الدكتور سعيد كفايتي لأنوار بريس:” خيار التعليم الخصوصي الذي اتبعه المغرب كان خيارا سيئا و تجربة “التعليم عن بعد”، في المؤسسات الجامعية و المعاهد العليا كانت ناجحة إلى حد ما
أنوار بريس
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 - 17:21 l عدد الزيارات : 26669
نعيش أجواءدخول مدرسي وجامعياختفت فيهبهجة الدخول كعيد سنوي، وبرزت أولويات وانتظارات ، وطفا على سطحقطاع التربية والتكوين موت هلعوتوجسات مريبة ومفزعة بسبب تفشي جائحةالكوفيد 19 .. أسئلة فييجيب عنها الدكتور سعيد كفايتي أستاذ التعليم العالي بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة سايس-فاس/المغرب، أستاذ اللغة العبريّة وآدابها ورئيس فريق البحث في علم مقارنة الأديان بكليّة الآداب والعلوم الإنسانية سايس- فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله.
حواروتقديم : عزيز باكوش
**هل للدخول المدرسي والجامعي اليوم نكهة أوطعم ما؟ وكيف تقيم تداعياته المريبة على نفسيةالطلبة وتحصيلهم المعرفي على المديين المتوسط والبعيد ؟
***الواقع أنكورونا أربكت حسابات الجميع ، بما في ذلكالسير العادي في الجامعة المغربية،فبعد أن كانت هذه المؤسسات الجامعية العليا تغص بالطلبة، وتشهد على مدار العام أنشطة علمية مختلفة، أصبحت اليوم بين عشية وضحاها فضاء مهجورالا يتحرك فيه إلا القلة القليلة من المسؤولين أو بعض الإداريين. ومن بين تداعيات هذا الوضع وهو سابقة التأجيل أيضا ، بحيث لم يسبق تأجيل امتحانات الدورة الربيعيةإلا في حالات نادرة ولأسباب معينة.
وبخصوص سؤالكم فيما إذا كان للدخول المدرسي الجامعي طعم أو نكهة مافيمكنالقول أن الأمر كانصحيحا مائة بالمائةقبل أن تُطل عليناجائحة “كورونا” بعنُقها، وأن تشحذ أظافرها المسمومة لتفتك بمن يقع بين يديها أو لتبُث الرعب والهلع بين الناس. تشهد على ذلكالبلاغات الفجائعية اليومية لوزارة الصحةبنعوشها وأرقام الحالات القياسية المؤكدة ،هو من جانب آخر ، رُعب تفنن بعض إعلاميينا في صنعه طلبا لجمع المال، وأصبح لدى آخرين أشبه بالقيامة الآن. وللاستئناس فقط فإن الطُعم أو النُكهةاقترنا في وعينا أو لا وعينا الجمعي بالحلويات أو المثلجات التي قد نلتهمها بشراهة وبدون اعتدال في فضاء ما.وقد يتحايل الواحد منا، نكاية في مرض السكري، ليقتنص مثل هذه اللحظات السعيدة، ويختار مبتهجا النُكهة أو الطُعم الذي يجد رضا في نفسه. النكهات كثيرة ومتنوعة والجميع يعرفها كلها بالإسم أو يعرف على الأقل البعض منها. ولكم أن تختاري الطعم أو النكهة التي تشتهون في ظل مناخ موبوء تطالعنا فيه يوميا أجندات البؤس والحزن والفقدان
أما بخصوص تجربة “التعليم عن بعد”، في مختلف المؤسسات الجامعيةأو غيرها من المعاهد العليا رغم كل ملاحظاتنا السلبية عليها، فقد كانت ناجحة إلى حد ما ، وذلك في تقديرنا راجع لكون المستفيدين منها هم من الراشدين. ويمكن مع مرور الوقت تجاوز الكثير من الثغرات، خاصة إذا ما أقدمت الوزارة على تقديم عروض شراء معدات إلكترونية لصالح الطلبة بأثمنة مناسبة، وإذا عمدت إلى تزويد المؤسسات الجامعية بمنصات في المستوى المطلوب مثلما هو الحال في جامعة الأخوين مثلا ، أو كبريات الجامعات الغربية. فقد تم في نهاية المطاف إنقاذ السنة الجامعية الفارطة. وكان من الضروري إجراء الامتحانات.
