إدارة النشر
الإثنين 16 ديسمبر 2019 - 09:00 l عدد الزيارات : 27836
من الصعب أن تعود من الصين كما ذهبت إليها، ومن الصعب أن يقتصر الذهاب إليها، على حالة فرح مصاحبة لسفر كالأسفار الأخرى. الصين بقعة من العالم القادم، ولغة سميكة، قادمة من التاريخ أيضا. بلاد تستمر من التاريخ العريق إلى الغد المذهل. وهذا شعور لست الوحيد الذي ملأ به أعماقه، بل الوفد الذي زاره لمدة 12 يوما، وزار فيه العاصمة بيجين، والعاصمة شنغهاي، وشيامن، تشوانتشو ودجيجيان، في مقاطعة فوجان. من السور الذي ضربته سلالات الحكام الأوائل، والذي يقطع الأنفاس، إلى السور الإلكتروني الحديث، الذي يذهل العقل، ثمة سر واحد: العمل والجدية والإخلاص للبلاد! هي المرة الرابعة التي أزور فيها الصين، بقبعات مخالفة يغلب عليها الطابع المهني، وعلى عكس ما يمكن أن يخالج التفكير، زادت ألغاز الصين وزادت الدهشة في جوارها.. من التفاصيل التي تعيش في الهواء اليومي إلى طرق الحضارة السيارة…سيارات بدون سائق، روبوات تتكلم وتعمل كالنادل، وناطحات السحاب، على طول نهر زانتسي.
عبد الحميد جماهري
من لم يكتئب بعْدَ الصين، فهو لا يحب بلاده…
فاتح دجنبر 2019: وصلت المطار بحوالي 45 دقيقة قبل بداية التسجيل في الرحلة الذاهبة، بيكين.هي عادة قد تعود جذورها، ربما، إلى أيام السفر الدراسي وتعامل والدي رحمه الله مع كل موسم منه. إذ كان يحرص رحمه الله على أن نصل محطة الحافلات، التي ستقلني إلى ثانوية عمر بن عبد العزيز بوجدة، بساعات قبل موعدها. كان كثير التوجس من أن نضيع الموعد، فأورثني رحمه الله هذه العادة، في كل سفر تتكرر، لا سيما عندما تكون الوجهة خارج المغرب.. في المطارات أقرأ الصحف، الأجنبية، وفي مطار بلادي، توجد عناوين كثيرة مغرية. أقرأ ويدي على خدي، تتصاعد روائح ، ناجمة عن ضربة عطر عاجلتني بها سيدة لا تمحى..أمامي مقال عنوانه”درس أورويل، الآن” منشور في صفحة رأي ليومية لوموند الفرنسية. جذبني المقال لأنني كنت قد كتبت، قبل السفر بأيام قليلة، عن الغرفة 101، في رواية 1984، وعن ماوتسي تونغ وعن الرياضة في بلادي. المقال يتحدث عن أورويل، وصاحب الغرفة 101، وعن الصين، باعتبارها تمثل لدى صاحب المقال نافذة أورويل الكبيرة. يقول صاحب الكتاب، كما لو أنه يمهد لي زاوية للنظر إلى الصين التي أتوجه إليها: “رواية 1984 ورواية مزرعة الحيوانات، تجسدان بشكل تبشيري ما يحدث في صين الرئيس تشي جاينيبينغ»… هل سأجد ما يقوله الكاتب، بعد غياب عن الصين؟ إن غدا لناظره قريب، أما الآن، فأنا أنتظر الطائرة التي ستقلنا إلى دبي، ومنها إلى بيكين، عاصمة الصين الهائلة. أنتظر أعضاء الوفد الذي سأكون ضمنه. أعرف بعضهم، إذ سبق أن اجتمعنا في مقر مجموعة كمال لحلو في الطابق 14 بعمارة الحبوس في الدار البيضاء، في لقاء ترأسه السيد كمال عن الفدرالية المغربية للإعلام، والسيدة بهية العمراني، رئيسة الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، “لا فميج” . كنت برفقة يوسف شميرو، صديقي الدائم والمرح، وآخرين أعرف بعضهم ولا أعرف الآخرين معرفة مباشرة، بحضور وزير الاتصال الناطق الرسمي سابقا… في غرفة الانتظار، تتلاقى الصدف، كما تتلاقى أعماق البحار، والخواطر تأخذ معنى آخر في ذهن رجل يدق بمهل على أبواب الستين من العمر.. في المقال أمامي، إحالة على مقال آخر صدر في نيويورك تايمز بعنوان 1984، في الصين الآن”. نفس الهواجس الغريبة، تفرض علي السؤال مجددا: ستزور الصين يا ابن علي، وسترى هل ما جاء في الافتتاحية له معنى، مراقبة الأفكار أم هي نفس الحرب التي تأتي نيرانها من الغرب كلما كانت الجبهة هي الشرق؟ سنرى سنرى، يا ترى يا ترى.. تمر الإجراءات بسهولة غير معتادة، ويجتمع الوفد، كما في عادة الأسفار المماثلة، بتبادل التحايا والتعارف، كلنا نعرف بعضنا، لكننا لا نعرف بعضنا.. *** داخل الطائرة الإماراتية، كل شيء يليق بالسماء، بالعلو، وأبسط جملة يمكن أن تصف بها ما تراه وتعيشه من خدمات وفضاء، قد يكون تهمة .. تهمة إشهار ودعاية. هو الوصف وحده، الموضوعي والنزيه، يجعل بالفعل ما تراه لائقا بالحقيقة.. برفقة أمين معلوف، في كتابه “غرق الحضارات”، مصادفات لم تخطر على بالي عندما اخترت الكتاب لمرافقتي في سفر الصين الطويل… في عرض ملاحظاته عن الحضارات الحديثة العهد بالانهيار، حديث عن السلطوية، التي تحدث عنها مقال”لوموند”، كما لو أن اتفاقا ما، يريدني أن أجيب، بعد السفر، عن الصين الحديثة واتهامات السلطوية ومراقبة الأفكار والتسلط، إلخ. استمتع بقراءة أمين معلوف، كما استمتعت من قبل بقراءة ليون الإفريقي، ثم سمرقند والحروب الصليبية كما يراها العرب، إلخ. تستوقفني عبارة بليغة، عندما يتحدث عن “الجنات المحترقة”، تلك الجنة التي خرجت منها والدته، مصر حيث عاشت عائلته إلى حين قيام ثورة عبد الناصر وضباطه الأحرار. تقول العبارة: كل ما هو غير ممنوع، إجباري.. أتجول، عبر التاريخ الحديث في مصر. يكتب معلوف عن عبد الناصر بإعجاب كبير، حتى وهو ينتقده، وهو يردد كلام والدته التي طردتها الثورة من بلاد الكنانة، وهو يعود إلى الحاضر يعترف بأن الرجل كان من أكبر شخصيات القرن، وأن فشله كان وبالا على العرب. يعلمنا قراءة الواقع الحديث، ويتأمل تضارب المصالح والمبادئ، الذي صار قناعة الكثيرين، ويحسم الحديث بالقول: البلاد التي تتنكر لمبادئها، تتنكر لمصالحها في الواقع، وهذه تركيبة جميلة لحسم هذا التناقض المفتعل بين المبادئ والمصالح. أفكر أيضا، كالبلدان، الأحزاب التي تتنكر لمبادئها تتنكر لمصالحها. أغوص في التفكير، من على علو 11 ألف متر..كم تكون الأرض قريبة، عند هذا العلو، عندما تكون برفقة كتاب ذكي. أمين معلوف دائما في هذا العلو الرحب: فقرات طويلة عن لبنان المشتهى، وعن بداية الحرب الأهلية، التي عاش لحظات ميلادها، في ملتقي طرق ببيروت، شرارتها الأولى كان حاضرا فيها في منتصف السبعينيات من القرن الماضي..ميلاد كراهية الذات وانعدام الثقة فيها التي صارت الأفق العاطفي العقلي للعرب كلهم، بعد أن كان لبنانيا صرفا. البلادة الحربية، التي دفعت البلاد إلى تسليم قدرها للقوى الأجنبية، والتي يسميها القوى الدولية الناخبة..يا سلام على التعبير. وأتحدث عن لبنان الحالي من هذه الزاوية، وأفكر بدله في الأجواء الثورية الحالية. الصين ما زالت بعيدة، وأنا أحلق فوق أراضي العرب الثائرة: هذا الفرد اللبناني يحطم الطائفية التي سكنت مفاصل الدولة ويحطم الكوطا المتعارف عليها طائفيا، ولكي يفلت من كراهية الذات التي تقوده إلى تمجيد الموت أو الانتحار السياسي الديني، يرفع من قيمة الفرد المواطن.. ذاك الذي يزعزع ثوابت التقسيم الطائفي.. لأول مرة، أعترف، أقرأ عن أمية ابن أبي الصلت الأندلسي، أعرف الأول، الجاهلي، الذي طال انتظاره للوحي، ولما لم تسعفه الديانة في حلم النبوة، كفر. لكن هذا الذي ذكره أمين معلوف في كتابه المكتوب بالفرنسية، لا أذكر أنني صادفته في قراءاتي الأندلسية. يستشهد به أمين معلوف، الذي أعرف أنه بدأ الكتابة في الصحف الصادرة بالعربية قبل أن يتحول إلى الرواية بالفرنسية ثم المقالات التاريخية بنفس اللغة،عند الحديث عن ألم الفراق والوداع في “الرسالة المصرية” ! العلامة الفيلسوف، الطبيب الشاعر، صاحب الكتب، ولد في مدينة دانية بشرق الأندلس، وأقام في إشبيلية نحو عشرين سنة في رواية المقرّي، ولمّا سقطت طليطلة رحل إلى المهديّة سنة 488/ 1095، ودخل في خدمة ابن باديس الصنهاجي. وهو شاعر مطبوع له قصيدة باكية في رثاء أمّه مطلعها: مدامعَ عيني استبدلي الدمعَ بالدم ولا تسأمي أن يستهلَّ وتسجمي لحق بأن يبكــي دماً جفن مقلتـي لأوجب من فارقت حقاً وأرزم ولعل ذلك ما شد أمين معلوف إليه، وهو يتحدث عن مصر أمه ، التي ظلت تبكي خروجها من القاهرة… كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف بعد الزوال بالتوقيت المغربي، وكنا على علو مدينة تيزي وزو الجزائرية، عندما اقتربت مني المضيفة حنان المغربية تسألني عما أشتهي تناوله من أطعمة…
تعليقات
0