مدينة طنجة تحسن الإحتفاء العالي بعبد الرحمان اليوسفي

إدارة النشر الثلاثاء 3 يوليو 2018 - 11:15 l عدد الزيارات : 29581
مراسلة خاصة 

طنجة كبيرة، ليس فقط بتاريخها العريق والتليد، بل أيضا بما يصنعه أبناؤها من جميل المبادرات، حين تفلح لوحدها في نسج دروس الوفاء لذاكرة وسيرة بعض من أبنائها الكبار، في خطوهم بالتاريخ. وذلك ما فعلته مع الأخ عبد الرحمان اليوسفي، الزعيم التاريخي للإتحاد، ورجل الدولة الكبير، احتفاء بصدور مذكراته في أجزائها الثلاثة تحت عنوان “أحاديث في ماجرى”، التي حررها رفيقه في النضال الوطني والتقدمي مبارك (عباس) بودرقة. كانت قاعة أحمد بوكماخ الواسعة والعريضة، قد ضاقت بما وسعت من حجم الحضور الكبير، النوعي والوازن، مساء الجمعة 29 يونيو 2018، الذي تنادى لحضور ذلك اللقاء الإحتفائي، ترجمانا على المكانة التي يحتلها اليوسفي في الوجدان العام للمغاربة. ورغم طول ساعات اللقاء (أكثر من 3 ساعات)، بقيت كثافة الحضور كبيرة، منضبطة، منصتة ومتفاعلة. وهو الحضور، الذي سجل ضمنه، حضور لفعاليات ومواطنين من مدن الشمال، من تطوان حتى وزان.

كثيرة هي الرسائل التي أعلنت عن نفسها في تلك الإحتفالية الكبيرة، التي نظمها مسرح بوكماخ بالتنسيق مع هيئة المحامين بطنجة وبيت الصحافة بها، وفعاليات محلية متعددة، في مقدمتها الكلمة الدالة والعميقة التي ألقاها عبد الرحمن اليوسفي، تحية وفاء منه لطنجة، التي صنعته وجدانيا ومعرفيا وإنسانيا، وحتى سياسيا (هناك اكتشف لأول مرة شعارات الأممية الإشتراكية، في الشارع العام، حين كان يرفعها مناضلوا الحركة اليسارية الإسبانية زمن الحرب الأهلية ما بين 1936 و 1939. أنظر نصها الكامل ضمن هذا العدد). وكذا الكلمة البليغة والحميمية، التي أصر على إلقائها وزير العدل المغربي محمد أوجار، التي كانت رفيعة في مبناها، سامية في مقاصدها، وعميقة في ما قدمته كمثال لثقافة الإعتراف من موقع الإختلاف السياسي الحزبي مغربيا. لأنه مع كلمة أوجار، الذي تسامى وانتصر، هو الدرس المغربي، ذاك الذي يقدم للعالمين، معنى أننا نشترك في السقف الوطني، وأننا نمارس السياسة من مواقعنا المختلفة، بأخلاق. ففي تلك الكلمة، كان تمة تشريح مدقق لتجربة التناوب، التي قادها اليوسفي، وكيف كان الرجل صارما، صرامة قائد الفريق، في أمرين: النزاهة ونقاء الذمة لكل وزرائه، وتقديس قيمة العمل وإعلان شأنه. وأن الرجل لم يلعب فقط دورا حاسما في الإنتقال الديمقراطي، بل في الإنتقال السياسي للملك، لم يحدث أبدا بذلك التطريز الدقيق، مثلما حدث مع اليوسفي. كان بوح أوجار بليغا، نوعيا وغير مسبوق، برز من خلاله الرجل كفاعل سياسي مغربي، من طراز وطني رفيع، من الجيل المغربي الجديد.

كانت الزميلة، إيمان إغوثان، الصحفية المتألقة بقناة ميدي آن تيفي، محترفة في تقديم وتنسيق فقرات ذلك الحفل الكبير، الذي تتابعت فيه المداخلات والعروض ولحظات التكريم، بشكل سلس رفيع. وظلت القاعة تتفاعل وجدانيا وإنسانيا، مع تلك الفقرات، تبعا لما ظلت تحدث من أثر في وعيها وانتباهها، وكثيرا ما كانت رسائل ذلك التفاعل غنية ونافذة.

إذا كانت كلمة وزير العدل أوجار “مسك الختام” كما وصفتها الزميلة إغوثان، فإن أولها كان أيضا ممتعا على درجات عالية، المتمثل في تقديم شريط وثائقي مصور، كتب له السيناريو الأستاذ امحمد جبرون، الأستاذ الباحث المعروف بجرأته الفكرية ومواقفه الوطنية الرصينة. وهو الشريط، الذي أخد الحضور إلى قصة اليوسفي مع طنجة، وقصة طنجة معه، منذ الميلاد حتى لحظة إطلاق اسمه على واحد من أهم شوارعها، الذي هو الشارع الوحيد الذي دشنه العاهل المغربي محمد السادس شخصيا، بالمغرب، حتى الآن. وهو الشريط الذي تفاعل معه الحضور، من خلال الوقوف لدقائق ممتدة تحية لليوسفي ورفيقة دربه السيد هيللين اليوسفي، قبل صعوده إلى منصة الإحتفال.

