروبها العتيقة وعلى ضفاف مياهها البحرية الممتدة ….في الضفة الأخرى بالطرف الجنوبي من شبه جزيرة البلقان …ببلاد الإغريق مهد الديمقراطية والفلسفة الغربية وبجزر بحر إيجة اليونانية،ستستنشق أوكسجين الحياة طفلة ودودة إسمها Helene.. كبقية أطفالالعالم …ستكبر ، وهي لا تدري أنهاستكون رفيقة حياة زعيم تاريخي ….ستكون القلب المرهف لقائد كبير ، بل ستكون حبيبته وطبيبته ومصممة لباسه ، وعينه الساهرة على أناقته وعطوره الراقية …
قصة حب ستدوم 73 سنة ، قد تبدو استثنائية ، تمازجت فيها محنة الغربة وضراوة النضال والمطاردة ، تراوحت بين البحث عن الأفق والآمال العصية بيقين المؤمنين ، حياة زعيمتدرجت أحداثها المتواترةبحس مرهف لامرأة كانت مهمتها أن تضخ الكثير من الصبر و الجلد و الحنين لرفيقة حياتها ، فتوفقت في أن تكون بجانبه ، لتفتح له بوابة التاريخ و يدخل سجل الآبدية …
هلين اليوسفي التي قال في حقها ، منذ سنتين ، يوم تقديم مذكرات سي عبد الرحمان ” أحاديث فيما جرى “بمسرح محمد الخامس بالرباط ، المناضل الحقوقي رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان بمصر محمد فايق وزير الإعلام في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر و الذي قضى 10 سنوات بسجون أنوار السادات بدون تهمة..” إذا كان وراء كل عظيم امرأة…فإن هليلين،زوجة عبد الرحمان اليوسفي ، لم تكن خلفه طيلة مسار حياته ، بل كانت بجانبه تنير له الطريق … !!”
تلك كانت لحظة راقية للاعتراف بامرأة استثنائية اختارت مرافقة رجل استثنائي ليحلقا معافي الأعالي و يخلقا معا نموذجا متفردا للعلاقة الزوجية.. كانت سر نجاح سي عبد الرحمان في عالم السياسة كما يمارسها الكبار ، و السعادة في الحياة كما يبتسم الحظ الجميل للكثيرين وهم يمرون في قطار الحياة بأبهى صور وأجملها .
شاءت الأقدار الجميلة أن تكونصدفة اللقاء الأولبمدينة الدار البيضاء سنة 1947 ، وكانت المناسبة نهاية السنة الدراسية بنجاح ، وكان مطلوبا من التلميذ لحظتها” عبد الرحمان اليوسفي” تقديمعرض مسرحي في الحفل المنظمبذات المناسبة ، و كان اليوسفي يعلب فيه دور النادل .. حيث قرر مخرجالمسرحيةأن يرتدي سي عبد الرحمان بذلة بيضاء للقيام بهذا الدور ،وبما أنه لا يتوفر عليها ، فقد أرشده أحدهم إلى خياط كان قد حل حديثا بالمدينة قادما إليها من فرنسا ، و فتح محله بالشارع المعروف حاليا بالأمير مولاي عبد الله ، و لم يكن هذا الخياط المقصود غير والد ” هيلين” السيد PANDALIS KESSISSOGLOU . و بعد فترة ، جمعتالصدفة ، للمرة الثانية ، سي عبد الرحمان بالحاج أحمد بناني تاجر الأثواب بالجملة بالدارالبيضاء الذي دعاهلتناول العشاء معه ، و فوجئ عندما وجد“Helene” و عائلتها ، وكانت مناسبة للتعرف عليهم ، حيث علم أنها عائلة معروفة من أصل يوناني ، تحمل إسم ” كسيسيو كلو ” .
