القصيبة تحكي سيرتها وأزقتها القديمة في حفل توقيع رواية “رياح المتوسط” لابنها عبدالكريم عباسي

أحمد بيضي الأربعاء 3 أبريل 2019 - 19:32 l عدد الزيارات : 41850
  • أحمد بيضي

 تمكنت “جمعية أصدقاء القصيبة” من نسج “خيمة روائية” التأم تحتها العديد من أبناء مدينة القصيبة، إقليم بني ملال، وذلك من خلال إقامتها، مساء الاثنين فاتح أبريل 2019، لحفل توقيع رواية “رياح المتوسط” لكاتبها الروائي ذ. عبدالكريم عباسي الذي لم يفلح عمله بخريبكة عن تخفيض حرارة انتمائه لبلدته القصيبة، كأي طائر لقلاق لم تنسه الهجرات عن موطنه، إذ تميز الحفل، المقام في ضيافة قاعة الندوات ببلدية المدينة، بحضور لافت، إلى درجة أن رئيس البلدية طالب بالمزيد من المقاعد للقاعة، حيث لبى الجميع دعوة الاحتفاء بالروائي “القصيبي” وروايته التي تنبض، في عمق 400 صفحة، بغنى التفاصيل ورائحة التراب، وبتداخل المتخيل والواقع التاريخي وبما سعى الكاتب إلى تخليده بذاكرة قرائه، في أفق استكمال الثلاثية من الرواية، وتم الحفل بمشاركة النقاد ذ. حسام الدين نوالي، ذ. حميد ركاطة وذ. رشيد مسيد.

وبعد افتتاح أشغال الحفل من طرف المسير، ذ. إبراهيم بنحسو، الذي وضع الحضور في دلالة اللقاء وشخصية المحتفى به، منذ مسقط رأسه إلى دراسته ونشاطه الجمعوي وعشقه للرياضة والموسيقى وآلة العود، إلى اشتغاله كأستاذ ثم كمؤطر بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فرع خريبكة، وإبداعه لعدد من الأعمال القصصية والروائية التي لا تقل عن “المصيدة”، في جزأين، و”ملاذ الوهم والتيه”، والأعمال الموجهة للطفل بالعربية والأمازيغية، وما حصل عليه من جوائز جهوية ووطنية، وشهادات تقديرية من جمعيات مختلفة في ميدان الثقافة الأمازيغية، كما لم يفت المنظمين عرض شريط بجوانب من حياة عريس الحفل الذي قال عنه ذ. إبراهيم بنحسو: “إذا كان محمد شكري قد عرَّف بطنجة فإن عبدالكريم عباسي قد عرَّف بالقصيبة”.

أما كلمة الجمعية فأبرزت رمزية الحفل كمساهمة في تنشيط البلدة على المستوى الثقافي، وصيانة ذاكرتها كمنطقة قاومت الاحتلال الأجنبي، مع دعوتها لأبناء المنطقة “لتكثيف أواصر التعاون من أجل تحقيق التنمية المنشودة”، بينما لم يفت رئيس البلدية الإشادة بشخص المحتفى به وتضحياته بمعظم أوقاته للعمل الثقافي وإشباع رغبات الشباب بالبعد الروائي، ومثمننا الشراكة الموقعة مع الجمعية المنظمة للحفل بهدف تقوية العمل الثقافي والاحتفال بعمل روائي يعتبر مرجعا للاطلاع على تاريخ المنطقة.

