قراءة في قصيدة “نسمات صباح” للشاعرة خديجة بوعلي
-
أحمد جمرادي
تحابوا يرحمكم الله
عانقوا رذاذ غيث من هناء
يساقط الأمان رطبا
ينعش الروح .. والأجواء
سلسبيل يملأ الينابيع صفاء.
ترتوي … تخضر به الأمداء
كل الفسائل …تورق
حدائق غناء .
يتوازن نبض الكون .. .
تهدأ عن الجلْد
عقاربُ الساعات
على أجمل النغمات …
تتراقص دماء الشريان .
سمفونيات عشق ولهاء
تراتيل هيام …
تعانق جدائل الشمس
تلثم شفاه القمر ونجم الزهراء ..
تحابوا يرحمكم الله
في غياب الحب …
يلتهم الكونَ الجفاء ُ
فريح الحقد هوجاء
تبعثر أوراق البهاء .
تمتد أمواج الضغائن بالبلاء
شطآن الأمان تغدو … هباء
بالجمال تتربص دوائرُ القبح ،
تكبس رئة الحياة .
صحارى تبدو الأمداء
تنضب العيون من ماء
تحابوا يرحمكم الله
عتمات الدهر …
تجلوها المحبات …
تزهر في المقل البسمات
فتحابوا يرحمكم الله
———————————
الأستاذة خديجة بوعلي (°)، شاعرة الجمال والأمل، تلج بنا في هذه القصيدة عالمها كما تفعل دائما، ولكنها في هذه المرة أتت لابسة دثار الواعظة الواثقة بخبرتها وتجربتها الشعرية والحياتية…إذ منذ البدء، في العتبة الأولى، يدل العنوان على أننا بصدد السفر عبر هذا النص محفوفين بنسمات صباح، وهي بذلك تهيئ المتلقي نفسيا للتعامل بإيجابية مع ما ستطرحه له، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان هذا الأمر مُهِمًّا بالنسبة إليها (. .) ودون إطالة الانتظار، “تحابُّوا يرحمكم الله”، على وزن “أنصتوا يرحمكم الله”، إلا أنها هنا دعوة صريحة للحب والمحبة، ولكن في لبوس وعظي، أضفت عليه الشاعرة خبرتها في مجال التربية على القيم الإنسانية العليا… وأعظم قيمة هي الحب والمحبة، فهي رأس الأمر كله ومنطلقه ومنتهاه، كما تؤكد على ذلك كل الشرائع وكل النظريات الفلسفية وكل الأفكار البانية لمجتمع الخير ومجتمع التراحم، مجتمع الإنسان…
تلي هذه الدعوة إلى الحب والمحبة، المزركشة بالرحمة دعوة أخرى والتماس ل’معانقة رذاذ غيث من هناء’، فتنتعش الروح.. والأجواء، هنا الداخل العميق (انتعاش الروح) يُسَدِّدُ توجه العمل إلى الخارج (انتعاش الأجواء)، والنتيجة “سلسبيل يملأ الينابيع صفاء”، لتستمر الشاعرة في براعة تصويرها ونسجها صورا من صميم بيئتها الأطلسية الخلابة والغَنَّاء الرائعة، تتكلم عن الاخضرار والفسائل، وهذا له علاقة بالنمو والتوريق والصحة والجمال والحدائق البديعة، ف “يتوازن نبض الكون”، وحالة التوازن كما أسلفت الشاعرة التعبير عن ذلك، لها ينابيع تطال العمق الإنساني، لأن السيكولوجي المحفور في العمق هو الذي يقود الفيزيولوجي السطحي والخارجي، وهذا قريب من المعنى الذي عناه إيليا أبو ماضي في ‘فلسفة الحياة’ عندما صرَّح قائلا : ‘كن جميلا ترى الوجود جميلا’، وهو أيضا بعض ما جاء في مقولات الجهات المنطقية في فلسفة الجمال عند كانط.
والحقيقة التي يؤكدها هذا القول هي إن نظرتنا للأشياء وإلى أنفسنا هي التي تُكَوِّنُ بنسبة كبيرة حكمنا على العالم من حولنا، فالنظر إلى كوبٍ نصفه مملوء، ليس كالنظر إلى كوبٍ نصفه فارغ، وعليه، فتمثلنا للأشياء في العالم الواقعي يقوده تصوُّرُنا لها أولا، ولذلك نَجِدُ الشاعرة تنزِع إلى الإيجابية وتحاول لفت انتباه متلقيها إلى أنصاف الأكواب المملوءة، وهي بذلك تُكَرِّسُ تجسيدها كشاعرة الأمل بامتياز. لقد ألقت بثقلها الحجاجي في دينامية ما يسمى ب’العلاج بالصدمة’، فراحت تُوَظِّفُ الفعل المضارع (يساقط، ينعش، يملأ، ترتوي، تَخْضَرُّ، تورِق، يتوازن، تهدأ، تتراقص، تعانق، تلثم، يلتهم، تُبَعْثِرُ، تمتد، تغدو، تتربص، تكبس، تبدو، تنضب، تجلو، تزهر)..
