عبد الرحيم حلليون ∗
ملخص:
تعتبر الهجرة ظاهرة اجتماعية وإنسانية وسلوك فطري في البشر. وقد عرفت منطقة الحوض المتوسط حركية كبيرة لتنقل المهاجرين من الجنوب إلى الشمال، وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث وجدت الدول الأوروبية نفسها أمام نقص كبير في اليد العاملة من أجل إعادة بناء أوروبا بعد مخلفات الحرب. ولسد النقص الحاصل في القوة البشرية، فقد تم فتح حدود دول الشمال على مصراعيها أمام العمال، لاسيما من دول الجنوب بحكم القرب الجغرافي لأوروبا. فكانت تلك الانطلاقة الفعلية للهجرة الجماعية من جنوب حوض المتوسط إلى شماله. غير أنه مع استعادة هذه الدول لعافيتها، واستكمالها لبنياتها التحتية، أصبحت في غنى عن هذه السواعد البشرية، في ظل تزايد عدد المهاجرين الوافدين إليها من دول الجنوب. ولذلك عمدت إلى اغلاق الحدود وتشديد المراقبة. لكن هذا الاجراء لم ينجح في معالجة الظاهرة، بل أدى إلى ظهور نوع جديد من الهجرة وهي الهجرة السرية. ونظرا لخطورتها وارتباطها بشتى أنواع شبكات الاجرام والتهجير، فقد نجحت دول المنطقة في تأسيس تجمع إقليمي من أجل التنسيق ومكافحة هذا الظاهرة، لكنها لم تنجح في تحقيق هذه الأهداف نظرا لاستمرار الخلافات في طريقة المعالجة بين دول جنوب وشمال المتوسط.
تعتبر ظاهرة الهجرة إحدى أهم القضايا التي تحتل صدارة الاهتمامات الدولية في الوقت الحالي، لاسيما في ظل التوجه العالمي نحو العولمة الاقتصادية التي أدت إلى بروز تحديات مرتبطة بهذه الظاهرة، وما يتطلب ذلك من البحث على الفرص الرامية للتوصل لسياسة عالمية للهجرة تأخذ بعين الاعتبار عملية التنمية في البلدان المصدرة للهجرة. واعتبارا لكون ظاهرة الهجرة إحدى الحقوق الطبيعية المرتبطة بالإنسان منذ القدم، حيث تعني الانتقال من مكان إلى مكان أو من إقليم إلى آخر بغرض البحث عن مكان أفضل للاستقرار، فقد شهدت القرون الماضية موجات متعددة من الهجرة واسعة النطاق، أسهمت في تطوير وإثراء الحياة الإنسانية من إسهامات وإضافات المهاجرين لفائدة دول المهجر، وكان من نتيجة ذلك استمرار الوجود لبعض الدول التي لولا المهاجرون الذين عمروها وبثوا فيها الحياة لاختفت من على الأرض. ويشكل اكتشاف أمريكا في القرن الخامس عشر إحدى المناطق الهامة التي عرفت فيها الهجرة أوجها، بأعداد كبيرة لم يسبق لها مثيل في القرن 19، كما أن استراليا عرفت استيطانا من طرف الانجليز وباقي الأوروبيين. هذه الهجرة التي عرفت أيضا ظاهرة غير إنسانية وهي الاسترقاق من أجل إنتاج الثروة في المستعمرات الجديدة. ونتيجة الثورة الصناعية، حدثت هجرة داخل البلدان الأوروبية وبينها، ثم عرفت أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين، نزوحا حوالي نصف مليون روسي إلى أوروبا، وقد تم استقبالهم في عدد من البلدان بشكل متفاوت، وتعد العلاقات الدبلوماسية للدول الأوروبية مع روسيا، إحدى الجوانب الأساسية في التعاطي مع مسألة الهجرة الروسية، حيث ظهرت فكرة اتفاقية دولية من أجل هذه الحالة سنة 1921، وقد تم الاتفاق على إصدار وثيقة سفر خاصة باللاجئين الروس، سميت فيما بعد بجواز”نانسن” وهو