فكيف استطاع هذا ” الفارس ” … الذي لم يكن له الوقت الكافيللالتفات لحياته الخاصة من أن ينجز مشروعا ” حياتيا” مع رفيقة دربه Helene..وهو الذي اعتقل في مرحلة أولى سنة 1959 …وفي مرحلة ثانية سنة 1963 … ثم جاءت بعدها قضية اختطاف الشهيد المهدي بنبركة ، فكان عبد الرحمان اليوسفي مطالب أخلاقيا و سياسيا و مهنيا كمحامي بأن يشد الرحال إلى باريس لمتابعة القضية كطرف مدني ، و لم يصدر الحكم في هذه القضية إلا سنة 1967 ..
يحكي عبد الرحمان اليوسفي في مذكراته ” أحاديث في ما جرى ..” عن هذا القدر الجميل الذي جمعه مع رفيقة حياته Helene ، حيث قررت عائلة هيلين مغادرة المغرب بصفة نهائيةسنة 1965، واستقرت في مدينة ” كان CANNES ” بالجنوب الفرنسي ، و في سنة 1968 أي بعد 21 سنة من التعرف على Helene وعائلتها ، تم عقد الزواج بين عبد الرحمان اليوسفي ورفيقة دربه ببلدية الدائرة السادسة بباريس ، و قد أشرفت على عقد هذا القران محامية أحمد بن بلة مدلين لفو فيرون …
كان والد Helene منذ الستينات من القرن الماضي – يحكي عبد الرحمان اليوسفي في مذكراته – يداعبني و يكرر على مسامعي باستمرار : “متى يقوم ملككم الحسن الثاني بتعيينك وزيرا أولاكي يرتاح .. غير أنه مات ستة أشهر قبل أن يلبي الملك الراحل رغبته ..”
و عن أصول رفيقة دربه Helene ، يحكي عبد الرحمان اليوسفي ، أن جدها كان يتاجر بالبواخر بين تركيا و روسيا لعقود ، و كان عائلتها تقيم بمدينة ” إنوبلوس” على البحر الأسود ، وبعد الحرب العالمية الأولى ، احتل الأتراك تلك المنطقة ، فخيروا جميع اليونانيين الأورثودوكس بين التخلي عن ديانتهم للحفاظ على ثرواتهم أو الرحيل خارج المنطقة . و قد اختارت عائلتها الرحيل ، ليتوجه أفرادها مباشرة إلى مدينة ” ليون” الفرنسية . كان والد هيلين لا يزال أعزبا ، و تعرف على أمها ” CHRISTINE CARAMLAMBOS” ليتم الزواج بمدينة ليون حيث رأت النور ” هيلين ” و أختها أنييت و أخويها ألان وجون ..
بعد الحرب العالمية الثانية ، شجع أحد الأصدقاء عائلة هيلين ، و قد كان يعمل طبيبا للعيون بمدينة الدار البيضاء ، و هو الدكتور ” دورDR DAUREعلى المجيء إلى المغرب ، و بالفعل رحلت العائلة إلى المغرب سنة 1947 ، حيث فتح والدها محلا للخياطة بالشارع الذي يحمل حاليا اسم الأمير مولاي عبد الله ، بينما فتحت أمها دكانا لبيع ملابس الأطفال بالشارع الذي يحمل اليوم إسم الشهيد مصطفى المعاني ….
يحكي عبد الرحمان اليوسفي في الجزء الأول من مذكراته أن زوجته هيلين تحملتوضحت بالكثير وهي تقف بجانبه ، فقد ساعدته في رحلة الغربة الشاقة و المتعبة .. و بلغة ممزوجة بكثير من الامتنان يقول .. ” أنا مدين لها بالكثير .. فقد كنت دائم التنقل من اجتماع إلى اجتماع ، و من موعد إلى آخر ، كما كنت أتلقى زيارات كثيرة ، في أي وقت ، ليل نهار .. و الشكر موصول لها أيضا على العلاقة الخاصة و المتينة التي كانت تربط بينها و بين والدتي رغم غياب التواصل اللغوي ، و لكن كمياء التواصل كانت تسري بينهما بشكل غريب ، و كان تبادل المحبة و الود متأصلا و عظيما لدرجة أثارت انتباه الجميع !!” ..
