“في محكي العتبات ومساءلة الواقع”.. عنوان قراءة “سبع لفتات” للكاتبة التونسية حبيبة محرزي

محمد المنتصر الأربعاء 19 يناير 2022 - 11:39 l عدد الزيارات : 35722

د. عتيقة هاشمي

▪︎تقديم:
يجمع الدارسون على أن أكثر ما يميز الرواية كجنس أدبي هو قدرتها على التمدد لتشمل كافة الأجناس الأدبية والخطابات المتنوعة، وبالتالي تكون جنسا غير مستقر، وغير مكتمل، وغير مغلق على حد تعبير باحثين، وهو ما يجعلها تستحوذ على اهتمام الكتاب، إذ تفتح المجال للبوح، ولتصوير الواقع، والتقاط مشاكل الذات، وملامسة القضايا الإنسانية، والنبش في الذاكرة المتصدعة في محاولة لترميم شظاياها. ولا نستثني في هذا الصدد الكتابة الروائية النسائية التي تسعى جاهدة إلى تشريح العُلَب السوداء لمعاناة المرأة في ظل سيادة مجتمع ذكوري يُشَيِّئها ويُبَضِّعُها، مجتمع يسوده الجهل. ولعل رواية (سبع لفتات) للكاتبة التونسية حبيبة محرزي تظل صرخة مدوية من عمق الظلام، ومن قعر تونس العميق نهاية القرن الماضي. سلطت الضوء على أكثر نتوءات النفس البشرية في علاقتها بالآخر. ونفترض أن الكاتبة بروايتها هاته تحاول إعادة بعضا من الكرامة المهدورة، ولملمة ما اندلق منها على أرصفة التيه والضياع.  فهل نجحت في تشخيص الصراع الأبدي بين الرجل والمرأة في مواجهتهما للمؤسسات المجتمعية في ظل انهيار القيم وسيادة التسلط؟ وهل تمكن فعل الكتابة عندها من رتق الجروح المنغرسة في الذاكرة وإبراز الذات المكتملة؟ هذا ما سنحاول الوقوف عنده من خلال مقاربتنا للرواية.
▪︎شعرية العتبات:
من المعلوم أن الخطاب المقدماتي المتمثل في العتبات النصية، يساهم في بناء الدلالة العامة للمنجز الروائي، خاصة وأن الكاتب الحديث صار يكتب عن وعي مسبق، وإلمام بآلياته السردية الروائية. من هنا تشكل هذه العتبات النصية جزء من النص ذاته، حيث تجعل الكتابة مشروعا مفتوحا على غسيل الذات والآخر في علاقتهما الجدلية مع الواقع.
1-العنوان:
يعتبر عنوان (سبع لفتات) عتبة رئيسية في الرواية، ويحتل مكانة استراتيجية، بل يمكن اعتباره مفتاحا لولوج عوالم النص واستنطاقه. إذ يفجر آلام الشخصية البطل، وإخفاقاتها في شكل بوح سردي، يشخصن حالات ذاتية، ويسائل تجربة حياتية عاشتها المرأة رغم الفكر التنويري للرئيس الحبيب بورقيبة آنذاك (حدد السن القانونية للزواج، ومنع تعدد الزوجات، وأجبر الآباء على تعليم بناتهم) ص.67. بتأملنا لعنوان الرواية نلفيه يؤدي وظيفتين، أولاهما إغرائية تغوي المتلقي باستكناه المحتوى، وثانيهما إيحائية رمزية. يستضمر عنوان (سبع لفتات) كائنين لغويين، يشكلان عنصران في تركيبة جملة اسمية، الأول (سبع) مبتدأ ويحيل على العدد، والثاني (لفْتات/ لفَتات) مضاف إليه، جمع (لفتة) وهو اسم مَرَّة، ليكون الخبر جوازا هو محتوى النص. أما من حيث الدلالة فـ(سبع لفتات) تبقى عنصرا بؤريا في المتن، وله امتداداته عبر المحكي السردي، إذ يفترض أن يوحي بالعناية والاهتمام، ولعل الشخصية البطل استشعرت ذلك في الخميس الأسود 26 جانفي 1976، وهي تصرح: «اختبأت في سبع لفتات حتى ابتعد المهاجمون/ يا الله كان معي في سبع لفتات…). يتضح للمتلقي جليا العلائق التي تربط بين المدلولات السياقية للعنوان وبين إيحاءاته السيمائية التي تتمظهر عبر النص.
