أحداث ليلة عاشوراء، محاولة للفهم….

إدارة النشر الإثنين 31 أغسطس 2020 - 14:23 l عدد الزيارات : 45367

  عبد السلام الرجواني

ما عاشته شوارع البيضاء، وربما شوارع وساحات مدن أخرى، من عنف وبلطجة، كان أبطالها مئات من الشباب والفتيان، يسائل منظومتنا التربوية بكل مكوناتها وكل الأجهزة الايديولوجية للدولة وجميع المسؤولين على الأمن الإجتماعي ببلادنا.
نعم، ومما لا شك فيه، أن ما شهدته البيضاء ومدن أخرى ليس حدثا عابرا ولا طارئا، وإنما هو نتاج تراكم سياسات فشلت في تاطير الشباب تاطيرا تربويا وفكريا وجمعويا وسياسيا، فتركتهم فريسة للأمية الثقافية والبطالة الزاحفة واليأس القاتل وشتى النزعات اللاعقلانية في فهم الدين والسياسة والحياة. يبدو أن شبابنا يعيش مأزقا وجوديا حقيقيا اتجاه ذاته واتجاه محيطه الاجتماعي والثقافي، تتقاذفه هويات متناقضة وملتبسة، وتحكمه نزعات الرفض والتمرد نحو مؤسسات الدولة وثوابت المجتمع دون أن يمتلك الوعي الكافي لصرف مشاعر ” الحكرة” والحرمان التي تسكنه تصريفا إيجابيا من خلال المشاركة الفاعلة في التغيير المطلوب. إنه شباب مدمر ومدمر، غير راض عن واقعه وغير قادر على تغيير الواقع.
حينما تنضاف مشاعر الاحباط والقهر الاجتماعي والاقتصادي لدى الشباب إلى ضعف المقومات الفكرية والثقافية، ويغيب التاطير المؤسساتي والمجتمعي، لا يبقى إلا الضياع في دهاليز التطرف والعنف والانحراف، واستغلال أية مناسبة، طقسا دينيا أو مبارة لكرة القدم أو سوقا للخراف أو غيرها من حالات التجمهر، لتفجير مكبوتات مترسبة في وعي جمعي زائف وشقي، وللتعويض عن مشاعر الدونية والتهميش والقهر النفسي.
نعم، ما حدث بمناسبة عاشوراء، وما يحدث بملاعبنا وأسواقنا ودروب مدننا وحرم جامعاتنا، من عنف وتدمير، يسائل كل مؤسساتنا التربوية والثقافية:
– الاسرة المغربية التي يبدو أن كثيرا من أربابها تركوا الحبل على الغارب، وفقدوا كثيرا من السلطة المعنوية والاخلاقية التي كانت لهم. فما هم حافظوا على قيم السلف ونمط العلاقة التربوية التقليدية، وهو أمر غير ممكن في ظل الانفجار التكنولوجي/ المعرفي، ولا هم استوعبوا وتمثلوا وعملوا بقيم التربية الحديثة… أضاعوا ما كان ولم يمتلكوا ما يجب أن يكون. وبين هذا وذاك، لم يبق إلا الفراغ والحيرة والدهشة والاشيء.
– وكذاك كان مآل السلطة التربوية للمدرس(ة) الذي أضاع كثيرا من مكانته الاعتبارية كمرجع معرفي وقدوة في الاخلاق ومثال في السلوك. لم تعد المدرسة مؤسسة للتنشئة والتهذيب والتربية على مكارم الاخلاق، وإنما توقف دورها، حصريا، على التعليم من أجل الحصول على شهادة ولو غشا وتزويرا. هكذا أصبحت المدرسة نفسها فضاء للعنف الجسدي والرمزي، وأصبح ” النجاح” المدرسي يباع ويشترى، وأصبحت الشهادة نفسها بلا قيمة علمية ولا تخول إلا لقلة قليلة من خريجي الجامعات والمعاهد نوعا من الارتقاء الاجتماعي. الجامعة التي كانت لعقود منارا للعلم والمعرفة ومجالا لصناعة النخب ومعقلا للنضال من أجل التغيير تحولت إلى مشتل لتفريخ التطرف الديني والسياسي وساحة حرب لا تنتهي وسوقا للنخاسة الجسدية…
– وفي السياق ذاته من حقنا مساءلة الاعلام الرسمي وغير الرسمي، المنطوق والمكتوب، الرقمي والورقي، عن تراجع دوره النوعي في نشر قيم المواطنة والالتزام بقيم النزاهة والاضطلاع بدور صناعة رأي عام متنور. ففي الوقت الذي تضاعفت فيه المنابر الاعلامية وطنيا وجهويا ومحليا، وانتعشت حرية التعبير والنشر، تدهور الخطاب الاعلامي الذي جعل من الفضائحية خطا تحريريا لا يهمه في نهاية المطاف سوى توسيع دائرة الزبناء والرفع من المردود المالي… هكذا أيضا ساهم جزء غير يسير من وسائل النشر والاعلام في “تربية” النشء على عدم الثقة في المؤسسات والتشكيك في كل شيء، ورسم صورة قاتمة للراهن والمستقبل…
– ومن حقنا أيضا مساءلة المجالس العلمية وائمة المساجد عن دورهم في تهذيب الناشئة. فبدل إنتاج خطاب ديني منفتح على القضايا الحقيقية للشباب وجعل المؤسسة الدينية في خضم العمل التوعوي بقضايا العصر وإشكالات المجتمع، ما زالت هذه الأخيرة منشغلة بقضايا الفروض والمناسك ونواقض الوضوء، وهي قضايا قدم فيها الفقهاء منذ فجر الاسلام ما يكفي من أحكام واجتهادات. فعاشوراء التي جعل منها بعض من شبابنا فرصة لاشعال الحرائق ومهاجمة رجال الأمن لا علاقة لها بالمذهب المالكي، وأنا على يقين أن جل من ” احتفل” بعاشوراء لا يعلم عنها شيئا ولا يهمه أن يعلم. أليس حريا بالمؤسسة الدينية ان تجتهد في تبيان تاريخية عاشوراء ودلالتها.
– ومن حقنا أن نسائل جمعيات المجتمع المدني والاحزاب السياسية عن إسهامها في تأطير الشباب. عدد الجمعيات يناهز ١٦٠٠٠٠ جمعية و عدد الاحزاب يتجاوز رسميا ٣٠ حزبا، وكذلك عدد النقابات… غير أن اثر هذه المؤسسات المدنية والسياسية على الناشئة يبدو هزيلا، ويسير حثيثا نحو الاضمحلال.
من الواضح إذن أن حالات التيه والضياع في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة لا يمكن الا أن تكون أرضية خصبة لتنامي نزوعات العدوانية لدى الشباب، ومن الجلي ان انهيار كافة اشكال السلط التقليدية في غياب مشروع تربوي جديد يستلهم قيم المواطنة وقواعد العقلانية، ويرتبط بمشروع تنموي ينعش آمال الشباب في حياة أفضل، سيؤدي(الانهيار) الى تنامي ظواهر العنف والتطرف. ولعله جدير بالقول ان سياسة الزجر والعقاب غير كافية لوقف النزيف. سجوننا تضيق بنزلائها، وحتى إن لم تضق فالمعطيات تبين أن المؤسسة السجنية غير مؤهلة لإعادة تأهيل وإدماج من ولجها.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image