*** اختفت بهجة الدخول الدراسي كعيد سنوي ، وبرزت أولويات وانتظارت بهاجس الترقب، كيف تتفاعل الدراسة الجامعية في هذا الوضع المقلق ذو النكهة السمجة والسيئة الذكر؟
** أعتقد أننا كمغاربة جميعا نعيش الآن في ظلهذا الوضع المقلق وهذه الظروف القاتمة،ظروف جائحة كورونا، سواء أردنا أو أبينانحن نتذوق طُعما جديدا لا عهد لنا به، طعمالم يكن له وجود في قائمة علماء المستقبليات أو المنجمين. أقصد ها هنا طُعم وباء الكوفيد 19“كورونا” السمج والسيئ الذكر. وهو ما يلقي بظلاله علىالدخول المدرسي والجامعي الحاليالذي اُريد له أن يكون عاديا، وفي وقته المألوف، وذلك على الرغم من أن كل المؤشرات الظاهرة منها والباطنة تقول عكس ذلك. فالإقبال على شراء الأدوات المدرسية كان أقل بكثير مما هو متوقع. واللهفة على اقتناء الملابس تراجعت إلى الخلف ليحل محلها الحرص على شراء الكمامات وقنينات السوائل المطهرة.بهجة الدخول المدرسي التي كانت عيدا سنويا خبا بريقها أمام الإجراءات الاحترازية التي تم احترامها بدقة متناهية في الأيام الأولى، والتي قد تصير عبئا ثقيلا مع مرور الأسابيع.بعض العادات الموروثة في التصافح والتقارب تستلزم بعض الوقت للتخلي عنها. ولا ننسى أن بعض شبابنا المتمدرسقد لا يكترث من باب التهور بمثل هذه الإجراءات ، وإن كان يعلم حق العلم أنها في صالحه.وقد نصادف كمغاربةمشاكل إضافية قد لا نجد لها نظيرا في فرنسا والدول الغربية. وهو الأمر الذي يُعقد عمل الوزارة الوصية، ويجعل من الإشراف على جميع المؤسسات العامة منها والخاصة إجراء صعبا ومضنيا ومكلفا في الآن نفسه.
** تقصد التعليم العمومي بمستواه الجامعي، هل ينطبق ذلك على النموذج الخصوصي ايضا؟
****يجب أن نعترف أن خيار التعليم الخصوصي الذي اتبعه المغرب في سياق تاريخي معين كان خيارا سيئا. وقد ظهرت للعيان الكثير من عيوبه خلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ العالم. سيكون من المثالية المفرطة أن تكون هناك مطالبة باجتثاثه أو دعوة إلى إيقاف زحفه. فقد صار جزءا لا يتجزأ من نظامنا التعليمي. فالمشهد السائد الآن هو انتشار المدارس الخاصة مثل الفطر في مختلف أحياء المدينة الراقية منها والمتوسطة والشعبية أحيانا. وقد يقطن الطفل في حي ما ويدرس في مدرسة تقع في حي آخر تفصل بينهما العشرات من الكيلومترات. بهذه الطريقة تم ضرب مبدأ القرب الذي كان يتم احترامه في عهد سابق ،حيث كان لا يخلو أي حي كبير أو متوسط من مدرسة عمومية شاسعة. هذا دون الحديث عن المئات من سيارات النقل المدرسي التي تذرع المدينة طولا وعرضا، وتزعج الخلق بزعيقها المستمر. وإذا كان من المسموح به في الزمن العادي أن يقل هذا النوع من النقل ما شاء من التلاميذ، ولم يكن لأحد آنذاك الحق في الاحتجاج أو في التذمر. فما السبيل الآن لتجاوز معضلة الازدحام الذي صار غير مقبول؟ إنه نوع جديد من الارتباك تعيشه المدارس الخاصة بدرجات متفاوتة.