أول اعتراف بوضع لاجئ. وعرفت فرنسا نزوحا للإسبان على إثر الحرب الاهلية، وذلك قبل الحرب العالمية الثانية. وأثناء الحرب العالمية الثانية، شهدت القارة الأوروبية نزوحا وهجرات خوفا من الحرب، بأعداد لم يسبق لها مثيل في التاريخ، سواء داخل القارة أو خارجها، ثم بعد الحرب العالمية الثانية، ستعرف أوروبا بروز هجرة العمالة، التي تتميز بأنها اختيارية وهجرة اقتصادية. فأوروبا التي وصل فيها الخراب والدمار نسبة كبيرة، فتحت الحدود على مصراعيها، تستنجد بسواعد العمال من الجنوب وباقي دول العالم النامي لبناء ما هدمته الحرب. وهكذا فقد ساهم هذا الانفتاح في استقطاب الملايين من العمال وخصوصا القادمين من الضفة الجنوبية لحوض المتوسط، فكانت تلك انطلاقة الهجرة الجماعية من الجنوب الى الشمال بحكم الموقع الجغرافي القريب من أوروبا، حيث لم يكن يخامر البلدان المستقبلة والمصدرة على السواء، الشك في كون تدفق المهاجرين إلى أوروبا ظاهرة مؤقتة أملتها ضرورة إعادة الاعمار وبناء اقتصاديات تلك الدول . غير أنه بتوالي السنين، وانتهاء بناء النهضة الأوروبية بسواعد المهاجرين من دول الضفة الجنوبية لحوض المتوسط، وتزايد تدفق المهاجرين نحو الشمال، فقد لجأت الدول الأوروبية لسن سياسات صارمة للحد منها، وذلك بإغلاق الحدود في وجه المهاجرين، والتضييق على حرية الافراد في التنقل، وهو ما انعكس عل سياسة الهجرة بأوروبا، وأدى إلى تطورات جيوسياسية بالمنطقة. ففي مقابل هذه الإجراءات المتشددة حيال الهجرة وحرية التنقل، ظهرت هجرة غير قانونية في مناطق متعددة بالعالم، وقد شهدت دول أوروبا ارتفاعا ملحوظا في معدلات الهجرة السرية الاتية من الجنوب، مع ما خلفته ومازالت تخلفه من أحداث مؤلمة من قتلى وجرحى في صفوف المهاجرين السريين الراغبين في العبور للضفة الأخرى. وقد شكلت الهجرة السرية ظاهرة جديدة كانت لها انعكاسات كبيرة على السياسة الأوروبية على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإنساني والامني، حيث أضحت تشكل تهديدا حقيقيا للأمن القومي الأوروبي بارتباطها بشبكات التهجير والجريمة المنظمة، مما أدى بدول الاتحاد الأوروبي إلى دفع دول المنطقة إلى تشكيل تجمع من دول الشمال والجنوب، يعهد إليه التعاون والتنسيق من أجل مكافحة هذه الجرائم التي تهدد سكينة وطمأنينة الأوروبيين، سيما مع بروز الإرهاب وربطه بالتطرف الديني الاتي من الجنوب، وإيجاد الحلول للقضايا الخلافية بين دول شمال وجنوب حوض المتوسط. ويكمن الخلاف بين هذه الدول في مدى معالجة هذه الظاهرة، حيث تربطها دول الشمال بأمنها القومي، وبالتالي ضرورة تشديد المراقبة الامنية على الحدود، في حين تربطها دول الجنوب بالفقر والهشاشة وضرورة تعزيز الامن التنموي، وترسيخ الشراكة التنموية بين دول شمال الحوض المتوسطي وجنوبه.
ويطرح التنسيق والتعاون بين دول شمال وجنوب المتوسط، واقع العلاقات الثنائية لمعالجة العديد من القضايا والخلافات العالقة بين هذه الدول، وعلى رأسها مشكلة الهجرة غير المشروعة وتهديدات الشبكات الاجرامية المرتبطة بها، وهو ما تم التوصل إليه من خلال خلق التجمع الإقليمي لغرب المتوسط.
