إدارة النشر
الثلاثاء 13 أكتوبر 2020 - 17:27 l عدد الزيارات : 32974
عبد السلام الرجواني
دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع صيرورتان متفاعلتان على نحو جدلي صميمي، يشترط كل منهما الآخر. كلما خطا المجتمع خطوة على درب التحديث وانفتح على قيم العقلانية والحداثة والديمقراطية، تيسر البناء الديمقراطي للدولة من خلال مؤسسات منتخبة وقوانين اكثر عدلا وحكامة سياسية اكثر شفافية وفعالية، في حين كلما سادت داخل المجتمع قيم المحافظة والتقليد او قيم الانتهازية والنزعات الهوياتية الضيقة تقوى حنين الدولة الى خنق المد الديمقراطي واغتيال الوعي الديموقراطي، ولو عبر مؤسسات “ديمقراطية” شكلية وضعيفة، يهيمن عليها من يهمهم في السياسة ومنها سوى حماية المصالح الشخصية او الفئوية وتنميتها. وبالمقابل، كلما بادرت النخبة السياسية الحاكمة الى الاصلاح السياسي والمؤسساتي بنفس ديمقراطي، ساعدت على دعم التوجهات الديمقراطية داخل المجتمع، واتاحت للحركات الديمقراطية في المجتمع فضاء اوسع للتعبير عن ذاتها. وكلما عملت النخبة نفسها على تأميم الدولة لفائدتها، وجعلت منها اداة لتثبيت سلطتها، ضيقت من فرص الدمقرطة وكبلت إسهام الشعب في العمل البناء المؤسساتي ونفرت النخب الفكرية والثقافية مت الفعل السياسي. ولعل اهم عوامل النفور من السياسة الفاعلة والهادفة الى ترسيخ سلطة الشعب، عبر المؤسسات التمثيلية الشرعية وذات الشرعية الديمقراطية، فساد الحقل السياسي الذي يعتبر الريع السياسي ابرز تعبيراته وأفضحها. يتجلى هذا الوباء الكوروني القاتل للحس الوطني وللوعي الديمقراطي، في التقاعد السخي واللامشروط للبرلمانيين والوزراء، والتعويضات المتعددة والفاخرة لرؤساء المؤسسات المنتخبة وأعضاء المكاتب المسيرة لمجالس وطنية ومؤسسات دستورية استشارية؛ فضلا عن اللوائح الوطنية للانتخابات التشريعية التي أنشئت اصلا لدعم مشاركة الشباب والنساء في العمل السياسي المؤسساتي فاذا بها تتحول في كثير من الحالات الى ترقية الأقرباء وحشد الأنصار وترضية المتمردين والمتمردين… حينما تصبح السياسة مجالا للكسب والاغتناء والترقي الاجتماعي لا عجب ان يمجها الناس وينفر منها ذوو الألباب ويسودها الصراع والاقتتال والتناحر بين الاحزاب وشبه الاحزاب وداخل صفوف نفس الحزب…. حينما تكبر الأطماع في تعويضات تفوق احيانا اجرة رئيس الصين الشعبية، وتقاعد يتجاوز عشر مرات متقاعد افنى عمره في معمل او إدارة، مقابل اربع او خمس سنوات او اقل من ” العمل البرلماني” او الحكومي، حينذاك تفقد السياسة نبلها ويتحول المجال السياسي الى مجال للاستثمار عالي الفائدة، سريع المردودية. وما دامت السياسة مدرة للربح المالي والنفوذ المعنوي، ومدخلا لدوائر السلطة الاقتصادية والسياسية معا، فإنها لا يمكن ان تكون سوى آلية من آليات اعادة انتاج الفساد. دليلنا في ذلك ان كل شعارات محاربة الفساد واعادة الاعتبار للسياسة تبخرت وان من رفعها كان اكثر الناس وأدا لها وانت ماذا في غنائمها. لذا نعتقد أن بداية اي نهوض بالعمل السياسي تقتضي القطع مع الريع السياسي في كل صوره. وأكاد أجزم ان تقليص تعويضات البرلمانيين وأعضاء المجالس العليا والمؤسسات الشبيهة سيدفع بكثير من سماسرة العمل السياسي بعيدا عن السياسة….
تعليقات
0