في معمعان الحياة ، كان لابد لسي عبد الرحمان ورفيقة دربه من أن يقتنصا وقتا رغم الضاغط ليشدا الرحال معا إلى مدينة CANNESالفرنسية ، لأنهما كانا على موعد ثابت مع مهرجان “كان” السينمائي لمتابعة آخر الأفلام ، ليجلسا في الصفوف العامة ، وليس على البساط الأحمر بين النجوم كما تقول هلين .. !!
لقد عاشت المرأةمع سي عبد الرحمان مر الحياة وحلوها ، وكانت مقتنعة أن لهذا الرجل موعد مع التاريخ ، حين استطاع أن يبرم “صلحا” تاريخيا مع ملك البلاد الحسن الثاني ، وأن يصاحب ، كأب روحي وفي ذمته وصية الأب ، الملك الشاب محمد السادس وهو مقتنع أن ساعة الانعطافة التاريخيةمع عهده، آتية لاريب فيها… لقد عاشت هلين حياة البسطاءرفقة سي عبد الرحمان ، في بيتها الخاص كما في الإقامات الملكية العامرة …واختارت بكل طواعيةالعودة إلى شقتها بحي بوكونبعد نهاية ولاية زوجها بمقر الوزارة الأولى ، وتعففت بأن تظل في ظلال الإقامات الوارفة بعد نهاية ” المهة ” مهمة الانتقال السلس بين عهدين ، ووضع قطار الانتقال الديمقراطي على سكته ، وانتصار المغرب على سكتته القلبية ، بل وانتقاله إلى مصاف الدول الصاعدة التي تحظى بالاحترام في المنتديات الدولية .
رحل سي عبد الرحمان …وهو يعلم أنه أكمل الرسالةكما يفعل الزعماء الكبار ، رحلشامخا بسيطاليرقد في قلوب الناس الطيبينوفي ذاكرة التاريخ الذي سجل إسمه كنجم ساطعفي الأعالي ..و إيمانا منها بثقافة الاعتراف ، و بالنظر إلى مكانة الراحل في قلب ملك البلاد ، بادرت هيلين ، على غير العادة ، إلى تقديم التعازي في وفاة رفيق دربها إلى ملك البلاد جلالة الملك محمد السادس ، تقول فيها : ” وإذا كنت قد رزئت في زوجي ورفيق حياتي ، فإن المغرب و المغاربة قد رزؤوا في خديم وفي نذر حياته كاملة في خدمة ملوكه واستقلال ووحدة وإقلاع بلاده ” وتضيف هلين بلغة غامرة بالكثير من الامتنان” إن اليوسفي كان يكن لجلالة الملك الكريم عميق مشاعر الود الأبوي التي مافتئ يعبر عنها حتى خارج مهامه الرسمية .. إنني أشاطر جلالتكم هذا الألم كما أشاطره مع شعبكم .”
رحم الله سي عبد الرحمان …تلك قصة حياة تنتهي ، كما ابتدأت ، بذات البهاء ، و بذات الإيمان على أن لنا في هذه البلاد – كما قال القائد عبد الرحيم بوعبيد في وصيته الأخيرة – “رسالة ينبغي أن نؤديها على الوجه الأكمل ، لأن ما نقومبه يجب أن يتجه إلى الشعب و إلى المصلحة العامة . “
ستذكر Helene لا محالة ، وهي تعيش لحظة الفقد القاسي ، قولة الزعيم الجزائريالأخضر الإبراهيمي الذي شبه سي عبد الرحمان بالبوذي التي تود النساء أن تضعن رؤوسهن على كتفه ” لذلك وإن كانت قساوة الموت قد تحرم المرأة من هذا الحضن الدافئ …فإن هيلين اليوسفي كتب لها أن تدخل التاريخ من شرفته العالية …بعد أن سكنت صورتهاقلوب المغاربة وهي تقف وقفة الوداع الأخير بمقبرة الشهداء ..لتقول وداعارفيق عمري وإلى الفردوس الأعلى نلتقي ..وداعا وداعا …لروحك الطاهرة السكينة و السلام ” .
تعليقات
0