البيجيدي و الاتحاد الاشتراكي (3)

إدارة النشر الأحد 27 سبتمبر 2020 - 17:44 l عدد الزيارات : 10387

عبد السلام المساوي
 
1_ عبد الرحمان اليوسفي والتأسيس لدولة الحق والقانون
لقد عمل الاتحاد الاشتراكي على تأصيل المفاهيم وزرعها بذكاء في أرض المغرب ، فعندما يتحدث ،مثلا ، عن دولة الحق والقانون ، فهو يعني بأن هذا المفهوم ليس شعارا يرفع او كلاما للاستهلاك ، بل هو ممارسة وسلوك ، لذلك ناضل الاتحاد الاشتراكي وعمل على نقل هذا المفهوم من مستوى التنظير الى مستوى الفعل ، فمع أواخر حكومة التناوب ، قدم الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي حصيلة العمل الحكومي للمرحلة التي قاد فيها الوزارة الأولى ، ويكفي أن نلقي نظرة موجزة عن المحاور الستة لحصيلته لنتأكد من صدق النظرية والتطبيق وتكاملهما في الخطاب الاتحادي ؛
– ترسيخ حقوق الإنسان وتخليق الحياة العامة ؛
– إصلاح النظام التربوي وتكافؤ الفرص امام التربية والتكوين ؛
-التنمية والاستثمار وانعاش الشغل ؛
– التنمية الاجتماعية والتضامن ؛
– عقلنة تدبير الشأن العام ؛
– تنشيط العمل الديبلوماسي ؛
انها محاور تدل بوضوح على أن الهاجس الأساسي يتمثل في إرساء دعائم دولة الحق والقانون ، وإدخال قواعد جديدة في مجال تسيير الشأن العام ، سواء على المستوى الداخلي او الخارجي .
لقد انطلقت حكومة التناوب من أولويات عامة كانت توجه عملها ؛ انجاح الانتقال الديموقراطي ، انجاح انتقال للغرش ، اعادة هيكلة مؤسسات تسيير الشان العام ،احداث قطيعة مع التجارب السلبية السابقة ، القضاء على الموروثات السلبية …لنلاحظ ان الامر لا يتعلق ببرامج محددة او قصيرة المدى ، ولكن ببرنامج شامل يغلب عليه الطابع السياسي .
لقد كان واضحا منذ البداية ان مهمة حكومة التناوب لم تكن تتعلق بالملفات الصغرى ، ولكن اساسا بوضع البلاد في سكة جديدة .
ان الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي ، هنا ، كان يدشن للعمل التنموي من خلال المدخل السياسي ، المعتمد على إيلاء مكانة خاصة لدولة الحق والقانون وللانسان باعتباره المحور الأساس لكل إصلاح اجتماعي او اقتصادي او سياسي . وهكذا تم فتح ورش متعددالجوانب في مجال الحريات العامة والفردية واصلاح العدل ، والعلاقة بين الإدارة والمواطن ، وتمجيد القضاء من خلال تنفيذ الأحكام وفرض احترامها من الفرد والدولة على السواء ، وفي مجال النهوض بشؤون المرأة ، وحماية حقوق الطفل ، والحد من الفوارق الاجتماعية ومحاربة الفقر ، وفي مجال تخليق الحياة العامة ، ومحاربة الفساد و الرشوة .
وهكذا يتبين وبالملموس ، ان الاتحاد الاشتراكي ، عندما يرفع شعارا او ينتج مفهوما او يطرح برنامجا سياسيا ، فليس بغرض التغليط والتمويه ، الضجيج والبهرجة ، وليس بغرض دغدغة عواطف الجمهور والسيطرة على مشاعره وكسب أصواته ….
ان مفاهيم الاتحاد الاشتراكي مفاهيم نابعة من وعي نظري عميق وقابلة لتجريب عملي مسؤول ….من هنا كانت هذه المفاهيم ، وفي كل مرة ، ثورة في حقل سياسي يطغى عليه العقم والجمود ، الاجترار والرتابة….
2_ عبد الإله بنكيران ؛ من المتاجرة بالدين الى المتاجرة بالفقر
حدث ان كانت سابقة في التاريخ المغربي : لأول مرة يخرج رئيس حكومة سابق ليبلغ عموم الناس انه طلب من زوجته مهلة ثلاثة أشهر لتسوية أحواله المالية ، وأنه شرع في البحث عن عمل يسد به رمقه …
بالنسبة لمنتقديه ، ما أقدم عليه رئيس الحكومة السابق من تباكي امام عموم الناس لا يليق برجل كان مسؤولا كبيرا في الدولة ، وآخرون لم يصدقوا كيف للفقر ان يطرق أبواب سياسي كبير ظل برلمانيا لمدة تقارب النصف قرن ، وقضى خمس سنوات رئيسا للحكومة ، ولديه استثمارات سابقة في التعليم الخاص والتجارة .