2-التجنيس:
من العتبات المهمة التي توجه فعل القراءة، نجد أن الكاتبة أشارت إلى التعيين الجنسي على الغلاف (الرواية) في إعلان منها عن نوع التعاقد الذي سيؤطر العلاقة بين المكونات الأساسية لفعل التلقي (الكاتب/ المتلقي/ المتن السردي)، ولعلها كانت على وعي مسبق أن عملها وفِيٌّ لمعايير هذا التجنيس الذي يعتبر أكثر الأجناس جرأة وتمردا، وأن  اختيارها نابع من إيمانها بمدى قدرته على استيعاب بؤر التصدع في المجتمع.
3-الغلاف:
يعد الغلاف عتبة نصية رئيسة تسبق إلى الولوج للكشف عن المسار السردي للكتاب، ويمكن الإقرار على أنه أولى العتبات التي تشد القارئ، وتستفزه عن طريق لغة العين، فتفرض عليه التسلح بآليات التأويل لتضمن له عملية الموازاة بين ما هو كاليغرافي وبين ما هو تشكلي في العمل الأدبي. والغلاف يظل قنطرة للتواصل مع المحكي، ويدفع إلى طرح فرضيات للقراءة من أجل العبور إلى المحتوى. والحقيقة أن الغلاف يتخذ أهميته من المؤشرات المصاحبة له كالعنوان، واللوحة باعتبارها أيقونة تحيل على تأويلات متعددة لقراءتها،. وبتأملنا للوحة غلاف رواية (سبع لفتات) نجد انها تعكس وجها بشريا تغيب ملامحه، وأغلب الظن أنه وجه الشخصية البطل (سارة)، ومن إشارة اليد التي تحيل على ضرورة الصمت نفهم أنه تكتنفه حالة من الخوف والرعب تستدعي عدم الحراك في عملية تمويهية. نلحظ أن صاحب الوجه المبهم يتواجد في زقاق مظلم تشتعل به نيران ومع ذلك، لا تكاد ترى فيه الأشياء. يبدو من عمارته (جدرانه وسقفه) أنه جزء من مدينة قديمة. لعله بداية (سبع لفتات) أو بمعنى أكثر وضوحا (سبع لَفَّات) على اعتبار أن المكان عبارة عن فضاءات ملتوية ومتداخلة.
إن اللوحة على غلاف رواية (سبع لفتات) كمادة جمالية، تكتسي طابعا من الغموض الناتج عن الأشكال المكونة لها، وهي أشكال تعبيرية عن قيمة حســية في الموت، وفي الخوف، وفي تمثلات غائرة في الذاكرة الإنسانية. هذا الغموض يكتنفه عنصر التشويق الذي يخلق لدى المتلقي الفضول لمعرفة محتوى النص.
4-ألوان الغلاف
يشكل اللون علامة بصرية ذات أبعاد دلالية ورمزية، تساهم في تكثيف دلالة النص عبر ما تثيره في نفسية المتلقي. والمتمعن في غلاف رواية (سبع لفتات)، سيلحظ تلقائيا الثنائية الضدية (أسود / أبيض) التي يغرق فيها الغلاف، فعلى الواجهة الأمامية نجد الأشكال تسبح في اللون الأسود الداكن، هو لون يمتص جميع الأشعة التي تسقط عليه دون أن يعكس جزءاً منها، وغالباً ما يُعرف بافتقاره إلى أيّ درجةٍ من درجات السطوع، ويشار إليه بأنّه لون الغموض، والظلام، والخوف، والموت. وقد ارتبط في علم النفس بكل ما هو مجهول، إنه يدل على الحواجز التي تمنع الشخص من خلق التواصل مع العالم الخارجي. وبالتأمل أكثر في الغلاف يطالعنا اللون الأحمر الداكن المشع المشوب باللون الأصفر أسفل واجهة الغلاف، واللون الأحمر من الألوان النارية التي تعبر عن الجرأة والقوة، ويساعد على إثارة الحواس. وقد تم توظيفه لهدفين، أولهما للتعبير عن الأحداث الدامية التي عرفتها تونس في ثمانينات القرن الماضي إثر اندلاع الثورات، أما الثاني يتمثل في رغبة الكاتبة لفت الانتباه في إشارة إلى الجسد ومعتقداته حيث الحاجة الماسة إلى الإحساس