حوار مع الاقتصادي المختار بدروي عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي
عماد عادل
الثلاثاء 10 أكتوبر 2023 - 21:00 l عدد الزيارات : 35131
اجتماعات مراكش السنوية ستكون لها تداعيات اقتصادية وسياسية تمتد على مدى السنوات المقبلة
أجرى الحوار: عماد عادل
↵ يمثل احتضان المغرب للاجتماعات السنوية لمؤسستي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، دعما قويا للمغرب خلال هذه الظرفية العصيبة التي تمر منها المملكة في أعقاب زلزال مدمر. ماهي، في نظركم، الإشارات التي يبعثها الإبقاء على عقد الاجتماعات السنوية لعام 2023 في مراكش وفي موعدها الأصلي؟ وماهي القيمة المضافة التي يمكن أن يجنيها المغرب من تنظيم وإنجاح هذه التظاهرة التي ستنعقد، وللمرة الأولى منذ 50 عاما، في القارة الإفريقية؟
⇐ بداية، ينبغي التذكير بأن قرار منح المغرب شرف تنظيم هذا الحدث الدولي البارز يعود إلى ما قبل عام 2020، إلا أن انعقاده تأجل مرتين متتاليتين بسبب جائحة كوفيد 19. وفي 18 شتنبر من العام الجاري، وبعد مرور 10 أيام فقط على الزلزال المدمر الذي ضرب منطقة الحوز ونواحيها، أعلنت هاتان المؤسستان الماليتان الدوليتان الإبقاء على موعد انعقاد اجتماعاتهما السنوية بالمغرب. وقد كان ذلك قرارا ممتازا ومدروسا بعناية.
والأكيد أن أحد الأسباب المعلنة وراء اتخاذ هذا القرار يتجلى في تقديم الدعم المعنوي للمغرب لمواجهة هذه المحنة التي ألمت به، ولكن أيضا، من بين أمور أخرى، هناك إشارة قوية للاعتراف بالتقدم الملحوظ الذي أحرزته بلادنا منذ انتهاء مخطط الإصلاح الهيكلي.
ومن ناحية أخرى، يشكل هذا الحدث، الثاني من نوعه في أفريقيا، فرصة هامة لكبار المسؤولين القادمين من 189 دولة، لتقييم مستوى التقدم المحرز على أرض الواقع والوقوف على حجم الإنجازات التي حققتها بلادنا من حيث البنية التحتية والنمو الاقتصادي والاجتماعي بشكل عام. وهي أيضا مناسبة لاستعراض القدرات التنظيمية والحفاوة الترحيبية التي يتمتع بها المغرب، لأن كاميرات العالم كله، وطيلة أسبوع كامل، ستكون موجهة نحو المغرب. لذا فالقيمة المضافة التي ينطوي عليها تنظيم هذا الحدث لا يمكن إلا أن تكون إيجابية، كما ستكون لها تداعيات اقتصادية وسياسية تمتد على مدى السنوات المقبلة. لاسيما وأن بلادنا تتوفر على سجل حافل و أجندة غنية بتنظيم أحداث وتظاهرات كبرى مستقبلا، ضمنها مخطط إعادة البناء وتأهيل مناطق الحوز، واحتضان تظاهرة كأس إفريقا للأمم سنة 2025 وكأس العالم سنة 2030. وهذا من شأنه أن يخلق ديناميات اقتصادية ذات فوائد لا تحصى من حيث الاستثمارات العمومية والخاصة التي ستساهم ولا شك في خلق فرص الشغل وفي تحريك عجلة النمو. ومن الواضح أن كل هذا يطرح علينا سؤال الحكامة التي ينبغي توفيرها لإنجاح هذه الأوراش وتحقيق فوائد سوسيو-اقتصادية مستدامة.
↵ تشكل الاجتماعات السنوية لمؤسستي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي فرصة مثالية لإيصال صوت القارة الإفريقية وانشغالاتها للمجتمع الدولي. إفريقيا ستشكل أحد أهم المحاور الرئيسية إلى جانب انتعاش الاقتصاد العالمي، ما هي في اعتقادكم الرهانات بالنسبة للدول الإفريقية ضمن هذا الحدث، ولاسيما فيما يتعلق بالترابط المادي بين الدول وإلغاء الحواجز التجارية وغير التجارية، وكذا العملة الرقمية؟
⇐ جدير بالذكر أن انعقاد اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مرة كل ثلاثة أعوام، خارج الولايات المتحدة، يعد آلية للحفاظ على الطابع الدولي لهاتين المؤسستين الأمميتين، وهنا لا ينبغي أن ننسى أن المغرب سبق له أن ترأس هذه الاجتماعات في واشنطن سنة 1992.