كانت أول الفقرات، هي مداخلات الأساتذة الباحثين الذين تم اختيارهم لتقديم أوراق تحليلية حول مثن تلك المذكرات، حيث توقف الأستاذ شوقي بنيوب عند السيرة الحقوقية لليوسفي، التي تعتبر مرجعا ليس فقط بالمغرب، بل في كل العالمين العربي والإسلامي. وأن الرجل يعتبر ممن نحتوا مفاهيم حقوقية خاصة بعالمنا العربي، تعتبر إلى اليوم المرجع التأسيسي لثقافة حقوق الإنسان عربيا. وأن كتاباته في هذا الباب تعتبر ذات قيمة أكاديمية جد رفيعة، اعتبرت السماد الذي أنضج شروط تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان واتحاد المحامين العرب وكذا كل الصيرورة الحقوقية بالمغرب، على مستوى إنضاج العفو العام السياسي سنة 1994 أو تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة وتحقيق العدالة الإنتقالية بالمغرب، كنموذج، تكاملت فيه الأدوار بسلاسة نادرة بالعالم، بين رئاسة الحكومة ومسؤولي تلك الهيئة الدقيقة الأدوار، الحاسمة في منح المغرب صورة مشرقة غير مسبوقة أمام العالمين.

بينما توقفت مداخلة الأستاذ الطيب بياض، أستاذ التاريخ بكلية الحقوق عين الشق بالدار البيضاء، عند الدلالة التاريخية لقيمة المذكرات السياسية لأي زعيم سياسي، حين تتكامل فيها الشهادة السيرية مع الوثيقة. هنا نكون إزاء مذكرات موثقة، تصبح مرجعا في التاريخ، ومادة خام جد غنية لكل أجيال المؤرخين. وأنها تؤسس بذلك لحجيتها في تفسير الأحداث والوقائع. معتبرا أن المؤرخ عادة، ينتصر أكثر للتقاطع بين الشهادة والوثيقة التاريخية، وأن مذكرات اليوسفي، لخصت كثيرا الطريق لأي باحث مثله، من واجبه العلمي الحرص على الإنتصار ل “الحقيقة التاريخية” كما حدتث فعليا ك “واقعة في التاريخ”. وهنا متعة قراءة مذكرات “أحاديث في ماجرى” بالنسبة له، التي يجب أن تكون مادة مغرية للأجيال الجديدة لقراءتها بغاية فهم ما جرى من تطورات تاريخية وسياسية بالمغرب الحديث، خاصة وأن أحداثها لا تزال طازجة وذات راهنية. لأنها مادة مصوغة بحس رفيع للنزاهة الفكرية، ومدركة لأهمية الوثيقة في التاريخ. وأنها في مبناها محتاطة جدا من السقوط في تمجيد الذات، بل حرصت على إنصاف الموضوع والواقع كما هو.

مداخلة الباحث محمد خرشيش، الأستاذ بكلية الآداب بتطوان، تركزت حول التيمة الكرونولوجية لبناء المعنى السياسي من خلال صيرورة الأحداث السيرية لفاعل سياسي مغربي. وكيف أن تلك التيمة تخلق معناها الخاص، الذي يقدم تفسيرات عدة حول انعطافات حاسمة عاشها المغرب والمغاربة خلال القرن الأخير. وأن قيمة مذكرات اليوسفي، تكتسب راهنيتها من منطلق أنها تقدم الجواب حول قصة الحياة الشخصية وأيضا قصة الحياة العمومية للفاعل السياسي. وهما القصتان اللتان حين تتعاضدان تنتجان معنى سياسيا، حول الدور الذي يلعبه القائد السياسي في صيرورة وطنه، وأثره الرمزي على أبناء بلده. كونه يتحول إلى مرجع وإلى مثال إيجابي، وهذا مهم جدا.

