أحمد بيضي
الإثنين 23 ديسمبر 2019 - 22:50 l عدد الزيارات : 45364
بوح الثمالة …
عبدالله أعدي (°)
وكأن الزمن توقف حينها، وسط مزيج لضوضاء من الموسيقى والأحاديث تمر ومضة وعي كنيزك ناري على ثمالته، ضحكة من هنا وقهقهة من هناك، ظل وحيدا في الحانة يعانق صمته المطبق، يضم مآسيه لصدره الشغوف، ويتسمر بنظره الجاحظ على الأضواء الخافتة خالقا منها خطوطا ضوئية تسافر بجوارحه وسط متاهات يرسمها بعينيه المثقلتين، ويأخذه ذلك التأمل في سهو غيابي من خلال انعكاس مرآة خلف الساقية وملامح الدهشة تعتريه..
صار لا يشبه نفسه في أي شيء، حتى حبل الهوية مقطوع بينه وبين ذلك الوجه الذي يحاولفهمه دونما وصول لنتيجة، يتساءل عن غياب السعادة التي كانت تسقي عروقه، وكيف انه بات مهترئ الحضور، وهش التواجد، فالإنسان مجموعة أشلاء متناثرة، يجمّعها سياق الجلوس مع الحبيب، ويبعثرها الفراغ من جديد، لم يجد ملاذا غير الانزواء داخل عالمه المقوقع، هروبا من الحقيقة، والارتكان لبقعة ليلية لعلها تستقبل كل ضغوطه المتراكمة، تذكر حلم الأمس، أو واقعه، فلم يعد يميز بين الحقيقة والخيال، بين يقظته الحالمة ونومه المدجّج بالوقائع…
صار تجسيدا ملموسا لتيه بدأ يتعايش معه كسجين مقتاد لمقصلة ساحة الإعدام بذون ذنب.. ثم حشر رأسه وسط ذراعيه المشتبكتين في تجل واضح لفشل ظل يهرب منه، استفاق ووجد وجهها المثخن بالندوب تطالبه باستعارة القداحة لإشعال سيجارات ليلية تضفي أدخنتها لمسة فنية على اللوحة/الحانة، رفع رأسه وأخذ المنديل الورقي وكتب عليه رسالة بعد أن استل القلم من جيب السترة، لينطق ما لم يقدر على البوح به جهرا : “قريبا سيصبح المستقبل جزء من الماضي، فأي جحيم يمكن أن ينتظرنا أكثر وأشد حرا من الذي نعيش فيه، أنا متعب جدا حد الوهن، وأشعر بروحي تتهالك من الداخل، تتآكل إدراكاتي ولا أستطيع فعل اي شيء. مللت مواجهة نفسي بأقنعة، ومللت الاحتيال على الجميع بقليل من الوضوح أمارس خلفه حياتي المزيفة بصمت..”
“..لم أكن أريد من أي أحد أن يحبني أو يثق بي، ولكن اضطررت لأبدو متماسكا لأجل من فعلوا ذلك بي … وكل ما أريده الآن أن يتوقف كل هذا، لم يبقى لدي شيء، ولم أعد أرغب في أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه في أزمنة جميلة غابرة ومتوغلة في النسيان مع اولئك الذين تبادلت معهم هوامش حياتي، ألم يفهموني، فقد أجمعوا وقالوا: أنت فاشل. فقلت لهم: لا، بل إنني فاشل حتى في أن أكون فاشلا جيدا”.. و”ناموا ملء جفونهم وبقيت وحيدا أقتات على بقايا كلماتهم المعاتبة”…
انصرف تاركا رسالته وعليها بقشيش سخي، ليجدها صباحا على موقع الفايسبوك منتشرة بعدما تشاركتها الساقية بتصويرها معلِّقة عليها: “هذه صرخة رجل أخرسه الدهر وجعل من قلمه أداة بوح على منديل“..
(°) فاعل ثقافي بمريرت، عضو مركز روافد للأبحاث والفنون والإعلام بخنيفرة
تعليقات
0