من خلال ما سبق، يتضح أن الإشكالية الاساسية للموضوع، تتمثل في كون صعوبة معالجة الهجرة غير المشروعة بين ضفتي البحر المتوسط، تعود لتباين في الرؤى بين دول شمال وجنوب حوض المتوسط.
وهذه الإشكالية ترتبط ارتباطا وثيقا بمصالح كل طرف من أطراف المنطقة المتوسطية، التي تتغير حسب التطورات الجيوسياسية التي تعرفها هذه المنطقة. وهذا ما تم الاتفاق عليه بخلق التجمع الإقليمي لدول حوض المتوسط من أجل التنسيق وتقريب وجهات النظر، لإيجاد حل للخلافات الشائكة بين دول المنطقة. فهل فعلا نجح التجمع الإقليمي في تحقيق الأهداف الرئيسية التي من أجلها تم تأسيسه؟ وكيف كانت نتائج معالجة مشكلة الهجرة السرية بالمنطقة؟
للإجابة على هذين السؤالين، ينبغي الإجابة على مجموعة من الأسئلة التي تتفرع عنهما وهي كالتالي:
من هي دول المنطقة المتوسطية المعنية بسياسة الهجرة في الموضوع؟
كيف تم اقتراح تأسيس دول التجمع الاقليمي غرب المتوسط؟
أين تتجلى انعكاسات ظاهرة الهجرة السرية على العلاقات بين دول الشمال وجنوب المتوسط؟
ما هي المشاكل المطروحة وهل تم إيجاد الحلول المناسبة لها؟
أين يكمن الخلاف بين دول ضفتي البحر المتوسط؟
ما هو تصور كل طرف من دول المنطقة لمعالجة ظاهرة الهجرة السرية على الحدود؟
هل توصل التجمع إلى صياغة حلول مناسبة للخلافات العالقة؟
هل ممارسة الضغوط السياسية من جانب دول شمال حوض المتوسط على دول الجنوب للحد من الهجرة السرية، كان حلا صائبا؟
ما هي المبادرات الأوروبية المتخذة في سبيل تقليص التفاوتات التنموية بين دول شمال وجنوب حوض المتوسط في إطار التجمع الاقليمي؟
هل نجحت هذه السياسة في إقامة علاقات تعاون مثمر بين ضفتي البحر المتوسط؟
تتمثل أهمية دراسة هذا الموضوع في تحديد نقط الخلاف بين دول المنطقة، وإيجاد الحلول المناسبة لظاهرة الهجرة السرية التي دهب ضحيتها الالاف من الأبرياء غرقا بالبحر المتوسط في سبيل لقمة العيش، وهذه الاحداث تهمنا لأنها تقع بمنطقتنا المتوسطية، وهو ما يدفعنا إلى البحث عن القرارات المتخذة من طرف دول المنطقة للحد من هذه المأساة، خصوصا أن للظاهرة أبعاد حقوقية وإنسانية.
و في إطار دراستنا لهذا الموضوع والاجابة عن الإشكالية الرئيسية والاسئلة المتفرعة عنها، اعتمدنا على ثلاث مناهج، المنهج التاريخي والمنهج التحليلي وكذلك المنهج الاستقرائي.
فالدراسة التاريخية، تتمثل في محطات ومسار الهجرة السرية. أما الدراسة التحليلية فارتكزت على تحليل بعض الاتفاقيات والوقوف على مدى تقيد الدول المعنية بها. كما أن الدراسة الاستقرائية ركزت في قراءة بعض الاتفاقيات مع الوقوف على مكامن الضعف الذي تشوبها
تأسيس وأهداف نشأة دول التجمع الإقليمي غرب المتوسط.