ومع ذلك، فإن الطابع الرسمي لهذه الاجتماعات السنوية هو أكثر من مجرد دور ماكرو- اقتصادي لأنه يجمع بين مجلس محافظي البنوك المركزية إلى جانب لجنة التنمية واللجنة النقدية والمالية. لذلك فإن النقاش هنا في هذه المنتديات ينصب أكثر حول الجانب المالي وحول الشروط التي ينبغي توفرها للحصول على التمويل وقبل كل شيء كيفية سداد الديون وخدمة الدين بالعملة الأجنبية والذي غالبا ما يكون بالدولار الأمريكي.
وبالتالي فإن المحاور التي يتم التداول بشأنها خلال هذه الاجتماعات، عادة ما تدور حول الوضع الاقتصادي العالمي والتنمية الاقتصادية المستدامة والصحة المالية، ومكافحة الهشاشة والفقر، وتقويم سياسة المساعدات من خلال استهداف البلدان الأكثر احتياجا. هذا العام ستُعطى، في رأيي، أهمية بالغة للمخاطر المرتبطة بالتقلبات المناخية والجيوسياسية التي يعيشها العالم حاليا.
لذا فإن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ليست لها عمليا علاقة مباشرة بآليات الاشتغال الخاصة بها، ورغم التغيير الذي خضعت له هذه الأخيرة في عام 2008 والذي تم تعزيزه في عام 2016، فهي لا تزال تخضع لنفس النهج التقني الذي يحكم سير المؤسستين ويقيدهما ويحد من الخيارات السوسيو- اقتصادية المتاحة أمام الدول التي تطلب التمويل المقدم من طرف صندوق النقد الدولي على وجه الخصوص. وبطبيعة الحال فإن الاعتماد كليا على تمويل هاتين المؤسستين الماليتين ليس حلا ناجعا للمشاكل الهيكلية التي تعاني منها بعض الاقتصادات الوطنية أو الإقليمية كما هو الحال بالنسبة لعدد من دول أفريقيا.
لنعد الآن إلى الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي المقامة حاليا بمراكش. بالنسبة للمغرب وأفريقيا بشكل عام، يمكن لهذا الحدث الهام أن يكون فرصة سانحة لتركيز الاهتمام والتوجهات بشكل أفضل لصياغة جدول أعمال التمويل العالمي وإعادة ترتيب أولوياته التي يتعين معالجتها بشكل عاجل وفعال. بالنسبة لأفريقيا فإن المشاكل متعددة ومعقدة لاسيما في ما يتعلق بالمجالات السياسية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ومن الآن يجدر بالبلدان الأفريقية أن تشرع في تشكيل مجموعات متجانسة للولوج إلى مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، من أجل تبني مقاربة جماعية وحكيمة تمكن بلدان القارة السمراء من الدفاع عن قضاياها أمام هيئات الصندوق.
اما فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي والنقدي، فينبغي أن نتذكر أن المشكلة الحقيقية تكمن في الوجود النشاز والنيوكلونيالي لما يعرف بمنطقة الفرنك الأفريقي CFA التي تضم 14 دولة المتفاوتة من حيث الحجم والسكان والتحديات الاقتصادية. حيث تعد المعايير المعتمدة في هذا التجمع النقدي مقيدة، وتحد من فرص التنمية وهو ما يؤدي إلى تفاقم اللااستقرار السياسي، الذي يولد بدوره زيادة الفقر والإقصاء الاجتماعي للساكنة. ليس هناك ما هو أسوأ من انعدام السيادة النقدية وعواقبها بشأن المبادئ التوجيهية المتعلقة بالميزانية.
ويعد تفكيك الحواجز أمام التجارة الدولية واحدا من مهام صندوق النقد الدولي إلى جانب منظمة التجارة العالمية. ولكن مع وجود التبعية النقدية، وضعف التصنيع في إفريقيا على الرغم كونها قارة غنية جدا وتعج بالقوى العاملة والمواد الخام و المواد الطبيعية، فإن هذه العوامل مجتمعة تجعل التجارة في القارة السمراء غير متوازنة من حيث طغيان عبء الواردات مقارنة مع ضعف الصادرات، مما يؤدي إلى تفاقم العجز الهيكلي في ميزان الأداءات ويزيد بالتالي من التبعية المالية ويعمق هشاشة العديد من البلدان الأفريقية.