وعاد آخرون الى تقليب بعض صفحات التاريخ ، وفي المحصلة تسجيل لعبد الإله بنكيران في بداية دخوله البرلمان يسأل فتح الله ولعلو ، وزير الاقتصاد والمالية في حكومة ع الرحمان اليوسفي ، عن المعاشات الاستثنائية ، ويشرح انها غير معقولة في ظل وجود مواطنين يعانون الفقر وان هؤلاء هم الاولى بتلك الاموال من الوزراء …
والأكثر سخرية من ابن كيران او غضبا منه تساءلوا كيف يمكن لبنكيران ، الذي أجبر الموظفين على مراجعة نظامهم للتقاعد ، ان يحصل على تقاعد بقيمة سبعة ملايين سنتيم دون أن يساهم فيه ولو بدرهم واحد .
والظاهر ان حزب العدالة والتنمية استشعر حجم الحرج ، الذي وضعه فيه امينه العام السابق ، ولذلك لم يتبين روايته بشأن حصوله على حصوله على تقاعد استثنائي أمر له به الملك محمد السادس ، ولم ينشرها في موقعه الإلكتروني الرسمي .
كان بإمكان بنكيران الا يثير كل هذا الجدل من حوله ، والذي تحول الى انتحار رمزي لشخصه ، لو انه سلك المسطرة العادية للحصول على معاشات الوزراء ، وهي المسطرة التي ينظمها القانون ويحدد شروط الاستفادة ومقدارها .
لكن ابن كيران أخبر الجميع انه رفض التوقيع على وثائق وزارة الاقتصاد والمالية ، وأنه لم يقبل بالمعاش الا بعد أن أمر له به الملك . وبسبب ذلك فتح بابا اخر للسخرية والتهكم ، وقال منتقدوه مرة أخرى انه رفض مسطرة المعاش الحكومي ، لأنها لن تدر عليه سوى أربعة ملايين سنتيم ، في حين أن مسطرة المعاش الملكي تضمن له تسعة ملايين سنتيم .
لكن ابن كيران ليس رجل الماديات كي يحسب معاشه بهذا الشكل ، هو رجل رمزيات سياسية ، ومن قلب الفقر والمعاش الاستثنائي يريد ايضا ان يخرج برمزيات جديدة .
وفي هذه النازلة طرح السؤال التالي : لماذا رفض بنكيران معاش وزارة الاقتصاد والمالية وقبل المعاش الاستثنائي الذي أمر به الملك ؟
الجواب لا يوجد في السياسة العصرية ، بل في أدبيات السلاطين القدامى ، كما يتصورها ويريد أن يعيشها ابن كيران ، الرجل لا يريد تعويضا من الدولة ، يريد تعويضا من ” السلطان ” . وهو يعتبر نفسه قدم خدمات للملكية خلال ” الخريف العربي ” وليس لغيرها ، وعليها أن تدفع الثمن النقدي لذلك .
وابن كيران يريد ، ايضا ، ان يناقش معاشه الاستثنائي بمنطق المخزن الكلاسيكي وليس بمنطق الدولة العصرية ، هو يؤمن بما يسميه الدكتور عبد اللطيف أكنوش ” نظام المكافآت الممول للشرعية للنظام المغربي ” والذي يحصل عليه خدام ” دار المخزن ” بعد مغادرتهم ” للعمل السياسي الإجرائي ” ، ولا يؤمن بنظام التعويض عن المهام الذي تعتمده بروتوكولات وقوانين الدولة الحديثة .
ووفق هذا المنطق المخزني العريق ، وبروتوكولات الآداب المخزنية ، اقحم ابن كيران الملك في تناقضاته الشخصية ، وجعل المبادرة الملكية ، وهي التفاتة إنسانية ، ورقة حمراء يشهرها في وجه منتقديه ، وحصنا منيعا يختفي وراءه كي لا يتحمل مسؤولية اختياراته .
(……) ولذلك تساءل كثيرون باستغراب : كيف يمكن لكل هذه الثروة التي يجنيها حزب البيجيدي من السياسة والانتخابات ان تنتج لنا ( زعيما ) ورئيس حكومة سابق يكاد يصل إلى تلك المرحلة التي لا يجد فيها ما يسد به رمقه .
وفي الواقع لم تكن الحكاية حكاية فقر ، كانت محاولة أخرى للمتاجرة بالفقر من أجل رسم صورة معينة في أذهان المغاربة البسطاء على بعد مسافة قليلة من انطلاق السباق الانتخابي الاكثر ضراوة ”
مرة اخرى ، مرات ومرات ، لازمة لن نمل من تكرارها : انهيار أسطورة الطهرانية الأخلاقية للبيجيدي و ل ” كبيرهم ” و ” زعيمهم ” عبد الالاه بنكيران ….المتاجرة بالدين مربحة ، المتاجرة بالفقر مربحة ، فالمتاجرة باللغة العربية والمتاجرة بالوطن …وحدهم المواطنون والمواطنات مخدوعون منخدعون ، يدفعون ثمن انخداعهم ، وما زمن المحاسبة ” 2021 – ببعيد …انه غدا …انه موعد الحساب …الإسلاميون يؤمنون بالديموقراطية للمرة الواحدة ، والمغاربة ينخدعون مرة واحدة……انتهى كلام ليبدأ كلام !

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image