تشير التقديرات العالمية في التسعينات إلى أن عدد المهاجرين غير الشرعيين في العالم، يناهز 30 مليون مهاجرا، وأن الولايات المتحدة الامريكية تتحمل العبء الأكبر من هؤلاء المهاجرين (من 1 إلى 5 ملايين)، وتأتي أوروبا في المرتبة الثانية ب 3 ملايين، ولعل الخوف المبالغ فيه لدى أوروبا يعود إلى آخر إحصائيات الأمم المتحدة التي تؤكد أن عدد سكان الشرق الأوسط ( العالم العربي وتركيا) سيزداد من عام 1992 إلى 2025، من 287 مليون إلى 576 مليون نسمة، أي الضعف، هذا إلى جانب التقلص الهائل في معدلات الزيادة السكانية بين أوروبا والشرق الأوسط، حيث تبلغ الزيادة نسبة 10.5% مقابل 45.7 % في مصر والمغرب وتونس والجزائر وليبيا . وهو ما يشكل هاجسا لدى الدول الأوروبية من اكتساح الهجرة السرية لسواحلها الجنوبية انطلاقا من معبر دول المغرب العربي على الحدود مع أوروبا . وقد شهدت بالفعل هذه المنطقة منذ عقدين، نزوحا كبيرا للمهاجرين السريين من دول الضفة الجنوبية. فبعدما انتهت أوروبا من بناء ما خلفته الحرب العالمية الثانية بسواعد مهاجري دول الجنوب، أغلقت الحدود، وتحولت سواحل البحر المتوسط إلى مقبرة للمهاجرين من دول الساحل الافريقي والصحراء. ولمحاربة تيارات الهجرة الاتية من الجنوب، كان من الضروري سن تشريعات متشددة ووضع عقوبات رادعة، مع الضغط على إشراك دول الجنوب المتوسطي في تحمل مسؤولياتها، وتشديد المراقبة على حدودها عن طريق التنسيق والتعاون بين ضفتي جنوب أوروبا وشمال إفريقيا من خلال خلق تجمع إقليمي لدول غرب المتوسط.
تأسيس التجمع الإقليمي لدول غرب المتوسط.
جاء تأسيس تجمع دول غرب المتوسط أو ما يعرف بتجمع (5+5)، الذي يضم دول المغرب العربي المتكون من (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، وموريتانيا)، ودول جنوب أوروبا المتكونة من (مالطا، إيطاليا، فرنسا، إسبانيا، والبرتغال) بعد اقتراح من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، ووزير الخارجية كلود شيسون سنة 1983. وقد تم عرض الاقتراح بعد انضمام فرنسا واسبانيا إلى مجموعة الاتحاد الأوروبي، حيث بدأت فرنسا بالقيام بالعديد من الاتصالات بين دول المنطقة عن طريق سفرائها المعتمدين بباريس، وأسفرت هذه الاتصالات عن عقد ندوة تحت عنوان » حقائق وآفاق التعاون بين الدول الأوروبية المطلة على الضفة الغربية لحوض المتوسط ودول المغرب العربي « ، بمدينة مرسيليا الفرنسية خلال الفترة الممتدة من 25 إلى 27 فبراير 1988. ويحظى الحوار بين دول التجمع بأهمية كبيرة لدى الدول الأوروبية باعتباره آلية للتنسيق والتعاون بين شمال وجنوب ضفة البحر الأبيض المتوسط، لحل القضايا العالقة بينها ومواجهة التحديات الأمنية التي تهدد استقرارها وأمنها القومي. ويعد تطوير سياسة الجوار بين الدول الأوروبية ودول المغرب العربي المطلة على البحر المتوسط، نابعا من المفاوضات العربية الأوروبية التي انطلقت عام 1975، وذلك لطرح تقارب لوجهات النظر في المجالين الاقتصادي والثقافي بين هذه الدول، تمهيدا لتأطير علاقات تعاون استراتيجية بين الطرفين في مختلف القضايا تحقيقا لمكاسب مشتركة. غير أن العلاقة بين الدول الأوروبية ودول جنوب المتوسط، تحكمها مصالح مشتركة، وخصوصا في الجانب الأمني التي