إدارة النشر
الخميس 21 ديسمبر 2023 - 15:37 l عدد الزيارات : 19725
عبد السلام المساوي
إن اليسار في المغرب حافظ على نفسه رغم انحساره في العالم نتيجة الانتكاسات الانتخابية التي تعرض لها …
اليسار ، بالرغم من كل الكبوات التي عرفها ، فإنه لم يستسلم ، بل في العالم كله قام بمحاولات إبداع لاستنهاض قوته ، نستحضر هنا محاولة نهج الطريق الثالث مع شرودر وجوسبان وبلير ….
ونحن اليوم ، حزب فاعل في هذا الإبداع اليساري ؛ إننا كحزب يساري اشتراكي مغربي ، الحزب الوحيد في الأممية الإشتراكية والتحالف الاجتماعي التقدمي ..
وبفضل تجذرنا في التاريخ والمجتمع ، وبفضل اجتهادنا وإبداعنا نسجل أننا نكاد نكون الحزب الاشتراكي الوحيد الذي حافظ على ذاته واستمراره وتوازنه ، في ظل التغيرات والتحولات العالمية التي أقبرت أحزاب اشتراكية عريقة في المنطقة العربية ….
وبالرجوع الى تجربة التناوب التوافقي التي قادها الراحل عبد الرحمان اليوسفي ، نتفهم ضعف تمثيلية اليسار من عدد المقاعد في البرلمان ، وهذا ليس استثناء مغربيا بل تجربة دولية ، ولنا من التجارب الدولية ما يؤكد هذه الأطروحة بوضوح ؛ فالانتقال من المعارضة إلى موقع المشاركة السياسية يؤثر سلبا على شعبية الحزب ؛ فالحزب الاشتراكي الاسباني الذي قاد مرحلة الانتقال الديموقراطي بنجاح ما بعد فرانكو ، تلقى ضربة قوية وموجعة بعد الاستحقاقات الانتخابية ، رغم ما قدمه لاسبانيا من انجازات كبرى ورغم ما حققه لاسبانيا من قفزة تنموية نوعية…ونفس الأمر ينطبق على الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي عرف هزيمة إنتخابية قاسية….
ولم يخرج حزب الاتحاد الاشتراكي عن هذا المنطق المجحف ، لكن بتحد فكري وإصرار سياسي ، حافظ على ذاته وحضوره عدديا وسياسيا وفكريا في المشهد السياسي بشكل متميز ….
إن اليسار الذي اقتات المحافظون الدينيون من الفراغات التي تركها خلفه ومن حوله ، دون أن يقدروا على طرح أسئلته الجوهرية، ما زال مؤمنا بأن المستقبل قابل للتدارك ، ولذلك نراه يسعى لاستعادة المبادرة ، لأنه يعرف أن هذا قدره ، وأن استعادة توازن ميزان القوى في المجتمع واجبه الذي لا مفر منه….
منذ سنوات لم يعد بإمكان اليسار أن يكون قوة انتخابية قوية ، ليس فقط في أنه لم ينجح يوما في أن يستقطب اليه الفلاحين والعمال والطلبة كما تقول الأغنية القديمة ، ولا لأن الطبقة الوسطى مستعدة لأن تنقلب عليه وترافق أول عابر في السياسة ، هو لم يعد انتخابيا لأن الزمن ككل لم يعد زمنه ، منذ أن صار الإسلاميون والتقنوقراط والأعيان الزبائن المفضلين لكراسي السلط والتمثيليية….
لم يعش اليسار يوما إلا مسلحا بالشارع ، حتى ان كل الذاكرة اليسارية لما تريد تمجيد ماضيها لا تقف الا عند تواريخ من قبيل 1965 ، 1981 ، 1984 ، 1991 ….ولم يوما ممكنا ذكر اليسار دون أن يكون مرفوقا بالاضرابات والاحتجاجات والتعبير عن نبض الشارع …
ويوم اغتيل اليسار وتخلى عن الشارع ، استوطنته جحافل الاسلاميين والعدميين الذين لا لون سياسي ولا ايديولوجي لهم….الذين لا يهمهم المغرب ولا شباب المغرب…
وهنا كل الحكاية ومكمن الداء الذي يسعى بعض من اليسار ، وفي طليعته الاتحاد الاشتراكي ، علاجه ، وليس أمامه من خيار اخر غير رفع راية النجاح في وجه الشامتين في حاضره والناقمين على ماضيه .