وفي كلمة مقتضبة له، غاص ذ. عبدالكريم عباسي بالحضور في شذرات من روايته “رياح المتوسط”، وكيف جاءت فكرة إنجازها، منذ ما قبل ثلاث سنوات، إلى أن “كبرت الفكرة وأصبحت همّاً، فأخذ يخطط لتأريخ المنطقة سرديا، ولواقع الهجرة إلى ما وراء المتوسط، عبر المزج بين متاهات الحدث وسمات الخيال وإضاءات التاريخ”، قبل أن يولد العمل في سرد مكثف وتشابك في العوالم، على لسان أبطالها، داخل حقبة أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، بغاية “تسويق صورة القصيبة وتداول أمكنتها ومواقعها على اعتبار أن الرواية هي خير مسافر وسفير”، بينما لم يفت ذ. عباسي تلاوة قصيدة شعرية قال عنها في تواضع كبير: “إن كانت شعرا فاقبلوه وإن لم تكن شعرا فاقبلوه”، وبها رسم صورا ذهنية مختلفة الأبعاد حول القصيبة بأحيائها وأهاليها وأزقتها وكفاءاتها وعمالها وصناعها وحرفييها ومبدعيها ورياضييها.

ومن جهته، تناول الناقد ذ. رشيد لمسيد ما “تكلم عنه غلاف الرواية، وألوانه والحمولة له، واختزاله للمضمون، ليغوص بورقته في جماليات “النص المحيط” من خلال تقديم قراءة العتبات بوصفها خلفية سيميوطيقية تسند السرد الروائي، وكيف كان الدخول إلى عالم الحبكة يفرض فتح الأبواب المغلقة، وعلى رأسها العنوان واللوحة التشكيلية، قصد  تأمين الولوج الصحيح إلى التخوم السردية للرواية، واستيعاب مقاصدها الدلالية وأبعادها الرمزية.

من هنا قام المتدخل ذ. مسيد بتقسيم المداخلة إلى قسمين متكاملين: الأول أيقوني يهتم بلوحة الغلاف ولونه الأزرق كلغة ناطقة، والثاني لغوي: يعنى بالعنوان، والمؤشر التجنيسي، وفكرة الكتاب، لينهي قراءاته في جملة من الخلاصات التي أبرز من خلالها التضافر الدلالي بين العلامات اللغوية والتشكيلية والايقونية في حفز القارئ على استصدار فرضيات بخصوص هبوب رياح السفر بين ضفتي المتوسط لعلها تسير بما تشتهي سفن القارئ.

 وبدوره، قدم الناقد ذ. حميد ركاطة مجموعة من الملاحظات حيال الخلفية الفنية والشكلية ل “صور القصيبة من خلال رواية رياح المتوسط”، عبر ثلاثة محاور رئيسية، عبر صورة الجسد، والأنا والآخر، مبرزا كيف أن الروائي ذ. عبد الكريم عباسي سعى في بناء عالمه الروائي إلى إبراز أهمية بعض الأمكنة وما يحيط بها من خصوصية، خلال فترات حرجة من تاريخ القصيبة، ووضعها تحت الاحتلال الفرنسي، ودور المقاومة المحلية، وكذلك واقع باريس في نفس الفترة  إبان الاحتلال النازي، في حين تناول المتدخل صورة المهاجرين الأوائل من أبناء القصيبة، ومدى معاناتهم الكبيرة، قبل وبعد الهجرة، وصعوبة اندماجهم في المحيط الجديد، وما ساعدهم على الحفاظ على هويتهم الثقافية والوطنية، وخصوصيتهم المحلية.

كما قام ذ. حميد ركاطة  بتحليل صورة القصيبة من خلال ذات الرواية، ومدى تجليها الواضح من خلال تضمين كاتبها للعديد من ملامحها العمرانية والجغرافية وعاداتها وتقاليدها، والتعايش الديني بين الديانات الثلاث (الاسلام، والنصرانية، واليهودية) بالمنطقة، مشيرا إلى أن اليهود المغاربة مثلا شكلوا مكونا أساسيا من مكونات المجتمع المغربي يتحدثون لغته الأمازيغية العريقة والدارجة المغربية بطلاقة ويشتغلون بمختلف المهن والحرف، ولفت الناقد ركاطة انتباه الحضور إلى كون العمل الروائي عملا غنيا في التقاطه للمراحل والأحداث، ومتضمنا العديد من المقتطفات عن العادات والتقاليد والطقوس المغربية، التي ظل بعضها خاصا بأهل القصيبة، ليختم مداخلته بالإشارة إلى أهمية الإبداع المحلي كجسر للعبور نحو العالمية بتقديمه الكاتب كابرييل كارسيا ماركيز كنموذج.