يشكل لدى الدول الأوروبية هاجسا متصاعدا من أي شيء قادم من الجنوب، مما فرض على الحكومات الأوروبية تشديد المراقبة على الحدود مع الجنوب، إلا أن هذه السياسة باءت بالفشل بإبعاد دول الجنوب من المساهمة في تدبير المراقبة على الحدود بضفتي البحر الأبيض المتوسط. فإذا كانت الدول الأوروبية ترغب في اشراك دول الجنوب في المراقبة الأمنية على الحدود، فدول المغرب العربي ترغب كذلك في أن يشمل التعاون جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط المجال الأمني، شأنها في ذلك شأن كل التجمعات والوحدات المتجاورة، نتيجة لما يتسم به العالم من تواصل وتشابك أطرافه، مما يؤدي إلى تنوع عملية الاعتماد المتبادل بينهم، وخصوصا ما يتعلق بالحوار السياسي الشامل، أحد أدوات التعامل الديبلوماسي في العالم المعاصر، وهو منطلق لخلق المساندة في التعامل بين القوى الدولية، سواء أكان ذلك التعامل إقليميا أو غبر إقليمي، فهو يحتوي على ثلاث أبعاد رئيسية: البعد السياسي والبعد الاقتصادي والبعد الثقافي، ويشمل البعد السياسي السعي إلى خلق الالتزام بالتأييد والمساندة، سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، ويشمل البعد الاقتصادي عملية التبادل بالأخذ والعطاء بين الأطراف حتى يستطيع كل طرف أن يكمل الاخر أو يقدم له ما هو في حاجة إليه، أما البعد الثقافي فنتيجة لتبادل العلاقات الثقافية من منطلق تواصل التقاليد التاريخية التي يحملها أفراد تلك البلدان وتعميقها . وقد جاءت هذه المبادئ في الإعلان التأسيسي في روما بإيطاليا بتاريخ 10 أكتوبر1990، بعد أن مهد لذلك اجتماع سباعي انعقد يوم 22 من مارس في نفس السنة بروما، حيث شاركت فيه كل من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا، على مستوى وزارة الخارجية. وقد ارتكز الاعلان على طبيعة الحوار الذي يجب أن يكون حوارا فاعلا بين وزراء خارجية هذه الدول الذين سيلتقون دوريا كل سنة، لتبادل وجهات النظر حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، رغبة في الاسهام في إيجاد حلول للقضايا والخلافات السياسية والأمنية التي تهم المنطقة. كما يشير الإعلان إلى تعلق الدول المشاركة بمبادئ شمولية، وعدم تجزئة مسألة الامن في المتوسط، وإلى جعل تعاونهم في هذا المجال ينصب في خدمة السلم والامن، ومن ثم التعاون في المنطقة كلها من أجل جعلها فضاء أمن، وتعاون واستقرار، وتأكيد أن مسار التعاون بين دول غرب المتوسط يخلق من جديد فرصا كبيرة لتعميق علاقات التعاون بين الدول الأعضاء. ويتم الحوار بين المجموعة الأوروبية واتحاد المغرب العربي وفقا للحوار العربي الأوروبي الشامل، ويدعو هذا التجمع إلى تقوية علاقات التعاون بين ضفتي البحر المتوسط، خصوصا الدول المشاركة فيه من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والبيئية . وإذا كان هذا الحوار في الشكل، يتميز بحمولته السياسية والاقتصادية والامنية، أملته ظروف حتمية طارئة، تعبر عن اتجاه تاريخي ينبغي أن يتطور، ويخضع لمتغيرات جيوسياسية كثيرة داخلية وخارجية، ويأخذ إطارا مؤسساتيا لتنفيذ قرارات تصب في مصلحة جميع الأطراف، فإن الواقع يبين أن الدول الأوروبية لا تبحث إلا عن مصالحها ومصالح شعوبها، من خلال حوار شكلي مغشوش، حيث