فاعلون أمازيغيون في ضيافة “أمغار” بخنيفرة لمناقشة موضوع “الأمازيغية وسؤال الديمقراطية بالمغرب”
أحمد بيضي
الأحد 8 ديسمبر 2019 - 16:18 l عدد الزيارات : 32186
– خنيفرة: أحمد بيضي
في إطار أنشطتها الإشعاعية والفكرية التي دأبت على تنظيمها، استضافت “جمعية أمغار للثقافة والتنمية”، بخنيفرة، مساء السبت 7 دجنبر 2019، ثلة من الباحثين والمهتمين في ندوة حول “الأمازيغية وسؤال الديمقراطية بالمغرب”، التي يأتي تنظيمها، حسب بلاغ الجمعية، في سياق النقاش الدائر حول القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وواقع الأمازيغية في ظل المستجدات التي يعرفها المشهد السياسي الثقافي والفكري، وما موقع الأمازيغية في المشروع الديمقراطي لدى مكونات المشهد السياسي؟ وما مدى جدية التعاقدات والتحالفات مع الفاعلين والمؤسسات لبناء مغرب ضامن للتعدد اللغوي والتنوع الثقافي؟ وغيرها من التساؤلات.
الندوة التي استضافت الأساتذة خالد أوعسو، عبدالله بادو وعبدالسلام بومصر، في حضور لافت لمكونات المجتمع المدني من شتى المشارب والأطياف، تقدم لتسييرها رئيس الجمعية المنظمة، ذ. التجاني السعداني، بكلمة أبرز من خلالها مضامين أشغال الندوة، انطلاقا من السؤال المطروح لدى الكثيرين: ما علاقة الأمازيغ بالديمقراطية؟، فيما ذكر ب “معركة الوجود” القائمة على خلفية المعطيات التي تؤكد أنه كل أسبوعين تنقرض لغة من اللغات في العالم، وأن خمسين بالمائة من اللغات تلاشت بشكل نهائي، وبالنسبة للمغرب، يضيف ذ. السعداني، فالأمازيغية لا يمكن لها أن تظل خالدة وتصون مكانتها ولغتها إلا بالديمقراطية والآليات الضرورية.
من جهته، استهل ذ. خالد أوعسو مداخلته مما يكتسيه موضوع الندوة من “راهنية بالنظر للرهانات والموازين التي يعرفها المغرب على مستوى الكثير من الملفات والقضايا”، وأن الموضوع “يلامس الاحتجاج الأمازيغي لأجل الدفع باتجاه المصالحة مع الأمازيغية كمكون حضاري ووجودي للمغاربة”، فيما وضع الحضور في تاريخ ونشأة ملف الأمازيغية، مقارنة ب “تاريخ الوجود العربي بالمغرب ومساهمته في استبدال الكيانات بمعادلة شرعية الطرف الأقوى، وتمكنه من ترسيخ النزعة المشرقية والنسب العربي في بناء نظام ثقافي آخر”، مؤكدا أن الاستثناء الوحيد في التاريخ المغربي هو “التجربة المرينية” التي استثمرت في المدارس العتيقة دون الميل للنسب والانتماء.
وبينما رأى بأن “فرنسا هي من أشاعت التعريب على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، والتربوي أيضا بتأسيسها للمدارس العصرية”، ذكر ذ. أعسو بميثاق أكادير الذي طالب بإعادة كتابة التاريخ “لفهم السياقات الذهنية والرمزية التي أثرت على الخصوصيات المغربية، وتشخيص المرجعيات الايديولوجية بهدف الكشف عن الحقيقة المتجلية في التاريخ السوسيوثقافي للمغرب”، فيما انتقل المتدخل لما وصفه ب”ميلاد الوطنية” حين راهنت البلاد على أن يكون كل شيء موحد دون اختلاف، ولما اعتبره “مقاربة سيكواجتماعية” التي تنطلق من صورة التلميذ الأمازيغي الذي يجد نفسه أمام كلمات عربية على السبورة فيتيه بين الواقع المعيش والواقع المفروض.
ومن جهة أخرى، تطرق ذ. أوعسو لنشأة الحركة الأمازيغية التي “فتحت فضاءات متعددة للنقاش واقتحمت شرائح كثيرة وجغرافيات جديدة، و”صنعت حراكا ارتبط بنوع من التدرج إلى التنسيق على شتى المستويات الجهوية والوطنية، والعالمية أيضا من خلال ميلاد الكونغرس العالمي”، قبل توقفه للتساؤل حول الأولويات التي يمكن من خلالها توفير المناخ الملائم للنضالات الأمازيغية؟، وأي فاعلين يمكن بهم إنجاح امتداد الأمازيغية وطرحها بقوة على الفاعل المؤسساتي والحكومي؟، مسجلا مجموعة من المؤاخذات على النص الدستوري المتضمن للأمازيغية، وداعيا الفاعلين إلى التفاعل الحقيقي مع القضية الأمازيغيةوالعمل على ترسيمها في مختلف مناحي الحياة العامة.