أما الناقد ذ. حسام الدين نوالي، ففتح شهية انتباه الحضور بحكاية السندباد والشيخ، لينطلق من مقارنة رواية “رياح المتوسط” مع المنجز الإبداعي للرواية الحضارية منذ المويلحي في (عيسى بن هشام)، مرورا ب “عصفور من الشرق” و”قنديل أم هاشم” و”الحي اللاتيني”، ثم بالبحث عن التميز والخصوصية التي تنطوي عليها الرواية في مقارنتها مع الروايات الشبيهة على مستوى العنوان، مثل “شرق المتوسط” لمنيف، و”غرب المتوسط” لربيع، ليقف عند “شمس المتوسط” لنور الدين محقق، ويخلص إلى أن ما يميز رواية “رياح المتوسط” هو اشتغالها على الانفتاح الحضاري والتلاقح والاتصال مع الإبقاء على الممانعة والحفاظ على الملامح العميقة للشخصية العربية الأمازيغية ممثّلة في البطل (ميمون).

وخلالها انتقل ذ. حسام الدين نوالي للتساؤل حول علاقة الرواية بالمادة الحكائية التراثية، مفككا انطواءها على الرحيل والهجرة والبحر كما هو الحال بالنسبة للسندباد، ثم على اشتراط الصمت في الترقي العلمي كما هو الحال عند النبي موسى والخضر، في اختلاف على اشتراط المحاورة عند أفلاطون مثلا، ليختم ورقته بكون البطل ذي البنية القوية (أو البسطة في الجسم) يحتاج لبسطة في العلم – كما عند جالوت- ليتحقق شرطا المُلك والسلطة الحقيقيين.

وتم تتويج الحفل بعدة تدخلات للحاضرين، حول الرواية ولون الغلاف وحلم البلدة في مشروع ثقافي متكامل، وجدلية الشرق والغرب، وأبطال العمل “ميمون” و”أفلانفران” و”فرانسواز”، وقد حضر الحفل الباحث في الفن الأمازيغي، المكي أكنوز، رفقة رفاقه من “مركز روافد للأبحاث والفنون والإعلام” بخنيفرة، وسجل اسمه بين المتدخلين ليبرز ما اشتهرت به القصيبة كمدرسة للفن والغناء على مستوى الأطلس المتوسط، وما أنجبته من فنانين عمالقة تركوا بصماتهم في تاريخ الفن الامازيغي، أمثال المرحوم ميمون اوتوهان، والفنان الشرقي، الشيخ علي اوزدو، والفنانة العازفة على آلة الوتر المرحومة إيزة اوبغوض، ايطو تمهاوشت وغيرهم من الراسخين في الذاكرة، حتى أن الفنان محمد رويشة وصف القصيبة ب “سربون الفن الأمازيغي. 

الحفل الثقافي البهيج تخللته عدة فقرات، منها مشاركة الزجال عبدالقادر بوبول بقصائد زجلية تفاعل معها الحضور بقوة، والتي تغنى في إحداها بتمزغا بوصفها بلاده وأرض أجداده، وبالانتماء للهوية وحرف تيفيناغ، وفي ثانية عنونها ب “سلوم الحروف” وتغني فيها بالشمس والقمر والخبز والريح، وبالصمت الموجع حيال الباطل، كما تميزت فقرات ذات الحفل بتكريم لوجهين جمعويين، أحمد العيبود والحسين السرار، صفق لهما الحضور بحرارة، أحدهما تحدى إعاقته الجسدية في سبيل العمل الميداني، وثانيهما عضو مؤسس للجمعية المنظمة وناشط جمعوي بالمنطقة.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image