بالانتماء، والتحرر من قيود الغبن وقد بدا ذلك واضحا في ثنايا المنجز السردي. كما استعانت باللون الأبيض، وهو من الألوان المحايدة التي ترتبط غالبا بالتجدد والصفاء والأمل، والأبيض له قدرته على كسر قوة باقي الألوان، ويرمز في العمق إلى الصفاء كما يبعث على الراحة إذا وقعت عليه العين، وظفته الكاتبة في كتابة العنوان (سبع لفتات) بخط كبير ومضغوط، وكذا اسم الكاتبة (حبيبة محرزي) ثم تجنيس الكتاب (رواية) بخط صغير، ودار النشر (وشمة للنشر الورقي والإلكتروني)، ثم إن اللون الأبيض غطى الغلاف من الواجهة الخلفية حيث كتب مقطع مقتطف من الرواية (ص.82)، زيادة على اللون الترابي لون جدران وسقف الممر، وهو من الألوان الطبيعية المُحايدة، يحيل على الاستقرار والأمان والقيم الراسخة، ولعل أزقة سبع لفتات كذلك، كما قد يشير إلى الروابط العائلية، والقيم والأخلاق المتوارثة.  زيادة على صورة فتوغرافية للكاتبة.  كل هذه الألوان الحبلى بالدلالات الإيحائية تجعل العتبات تنفتح على التأمل اللامحدود، وتتيح الغرق في عمق الخبايا. ولعل توظيف الكاتبة لهذا المزيج منها، وبهذا الشكل كان لفتح شهيّة القارئ وتحفزه على استكناه دواخل الرواية.
5-قراءة في التقديم
صدَّرت الكاتبة روايتها بتقديم من توقيعها تخبر فيه المتلقي بالدوافع التي حفزتها على إنتاج هذا النص الإبداعي، والتي لخصتها في الظروف العامة للبلاد في ثمانينيات القرن الماضي وما أعقبها من تداعيات، جرمت المرأة،وألقت بها في قفص الاتهام، وكأنها المسؤول الوحيد عما كان، وما هو كائن وما سيكون من مآس. جراحات لن تندمل وجزء من المجتمع مُغَيَّب. ويبقى رجع صدى السؤال تردده الجدران، كيف لنا أن نلحق بركب المجتمعات المتقدمة والراقية ونصف مجتمعنا أسير في قبو بلا سراديب؟.
▪︎ قراءة في المسرود:
معلوم أن الذاكرة هي الخزان الذي يستمد منه الكاتب مادته الحكائية، هذه الأخيرة ترتبط بما هو واقعي وإن حاول الإيهام عبر استعارة الأسماء والرموز، مما يجعل القارئ يتقاسم وإياه تجربته وهمومه، بل وأحلامه. والكاتبة حبيبة محرزي استندت في بناء منجزها الروائي إلى المادة التي راكمتها عبر سنوات في مراوحتها بين أفضية مكانية وزمانية متعددة. وقد جعلت من المرأة التيمة الرئيسية لأحداث الرواية، وكيف أنها عاشت التهميش والإقصاء، والاغتصاب، والقمع،والتعذيب بشتى الألوان جسديا ونفسيا، تذكر الكاتبة في ثنايا الروايا :(كيف يحبها ويضربها حتى كاد يقتلها؟ / ستتخلص من عصا عثمان الظالم/ …يقبلني بشبق مقيت في فمي… يلتقط يدي يجذبها إليه. يدخلها تحت جبته الفضفاضة لتصطدم بشي غليظ لاأدري شيئا عنه…/ لم تكف بعد عن تقريعي وتوبيخي/ أي قانون سينصف فقيرة معدمة/ تخربت حياتي، انقطعت عن الدراسة، ساقوني إلى بيته الذي اغتصبني فيه ذليلة… قادوني كما تقاد المطية إلى المسلخ/ تزوجني بضغط من الأهالي/ قمة المهانة أن يشمر الطبيب ثوبي على طاولة الولادة وينبش سترتي… أما هو فلا أحد أنزل سرواله وفحصه وأثبت جرمه/ إن ولدت ذكرا فأهلا وسهلا سأرسمه باسمي، وإن ولدت بنتا فلا تريني وجهك/ لقد أراني الويلات منذ الوهلة الأولى/ تمنيت أن أسحب ذلك الضابط الذي صفعني لأوريه ثمن تلك الصفعة وحبذا لو أصفعه مثلما فعل…).