مداخلة الأستاذ لحسن العسبي، التي توقف فيها عند تيمة “الخطاب” كأداة سياسية عند اليوسفي، اعتبر أنه لا يمكن تمثل أهمية ما جاء في تلك المذكرات، دون الجواب عن سؤال “كيف أنضج الواقع المغربي رجل دولة وزعيما سياسيا مثل اليوسفي؟”. أي كيف أصبح الرجل ما أصبحه انطلاقا من التربة والواقع الذي أفرزه. هنا ربط العسبي، بين أمرين: معنى أن يكون حظ اليوسفي أن يولد بطنجة، كفضاء استثنائي مغربي، عاش أهله فعليا مكرمة التعدد، والإنفتاح على مختلف التجارب الإنسانية عبر العالم، ما جعل اليوسفي يكبر على تربية عدم إصدار الأحكام الإطلاقية وعلى تنسيب المواقف والحقائق. وأنه بسبب من ذلك أصبح من القادة السياسيين بالمغرب وبالعالم، الذي كان الخطاب عنده “وسيلة سياسية” أي منظومة فكرية مفكر فيها، وأنه حرص دوما على كتابة كل خطبه بخط يده، مما يعني أنها خطب تصدر عن رؤية معرفية، وعن رؤية تحليلية مسنودة بالمعرفة والفكر. وهذا أمر نادر في المجال السياسي الحزبي المغربي، لأن الأمر يفرض على صاحبه زخما من القراءة متعددا ومنفتحا. ثم أنه ثانيا، يكاد يعتبر من القادة القلائل، لمغرب ما بعد صدمة الإستعمار، في القرن 20، الذي تحققت فيه فعليا مقولة غرامشي التي تقول ب “دور المثقف العضوي”. فالرجل هو الوحيد من النخبة الوطنية المدينية الممتلكة لمعرفة أكاديمية جامعية عليا، الذي نجح في الإنخراط في الفعل الميداني العمالي النقابي وأيضا المقاوم المسلح. هنا تكمن قوة اليوسفي كقائد، لأن النظرية السياسية عنده مجربة في الواقع، وأن الواقع ينحتها ويصقلها. وهنا يكمن السر في ذلك الصمت الناطق الذي ظل يميز الرجل.

توالت بعد ذلك الشهادات، المقرونة بهدايا تكريمية، شملت مؤسسة أحمد بوكماخ وهيئة المحامين بطنجة وعمادة المدينة وجهة طنجة – تطوان –  الحسيمة ونائب المندوبية السامية للمقاومة وجيش التحرير وبيت الصحافة وغرفة التجارة والصناعة. وهي الشهادات التي أجمعت على سمو المبادرة التكريمية، واتفقت جميعها على أن ما يرمز إليه الأستاذ اليوسفي، بسيرته النضالية والسياسية، يرقى إلى مصاف رجال الدولة الكبار. مع تسجيل أن كلمة كل من هيئة المحامين بالمدينة، قد توقفت عند القيمة الحقوقية للرجل، مقدمة له هدية عبارة عن لوحة ببدلة المحاماة مديلة بالمرجع القانوني الذي تم من خلاله تعيين اليوسفي محاميا بطنجة يوم 17 أكتوبر 1952، وكذا التوقف عند مرحلة انتخابه نقيبا للمحامين بها ما بين 1959 و 1962. بينما توقفت كلمة الأستاذ محمد جبرون (الذي كانت له أياد بيضاء كثيرة في نجاح تنظيم تلك التظاهرة الإحتفائية الكبيرة)، عند القيمة السلوكية لرجل دولة من قيمة اليوسفي، المتأسسة على قيم الأخلاق والنزاهة والكفاءة. وهو ذات اليقين الذي ذهبت إليه كلمة عمدة المدينة (من موقعه كمسؤول بحزب العدالة والتنمية)، الذي أكد أن الجميع تعلم من ذلك القائد الإتحادي والوطني قيما سلوكية ذات أفق وطني بناء، وأن سيرته تشكل مرجعا للجميع. بينما اختار سعيد كوبريت رئيس بيت الصحافة بالمغرب، أن ينزع في كلمته صوب لغة شاعرية أسيانة، مرر من خلالها رسائل بليغة، حول معنى أن تمنح طنجة للمغرب رجلا من قيمة اليوسفي، الذي انتصر دوما للإيجابي في الفعل السياسي، بعيدا عن الضغينة أو تصفية الحسابات، وبعيدا عن المنطق السياسوي الفئوي، وبعيدا عن الحسابات الذاتية الضيقة، بل برحابة رجال الدولة، المنتصرين للأفق الإيجابي لبناء مستقبل الأوطان. ولقد سلمت للأستاذ اليوسفي عشرات الهدايا الرمزية القيمة، من ريشة ذهبية لبيت الصحافة، إلى مرآة مطرزة بالأرابيسك المغربي الأندلسي من عمادة المدينة، إلى لوحة تضم اليوسفي ورفيقة دربه السيدة هيللين مهداة من جهة طنجة تطوان الحسيمة، إلى لوحة فنية مبدعة من قبل مؤسسة أحمد بوكماخ، إلى رسم زيتي مهدى من قبل الأستاذ عبد العزيز النويضي، إلى شعارات وتذكارات وزارة العدل وهيئة المحامين.

كان الحفل، الذي امتد لأكثر من ثلاث ساعات، بهيا، ما جعل اليوسفي، الذي قاوم تعب المرض وأصر على الحضور مخفورا بفريق طبي وبلوجستيك حمائي خاص، أشبه بعريس منتش ضمن عائلته وأهله، الأمر الذي جعل الأطباء يجمعون على أن الجانب النفسي حاسم في صلابة الإنسان.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image