** هناك ميزة للتعليم الخصوصي كونه يمتلك فضاءات مناسبةتساعد على إمكانية تطبيق جميع التدابير الاحترازيةضد انتشار الكوفيد19بما في ذلك التعليم الحضوري ؟
هناك مسألة لابد من الإشارة إليها بهذا الخصوص، هي أن نسبة كبيرة من المدارس الخاصة اليوم هي، كما يعلم الجميع، أشبه بمنزل شخصي يتألف من طابقين أو ثلاث طبقات. فعن أي تباعد نتحدث إذا كانت المدرسة الخاصة على درجة كبيرة من الضيق؟ وعن أي تهوية نتحدث إذا كان هذا هو حالها؟ لنأخذ العبرة مما نعيشه في الوقت الراهن لتكون شروط فتح مدرسة خاصة في المستقبل أكثر صرامة.الجميع مُستاء. الآباء وجدوا أنفسهم منساقين، رغم أنفهم، لاختيار التعليم الحضوري. ليس حُبا في سواد عيونه. فهم يعرفون أن دولا عربية أغنى منا من حيث الموارد المالية وتتوفر على إمكانيات هائلة في التطبيب والتمريض لم تجد أي حرج على الإطلاق في التمسك بالتعليم عن بعد، وأن تجتهد في تطويره ليحقق بعض النجاح. لا أحد يُمكن أن يتكهن بما سيقع غدا. لكن يقول المثل الشعبي “الحضا يغلب القضا”.
كيف تصرفت إدارة الجامعة لتصريف الأزمة ، لاسيما وأن فاتورة الكوفيد على مستوى القطاع كانت فادحة ، كيف نتفاءل بتجاوز هذا الوضعالفجائعي السيئ الذكرذ سعيد ؟هناك جانب قاتموفجائعي من هذا المشهد الجامعي العام ثمة أطر من أسرة التعليم العالي ترحل بسبب الوباء ؟
الواقع ، لا يمكننا إلا أن نثمن الجهود والمساعي القائمة لاستقرار الوضع وعودة الحياة الجامعية الى مسارها الصحيح باقل الخسائر الممكنة ، ونحننلاحظ بترقب بإعجاب كبير في الآن نفسه ، كيف تجندت الجامعات المغربيةبرؤسائها وطاقمها التربوي والإداريللتوفيق بين إجراء امتحانات حضورية ، وتقريب مراكز الامتحانات من الطالب. فترى أن المؤسسة الجامعية الواحدة تُحدث العشرات من المراكز المنتشرة هنا وهناك. وما كان لهذه الخطة الناجعة لتنجح لولا تضافر جهود الجامعة بجميع مكوناتها والسلطات المحلية والمجالس البلدية والقروية والمجتمع المدني ومختلف إدارات الدولة. لا يمكن في مثل هذه الظروف إلا أن نُثمن الجهود الاستثنائية التي تُبذل، والتضحيات الكبرى التي يقوم بها الأساتذة متنقلين أحيانا من مدينة إلى أخرى للمشاركة في الامتحانات. لا يمكن إلا أن نفخر بمسؤولينا الذين رفعوا شعار التحدي، وخرجوا من مكاتبهم ليسهروا بأنفسهم على إنجاح هذه المحطة الأساسية في مسار الطالب.
نعم صحيح ومؤسف في ذات الوقت ، هناكالصورة الأخرى من المشهد،الحقيقة ومهما نُحاول أن نكون متفائلين ومتسلحين بالأمل، تنتصب أمام أعيننا نعوش أعضاء من أسرة التعليم العالي غيبهم الموت. وتشاء الأقدار أن يلحق الواحد منهم بالآخر في أقل من عشرة أيام وكأنهم كانوا على موعد مسبق. يا لها من خسارة كبيرة. تغمدهم الله برحمته الواسعة، وأسكنهم فسيح جناته. ألم أقل لكم في البداية أن الدخول المدرسي والجامعي جاء هذه السنة بطعم جديد، طعم كوفيد 19، طعم الموت والفاجعة والترقب والتخوف والإشعاعات، والأكاذيب والنشرة اليومية وأعداد الإصابات، وأخبار إغلاق هذه المدينة أو تلك. نسأل الله السلامة. والله يخرج سربيسنا بخير.“
تعليقات
0