إدارة النشر
الجمعة 21 أغسطس 2020 - 22:12 l عدد الزيارات : 29546
عبد السلام الرجواني
كل المؤشرات تثبت ان الوباء مرشح لمزيد من الانتشار في اتجاه رفع الراية البيضاء. وامام هذا الزحف القاتل للوباء، لم يعد مفيدا في شيء توجيه اللوم لهذه الجهة او تلك، دون انكار حق المواطن(ة) في التعبير عن راي او موقف. السؤال الرئيسي الآن هو: ما السبيل الى تجنب الأسوا ؟ وكيف لنا، دولة ومجتمعا مدنيا، ومواطنين ومواطنات الاسهام في تطويق دائرة الوباء باقل الخسائر على المستوى الاقتصادي والاجتماعي؟ باية استراتيجية وقائية وعلاجية يمكننا جميعا انقاد المغرب من خطر داهم ندرك جميعا محدودية منظومتنا الصحية في مواجهته؟ لم نعد نملك وقتا للنقد والتشكي والاتهام، بغض النظر عن النوايا والمقاصد، لم يعد وقت لتصفيات حسابات سياسية ومحاكمات فيسبوكية غير عادلة في كثير منها. مسؤولية تفشي الوباء مشتركة، تعود في جوانب منها الى قرارات ادارية غير محسوبة من ابرزها اقامة اضحية العيد وتشجيع السياحة الداخلية وما صاحبهما من تنقل مكثف بين الجهات والاقاليم ومن اختلاط؛ وتعود في جوانب اخرى الى عدم تقيد عامة الناس بقواعد السلامة الصحية وانسياقهم مع اجواء العيد ومغريات السياحة. وكيف ما كان الحال، كل الجهود يجب ان تتجه الآن الى ما نحن فيه، وبحث سبل التصدي لمزيد من التردي الصحي. من خلال تجارب دول اخرى في مختلف مناحي المعمور مع كوفيد 19 المستجد، يبدو، في غياب اللقاح والدواء الناجع، ان هناك ثلاث اختيارات: الحجر الصحي التام، مناعة القطيع، حالة الطوارى والتقيد باجراءات الوقاية. ومن الواضح ان نجاح هذا الاختيار او ذاك يرتبط اساسا بنوعية تفاعل المواطنين والمواطنات مع كل اجراء انسجاما مع الوعي الصحي في كل مجتمع. في مجتمعات يسودها الانضباط والضبط الذاتي، ويحترم اهلها روح القانون، ويقدر فيها الانسان حق الآخرين في الحياة، ويتحلى فيها اامواطن والمواطنة بروح المسؤولية، يمكن انجاح اية استراتيجة، ويبقى للحكومات تقدير اية اسنراتيجية هي الاصلح بناء على تقديرها للحالة الوبائية. عكس ذلك في مجتمعات الامية الثقافية والوعي الزائف والتفكير الخرافي وسيادة الفهلوة وروح الاستهتار بالقانون وازدراء المؤسسات وغياب روح المسؤولية، يبدو انه من الصعب انجاح الاستراتيجية القائمة على مبدا الوقاية من خلال التدابير الاحترازية المعتادة. فالمشاهد اليومية للحياة الجماعية للمغاربة بالشواطئ والاسواق والمقاهي مشاهد مهولة، لا كمامات ولا تباعد… وان حضرت الكمامات جعل منها كثير من الناس مجرد خرق عالقة بآذان صماء او اعناق مشرئبة. ومن تناقضات المشهد ان هؤلاء انفسهم لا يتوقفون عن الحديث عن تقصير الدولة وعن نقد الحكومة وعن الوضع الماساوي بالمستشفيات…وحدهم رجل الصحة ونساؤها ورجال الامن ونسائه يواجهون بشجاعة ضعف الامكانات البشرية واللوجستيكية من جهة واستهتار الشارع وبهلوانيته من جهة ثانية… لذلك نرى اننا اليوم امام اختيارين احلاهما مر كما يقال: العودة الى الحج الصحي وهو اختيار صعب سيعصف لا محالة بالاقتصاد الوطني وسيؤدي الى استفحال الازمة المالية والاجتماعية، او الاستمرار في المقاربة الوقائية القابلة للتعديل حسب تطور الوباء مجاليا …اما الاختيار الثالث المتمثل في مناعة القطيع فهو اختيار لا يعنينا اعتبارا لما اوردنااعلاه من سمات السلوك الجمعي ببلانا. ومن الطبيعي ان تكون المقاربة الوقائية اصعب المقاربات على التطبيق لانها مقاربة تحتاج الى انخراط الجميع في احترام مقوماتها والتشبع بقيم المواطنة و ثقافة التضامن في حماية سلامة الافراد وعافية المجتمع. هي مقاربة لا تعتمد الزجر وانما تعتمد الارادة الحرة والفعل الحر والمسؤول. بالتاكيد انه من الصعوبة بمكان ان نبدل من سلوك من تربى على فوضى السلوك الاجتماعي، وعلى ثقافة القضاء والقدر، وعلى انانية مفرطة، فصار يعتبر التهور شجاعة، وخرق القانون جراة. من نشا على هذا النمط في التفكير والسلوك لا يحترم القانون لكنه يخاف من ظل شرطي يحمل هراوة. هكذا تراهم يعلقون كماماتهم باعناقهم ويقهقهون، حتى ان عنت لهم سبارة شرطة ارتبكوا في تسوية الكمامة عل وجوههم المصفرة. قال لي صديق” معارض”: ليس للشعب اية مسؤولية لانهم ( وهم في هذا السياق تعني من حكموا المغرب) جهلوه، وها هم يقطفون ما زرعوا. والضمير هنا يعود عل الحاكمين. اجبته : قد يكون، لكن من يقطفهم كورونا الآن؟ اليسوا ابناء الشعب من كل الفئات ومن كل الجهات؟ صديقي “المعارض” متعلم ومثقف وصاحب مقاولة. لم يجهل ولم يهمش ولم يفقر. كثير غيره يرون في الجائحة ومخلفاتها مناسبة للتشفي في الدولة وفي الحكومة وفي الاحزاب، ولا يتشفون في الحقيقة الا في طوابير المصابين على ابواب مستشفيات ضاقت بروادها، واتعب الوقوف اطباءها وممرضيها واعوانها. المقاربة الوقائية تحتاج اليوم الى هبة وطنية تسهم فيها الحكومات بكل قطاعاتها بتوسيع العرض الطبي ودعم الاطقم الطبية، والاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بتنظيم حملات تحسيسية عن قرب. لو خرج اليوم نشطاء ١٦٠٠ جمعية ومناضلو ٣٦ حزب الى شوارع المدن واسواقها للتفسير والحث وتقديم القدوة، كم يفعلون في الحملات الانتخابية والتظاهرات الممولة، لساهموا فعلا في تصويب سلوك جمهور واسع. ومن واجب الاطر الطبية وعلماء الاجتماع وعلم النفس الاسهام بدورهم في تنوير الراي العام على المحطات التلغزيونية. ولا يقل دور الاعلام السمعي البصري والالكتروني ان يستضيف الخبراء في كل المجالات للحديث عن مخاطر الوباء وسبل مقاومته بدل الانشغال بتوافه الوقائع… وفوق هذا وذاك وجب على الواطنين قاطبة التفاعل الايجابي مع الاجراءات الاحترازية بوعي ومسؤولية … فليكن كل قدوة لغيره… حتى تعود البسمة لشعبنا والامل لعيوننا.
تعليقات
0