أما ذ. عبدالله بادو، فانطلق مما تعيشه الثقافة الأمازيغية في المرحلة الراهنة، وفي ارتباطها بمدى فهم الفاعل المؤسساتي للأمازيغية، ومن سؤال: هل الأمازيغية ساهمت في فهم الآليات الديمقراطية؟، ركز المتدخل على “ما فتحته الدولة من فضاءات للنقاش بمشاركة الفاعلين الأمازيغيين”، وما “أسرعت لتنصيصه من قرارات بناء على ما عرفه المغرب من حراك عام 2011″، ولو أن الجميع، حسب المتدخل، اصطدم ببعض الهفوات التي تؤكد أحيانا عودة البلاد الى ما قبل الحراك، مؤكدا على أن الدستور المغربي جاء ب “عدد من النصوص التي لم يتم تفعيلها ومأسستها”، ولا تقل مثلا عن المناصفة، المجلس الوطني للغات والثقافة، المجلس الوطني للمجتمع المدني وغيرها.
وارتباطا بمداخلته، لم يفت ذ. بادو التطرق لما صدر عن البرلمان من مشاريع قوانين “لم تحقق الغاية الدستورية من التفعيل والترسيم الحقيقي للأمازيغية أو الطابع الالزامي لها”، كما رأى أن الدولة لها اشكالات مع الثقافة، انطلاقا من المشروع التنموي الجديد الذي “لا يناقش الجوانب المطروحة على المستوى الثقافي أو الهوية الثقافية المهددة بالانقراض”، واضعا مقارنة مع النموذج المصري الذي عرف كيف يسوق التاريخ الفرعوني بشتى المشاريع التاريخية والسياحية والثقافية، وبعد تحليله لطريقة التقطيع الجهوي الذي عرفته خريطة البلاد، تطرق الباحث ذ. بادو للطريقة الممنهجة في تدبير تدريس الأمازيغية، بينما رأى أن القانون الحالي يتحاشى ترسيم الأمازيغية.
بدوره، أكد ذ. عبدالسلام بومصر، أن الأرضية التي أسست اللقاء مكنت من إنضاج الأسئلة العميقة والمطروحة على مدى علاقة الأمازيغية بالديمقراطية؟، ومبرزا أن اللقاء يعد الثالث من نوعه على المستوى الوطني، بعد الندوة الدولية التي نظمت بأكادير حول “الأمازيغية والقيم المجتمعية والعيش المشترك”، دون أن يفوته التعبير عن تضامنه مع “جمعية أمغار للثقافة والتنمية” في مواجهة قرار المنع الذي قابل به باشا مدينة خنيفرة طلب مواصلتها لتقديم دروس في اللغة الأمازيغية، كما دأبت على ذلك منذ حوالي عقد من الزمن، ذلك قبل أن تركيز المتدخل على ما ساهمت به الحركة الأمازيغية في المسلسل الديمقراطي من مكتسبات تستهدف الأمن الثقافي والسلم الاجتماعي.
على صعيد آخر، انتقل ذ. بومصر بورقته إلى التطرق لموضوع الدسترة التي أكد بخصوصها أنها “لم تأت اعتباطيا بقدر ما كانت نتاجا لنضالات طويلة”، ولو أن بعض الفعاليات الأمازيغية، بحسب المتدخل، “قللوا من قيمة هذه الدسترة بسؤال: ما القيمة التي ستضيفها؟”، قبل انتقال ذات المتدخل لتناول “المسألة الأمازيغية التي لم تكن كتلة سياسية إلا بعد بناء الدولة الوطنية”، و”ظروف تبني القومية العربية ومدى تضرر الأمازيغية منها”، و”الديمقراطية التي لا يمكن إنجاحها إلا بترسيخ التعدد في اللغة والسياسة”، ليرحل بالحضور في ما عاشه المغرب من تحولات إلى حين إدماج الأمازيغية في القوانين الوطنية والتنظيمية.
وعلى صعيد آخر، ركز ذ. بومصر على ما وصفه ب “الخطاب الحقوقي المتكامل للحركة الأمازيغية الذي استطاع، بأفكاره وقوته الثقافية، إيصال الصوت الأمازيغي لمراكز القرار العالمية”، فيما توقف كثيرا بالحديث عن هذه الحركة التي أكد “أن قوتها رهينة بإطاراتها وفعلها الترافعي”، ليحذر بجلاء من مغبة “دخول الأمازيغية للمتاحف على غرار العديد من الثقافات واللغات عبر العالم” في “حال التخلي عن الدفاع عنها والاهتمام بها”، قبل تفصيله في تشخيص ما أسماه ب “استراتيجية الركود” و”الفعل الترافعي” الذي يمكنه إنتاج ثماره بخصوص ما تطمح إليه الحركة الأمازيغية، في مغرب تبنى خيار بناء الديمقراطية على أساس الاعتراف بالتعددية اللغوية والثقافية.
وقبل إسدال الستار على أشغال الندوة، فُتح باب النقاش الذي سجل عدة مداخلات أبانت في مجملها عن مدى نجاح الندوة، والتي حملت جملة من التصورات والرؤى والاقتراحات والانتقادات، إلى جانب مجموعة من التساؤلات التي لا تقل مثلا عن: هل الأمازيغية ضحية نخبها؟ ما موقفها من النصوص الدينية؟ هل هي حركة أم إيديولوجية؟ ما العلاقة السوسيولوجية بين الأمازيغية والانسان الأمازيغي؟ من تمثل الأمازيغية ضد من؟ ما هو أفق الحركة الأمازيغية؟ وما الحل السياسي الذي تراه مناسبا؟، وغيرها من التدخلات التي أبرزت مدى الاهتمام والتفاعل الذين باتت تكتسيهما القضية الأمازيغية وسط المجتمع وعموم المدافعين عن الحقوق السياسية والاجتماعية وكذا الثقافية.
تعليقات
0