ذلك مع ملاحظة جوهرية هامة، هي خُلوُّ القصيدة كلها من الفعل الماضي ومن الماضوية، وهذا يعطيها نَفَسًا فيه تجدد وتجديد يتماشى مع روح النص التي هي دعوة جدِّية وصريحة للتفاؤل والأمل عبر الحب والمحبة والجمال. فضلا عن ذلك، التجأت الشاعرة إلى توظيف الجموع في دلالة على اشتمال المعنى على التعميم والكثرة والإشتمال والإنضواء (الأجواء، الينابيع، الأمداء، الفسائل، حدائق، عقارب الساعات، النغمات، دماء، سمفونيات، تراتيل، جدائل، شفاه، أوراق، أمواج الضغائن، شطآن، دوائر، صحاري، العيون، عتمات، المحبات، المقل، البسمات).
وإذا كان المقطع الأول دعوة للمحبة وظفت فيه الشاعرة باقتدار وسائل تحفيزية تتماشى مع رؤيتها، فإنها في المقطع الثاني تحاول استعراض بعض المخاطر والسلبيات التي قد تطال مجتمع متلقيها الذين وجهت لهم خطابها(الجمع المقصود في جملة :’تحابوا يرحمكم الله’)، وهذا لعمري ما يجب أن يفضي إليه الخطاب التوعوي والتربوي حين يوازن بين أسلوبي الترغيب والترهيب، وهو أسلوب متعارف على جدواه التربوية، لذلك فقد تدثرت بدثار الواعظة ولبوس المرشدة التي يلهمها لها الشعر الإنخراط في تقديم رؤية للحياة وللكون، من شأنها توثيق الروابط الإنسانية وتمتين الوشائج والعلاقات، وهي بذلك تطلق دعوتها هذه المرة، ليتناسب المقال مع المقام، وحتى تؤدي بلاغة القول دورها كاملا غير منقوص..
إذ تبين ما يمكن أن يلحق هذا المجتمع الذي تخصه بمقولها الشعري في ‘غياب الحب’، وفي سعيها الحثيث هذا، تلتجيء إلى ما تتيحه اللغة وسحرها وجماليتها، ‘يلتهم الكونَ الجفاءُ’ فتُقَدِّم المفعول به وتُؤَخِّر الفاعل، لأن الوضع الذي تريد تبئيره وضع مختل، وجب التعبير عنه بما تتيحه اللغة، لأنه في ظل الإختلال المادي يجب توظيف ما يدل على ذلك من خرق للبنية الطبيعية في الكلام، ومسَوِّغ ذلك الرغبة الطبيعية في الحفاظ على الكون كَهِبَةٍ يتوجب علينا الحفاظ عليها من ‘التهام الجفاء’، والجفاء غول، آثاره مدمرة ووخيمة على النفوس رغم عدم انتباهنا لذلك، وهي ممتدة إلى حدود الكون…
و’ريح الحقد هوجاء’، بما في ذلك من آثار التدمير التي تستجليها الشاعرة وتقف على أهمها متمثلة في ‘بعثرة أوراق البهاء’، تماما كما تبعثر الرياح الهوجاء كل الأوراق وما فوق الأوراق، و’تمتد أمواج الضغائن بالبلاء’..
هنا تنتقل الشاعرة من التأثير المادي إلى التأثير المدمر حقًّا، وهو التدمير المعنوي، كالنار المستعرة التي تتغذى على أمواج الضغائن، ف’يفتقد الأمان’ ليبدو الجمال في منطق الأشياء ‘هباء’، و’تتربص دوائر القبح’، وما أقبحها ..! بأعز شيء، بأغلى شيء، ب’الجمال’، يا للوحشة والخيبة !!! ولا يمكن لهذا الوضع أن يقود إلا إلى رؤية سوداوية سلبية ترجع موجة صدمتها(onde de choc) إلى الداخل الإنساني، في عمقه الوجداني، فتبدو ‘الأمداء متصحرة جرداء قاحلة وجافة : نضبت عيونها من الماء’ الذي يقترن بالحياة، وهذا تعبير ضمني على الموت… كمآل حتمي..
وتنتهي القصيدة بتكرار الدعوة إلى الحب والمحبة والتراحم، وهذه المرة ينضاف بُعْدُ الحكمة للبعدين السابقين (البعد الوعظي والبعد التعليمي التربوي)، وهو بعد يفرض نفسه طبيعيا لاستكمال هذا الدرس الذي أنجزته الشاعرة الأستاذة بكل اقتدار، وقد التجأت إليه لأن خلخلة في الإعتقاد وقعت، وقاد المسار الحجاجي الذي بنت عليه الشاعرة منطق رؤيتها للأشياء (بدعوتها إلى الإيجابية والتفاؤل وتحذيرها من عدم تتبع هذه الدعوة)، كان ضروريا التأكيد على أن ‘عتمات الدهر’ وأشياء أخرى من قبيلها ‘تجلوها المحبات’، وهي هنا أتت بصيغة الجمع ، لأن للحب والمحبات تمظهرات مختلفة، وهذا ثراء يُمَكِّن كل واحد أن يَتَلَمَّسَه ويقتفيه، ل’تزهر في المقل البسمات’، وحتى وهي تُوَدِّع قصيدتها، أودعت الشاعرة فيها كل أملها حيث بسطت دعوتها ‘فتحابُّوا يرحمكم الله’ إمعانا في التوكيد وتأكيدا على أهمية دعوتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ










تعليقات
0