وهكذا في اعتقادي، فإن الانشغالات والتحديات الرئيسية التي ينبغي رفعها والدفاع عنها من قبل بلدان إفريقيا، تتجلى في ضرورة تعزيز التبادل التجاري جنوب – جنوب والحصول على الاستقلال النقدي. وبطبيعة الحال، فإن الركيزة الأساسية التي لا غنى عنها للوصول إلى هذا الهدف تكمن في تعزيز الحكامة الوطنية الجيدة، ومحاربة جميع أشكال الفساد في هذه الدول.
فيما يتعلق بالعملة الافتراضية المعروفة باسم العملة المشفرة، في رأيي مازال هناك طريق طويل قبل الوصول إلى التعميم والتوحيد العالمي أو حتى الإقليمي. حيث ما زالت الرؤى الاقتصادية ولا سيما النقدية، لم تتقارب بعدن، كما أن تعدد التشريعات القانونية لا يساعد اليوم على الإسراع في هذه العملية. أضف إلى ذلك أن مجال تطوير العملات المشفرة لا يزال مليئا بالمزالق والتحديات. لا سيما في ظل المخاوف التي تفاقمت بعد المشاكل الكبرى التي هزت بعض منصات تداولها. وفي رأيي فإن التصور لم ينضج بعد وما زال مليئا بالعيوب التي من شأنها أن تحيد بالعملة المشفرة عن الهدف الذي وجدت من أجله وهو تسهيل عمليات التبادل وليس المضاربة. وفي هذا السياق أطلق صندوق النقد الدولي تجربة بيداغوجية لموارده البشرية سوف نرى فيما بعد كيف ستكون نتائجها.
↵ خلال هذا الحدث الكبير سيجتمع قادة الاقتصاد العالمي من 189 بلدا لمناقشة كيفية العمل سويا من أجل التغلب على التحديات التي تؤثر على البلدان المنخفضة الدخل والضعيفة، كما سيتم التركيز بشكل خاص على قضية المرونة المناخية، والتي ستكون أحد المواضيع الرئيسية ضمن جدول أعمال، ماهي الانتظارات والتطلعات الرئيسية من وراء هذه الاجتماعات؟
⇐ أكيد أن مجالات وأساليب تدخل كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مختلفة، إلا أنها في الواقع تتلاقى وتتكامل، لأنها معا ترمي إلى القيام بتدخلات مستهدفة ومنسقة، والمتمثلة في: تمويل التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالنسبة للبنك الدولي والاستقرار الماكرو اقتصادي وسعر الصرف من خلال المراقبة والاستشارة في مجال السياسات الاقتصادية للبلدان والمناطق والتي تدخل ضمن مهام أخرى في مجال اختصاص صندوق النقد الدولي.
يتعلق الأمر إذن بالتنمية والاستقرار، والسؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا تعني هذه المفاهيم عندما يتعلق الأمر بالشأن العام الوطني والعالمي؟ فالتنمية ليست هي النمو. فإذا كان هذا الأخير مرتبط أكثر بالظرفية فإن التمنية من جانبها أكثر شمولية، وهذه الشمولية هي التي يمكن ترجمتها بالاستقرار السوسيو اقتصادي والسياسي.
الشرط الأساسي للاستقرار هو الأمن الدائم والوقائي، الذي يندرج فيه الأمن الغذائي والتدبير العقلاني للموارد الطبيعية بما في ذلك الماء بشكل خاص. الشيء الذي يقودنا إلى المخاطر البيئية وتدبير التغيرات المناخية. إنها أمور لا تنفصل.
الانتظارات في هذا المجال متعددة وحيوية. غير أن كل تدبير معزول في هذا الاتجاه سيكون عديم الجدوى. الأمر يتطلب إذن وعيا جماعيا لتحفيز التفكير المشترك من أجل إيجاد حلول لمسببات التغيرات المناخية ومن ضمنها الدعم الحتمي والدائم للاقتصاد الأخضر. وهذا يهم الملوثين الكبار، وهم البلدان الغنية والأكثر تأثيرا في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي.
بناء عليه، نتمنى أن تنتهي هذه الاجتماعات باتحاذ قرارات شجاعة في مجال إزالة الكاربون ودعم الطاقات المتجددة ومكافحة تدهور الغابات، التي لم تتفاقم باستمرار جراء هذه الأزمات.
تعليقات
0