بعيدا عن جدل التبريرات الانهزامية والمواقف العدمية التي تجتر أطروحة ” احتضار ” اليسار ،بما هو خيار تقدمي ، ومسار مجتمعي ، نهضوي مرتبط بمطالب وتطلعات الفئات الشعبية الواسعة الى الديموقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية ؛ فإن معضلة اليسار كامنة أساسا في أزمة اليساريين ذاتهم الذين انعزلوا عن ديناميات الحركية المجتمعية ، واختزلوا الانتماء اليساري في ترديد الشعار وإصدار ” الفتاوى ” اليسارية ، بدل النهوض الفعلي ، العملي ، بمشروعه المجتمعي ، بمقوماته المترابطة عضويا ؛ الفكرية والجماهيرية والنضالية .
إن الإختلاف في الرأي لا ينبغي أن يوقف التعامل والتفاعل والتنسيق في القضايا المشتركة…إن التنسيق المشترك الجاد والممكن هو أن تدرك القوى السياسية التقدمية واليسارية وحدة مصيرها وأهدافها الكبرى ، وألا تخطئ في تقديرها لخصومها وأعدائها ، وألا تخدمهم ضدا على اسرتها التقدمية اليسارية ، وأن تنصرف الى تأطير المجتمع باسم القيم اليسارية….
إن التنيسق المشترك بين القوى السياسية التقدمية و اليسارية هو أن تكون موحدة وجازمة في القضايا الكبرى والمعارك المصيرية ضدا على كل ما هو مناف لقيم اليسار ومبادئه …
وحدة اليسار هي تآزر فكري سياسي ، عملي دائم ومستمر ، حول الجوهر ، ولا يمنع بل يشترط إستمرار الحوار والجدال والنقد داخل أسرة اليسار …
إن حزب الاتحاد الاشتراكي حين أقدم على المراجعات واتخاذ القرارات في المؤتمر الوطني 11 ، إستحضر كل الخلخلة التي يتطلبها الحقل السياسي من أجل تعزيز قوى الحداثة ، والطريق الذي لا زال ينتظرالمغرب في مجال التحديث …
ما عاد أحد يجادل في أن اليسار بجميع خياراته وتموقعاته ، اذا ما تركنا خطابات التمجيد النابعة حكما من الحاجة المستديمة ” للصنمية التنظيمية ” ، ليس أمامه الا الدفاع عن الوجود في حده الأدنى . وهذا الواقع المتدني في حده الأقصى ، والذي أحد تمظهراته التحديات الانتخابية ، يستوجب طرح السؤال الصادم ، والذي يتم الهروب منه : الى متى سيستمر هذا الحال الدفاعي المتدني الأقصى ، أمام هول فقدان الثقة العدمي في كل المؤسسات ( حزبية ودولتية ) لدى جمهور الشارع اليوم وغدا ، وأمام مجاهيله الكبرى !
ولو أن الجميع أجاب أحزابا ومناضلين ، عن هذا السؤال ، وبصدق مع الذات ، وبلا مكابرة ولا استخفاف بالآخر ، وخصوصا بلا رتابة ذهنية مطمئنة لنفسها ، لا تستشعر هول ما نحن أمامه من مجاهيل ، فإننا سنصل لا محالة إلى الجواب الوحيد القادر على إخراج اليسار من دوامة انحباساته ، وذلك بالشروع في ترتيب مبادرة نهضوية توحيدية كبرى ، غير معتادة ، تقوم على أساس :
مراجعة نقدية تركيبية للتاريخ النضالي المشترك لليسار ، بمكاسبه وخساراته ، ومع وضع كل مواقفه المتناقضة في زمنيتها المجتمعية النسبية .
وعلى هيكلة تحافظ على تفاعل تنوع الرأي فيها ، أي مع الوعي الضروري بترتيب الخلافات الراهنة بقدر أهميتها وأولوياتها مع الحاجيات الاجتماعية في الساحة الجماهيرية .
وبالتلازم مع الوعي الضروري أيضا بأن المهمة المركزية في الزمن المنظور على الأقل ، ولا سواها ، هي اعادة بناء قواعد اليسار الاجتماعية والجماهيرية ، أولا واخيرا .
والقاعدة الحاكمة في جميع ما سبق ، أن من لا يستطيع كسب الاغلبية داخل الهيكلة الموحدة المفترضة ، فهو عاجز بالأحرى على أن يكسب لأطروحته الأغلبية الشعبية .
فكثير من الصبر والتأني اذن ، استخلاصا من تسرعات جرت في الماضي ، ومن أجل بناء هذا المشروع النهضوي الوحدوي الكبير ، الذي وحده يمكن ان يستشعر الجماهير بتغير نوعي لدى اليسار ، ووحده يساعد على تنمية الثقة فيها ….من هنا نفهم دينامية المصالحة ، الوحدة والانفتاح التي انخرط فيها الإتحاد الإشتراكي ….
إزاء ما ألم بمكونات الحقل الحزبي ببلادنا من وهن وتراخ في الاضطلاع بواجباتها
تعليقات
0