لقد شخصت الكاتبة صنوف الإكراهات التي اعترضت المرأة، حين استعان بشخصيات توزعت بين طالبات، فكانت أن رصدت من خلالهن الحياة الطلابية داخل الحرم الجامعي، وفي الأحياء الجامعية (سارة/ تقوى/ صابرة/ زينة/  فتحية/ عبلة)، هؤلاء حاولن جهدهن أن يرسمن لهن طريقا يَشُقْن به مستنقعا يعج بالمآسي، غير أن الطرق تفرقت بهن فغاصت كل واحدة منهن في درب من دروب سبع لفتات دون أجد حلا. وشخصيات اجتماعية/ منها الأم والبنت…  (زكية/ راضية/ نورة/ صفاء/ خيرة/شافية/ أم صابرة/ ام زينة…) ذقن العذاب مضاعفا و معه صنوف الفقر والجهل في معايشتهن للواقع وصراعهن مع الأخر، تقول الكاتب: (حتى كان يوم وجدت رضيعا يئن في خمار أسود، ملقى حذو صخرة تعودت الجلوس عليها للراحة، بكيت معه، أردت أن أحتضنه لكن الشرطي منعني، وددت أن اعتذر له، أن اطلب منه السماح نيابة عن البشرية كلها)، مشهد درامي يحيل على الغبن الذي يصيب المرأة في مجتمع ذكوري سلطوي يتنكر لواجباته أمام إشباع الغريزة، ويزداد عمقا مع نهاية الأحداث حين تكتشف سارة من رسالة فراس طبيعة الآصرة التي تربطهما، وأنها الأم والعمة للجنين في جوفها، وتصر على الاحتفاظ به وتحمل المسؤولية في حين اختار فراس أن يغادر إلى المجهول.
إن قارئ الرواية لا بد وأن يقف عند حجم الديستوبيا التي تغلف الأحداث، وإن تخللتها بين الفينة والأخرى لحظات من الأمل، والحياة.
▪︎خلاصات:
يشعر قارئ رواية (سبع لفتات) وكأنه أمام أوتوبيوغرافيا (السيرة الذاتية)، جمعت بين المحكي الشعبي، والشعر، والأغاني، والمثل السائر. كما ظهرت من خلالها الكاتبة حبيبة محرزي موسوعية الثقافة، فقد اطلعت على كتب (الجاحظ /ابن رشيق/ شعراء الرابطة القلمية/ محمود المسعدي/ بدر شاكر السياب/ صالح القرمادي/ ألبير كامو/ جون بول سارتر…)، زيادة على معرفتها الواسعة بالتاريخ التونسي والعربي والغربي (اتفاقية كامب ديفيد/ الفلاقة/ مجزرة منوبة/ أبو زمعة البلوي/ الخميس الأسود 26 جانفي 1978)، ثم إن الكاتبة أبدت معرفة كبيرة بالفن من خلال استحضار عدد من أسماء المغنين ومقاطع من أغانيهم كـ(الفنانة علية/ وسيدة الطرب العربي أم كلثوم/ الفنانة نعمة…)، ثم إن حبيبة محرزي في نهاية روايتها نجدها تتناص مع سميرة بنت الجزيرة العربية في روايتها ذكريات دامعة. نهاية تزيد في تعميق المعاناة.
إن أكثر ما يشد في رواية ( سبع لفتات) الأسلوب واللغة، يجعلان القارئ يتماهى مع الأحداث والأفضية والشخوص، يتألم لمعاناتها، ويمتعض لامتعاضها، ويغضب لغضبها، ويفرح لفرحها… صور على قدر بساطتها، نلفيها ترسم واقعا عربيا مسجى تحت ركام تغييب المرأة وتحجيم دورها في كونها آلة للتفريخ.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image