تستغل ضعف دول الجنوب بسب الصراع الدائر بينها، والخلافات بسبب الحدود الموروثة عن الاستعمار الغربي، للاستقواء عليها وفرض رأيها، ويتضح ذلك من خلال الاتفاقيات و الشراكات الاوروبية العربية، حيث نجد أن الجانب الأوروبي يمارس دورا فعالا من خلال مؤسسة الاتحاد الأوروبي، وحتى عندما يطرح الموضوع على مستوى التجمع الإقليمي غرب المتوسط، نجد أن المبادرات التي تطرح بين هذين المجموعتين، دائما ما تعرض بوصفها مشروعا متكاملا بالنسبة للدول الأوروبية، أما دول الجنوب، فتدخل في اتفاقيات وشراكات تغلب عليها المفاوضات الفردية، ما يعرضها للنسيان، بحكم ضعف الطرف المفاوض. ولذلك نجد أن كل المبادرات المطروحة من طرف هذه الجهة، تلاقي عراقيل تجعلها بعيدة المنال، فمثلا من الاتفاقيات ما يتعلق بتبادل السلع، فمنتجات الشمال تصدر إلى الجنوب بكل سهولة، أما المنتوجات الاتية من الجنوب فتخضع لرقابة متشددة، اعتبارا لكون الدول الأوروبية لا تسمح بدخول كل المنتجات من جنوب المتوسط، إلا التي تستجيب لمعيار الجودة المسموح به في أوروبا، لأنها ليست من مستوى المنتوجات الجيدة حسب رأي الاتحاد الاوروبي، وهذا نوع من اللامبالاة والدونية التي تواجه به الدول الأوروبية دول جنوب المتوسط. فهدفها هو تحقيق امنها القومي بشتى الوسائل ولو على حساب مصلحة دول جنوب المتوسط.
المطلب الثاني: أهداف وأسباب تأسيس دول التجمع الإقليمي غرب المتوسط.
لم يكن التجمع الإقليمي لدول غرب المتوسط ليتأسس، لو لم تكن هناك أهداف وأسباب رئيسية، فمبادرة تأسيس التجمع بموجب الاتفاق التاريخي بروما سنة 1990، كان يهدف في المرتبة الأولى إلى تشجيع الحوار الفعال من أجل حل القضايا المشتركة، خاصة السياسية والأمنية، وبعد ذلك التركيز على هدف تحقيق الاستقرار والسلام بدول شمال افريقيا، من خلال الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والتنموي .
ويروم الإعلان التأسيسي للتجمع الإقليمي، إلى جعل المنطقة المتوسطية فضاء للحوار والتبادل والتعاون، من أجل تحقيق السلم والاستقرار والازدهار، وترسيخ قيم الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، وتنمية المنطقة اقتصاديا واجتماعيا بشكل يجعل الانسان المتوسطي في صلب هذه الشراكات من حيث محاربة الفقر وإيجاد فرص أفضل للتقارب بين ثقافات الجنوب والشمال لحوض المتوسط. وقد ركز الإعلان على ثلاث أهداف أساسية:
الجانب السياسي والأمني: حيث عمل الاعلان على إرساء أواصر التضامن والتعاون الاقليمي من خلال تنفيذ مجموعة النقاط هي:
– حفظ الامن والاستقرار، وهو عمل يهم جميع دول التجمع الإقليمي لدول غرب المتوسط.
– تقوية العلاقات الثنائية بين دول المنطقة، مبنية على الاحترام المتبادل وحسن الجوار في إطار التسامح والتفاهم.
– تطبيق الديمقراطية وحقوق الانسان من أجل تقليص الفوارق الموجودة بين ضفتي المتوسط.
– الالتزام بمكافحة الإرهاب في إطار هيئة الأمم المتحدة.
– ترسيخ قيم الحرية والعدالة ودولة القانون، من خلال إنشاء مؤسسات أورو متوسطية لدعم هذه القيم.
الجانب الاقتصادي: من خلال تأكيد الإعلان التأسيسي على أهمية البعد الاقتصادي كقاطرة أساسية للتنمية بالمنطقة بشكل متوازن، والتزام الدول الأعضاء بأن يواكب الاندماج والتعاون بأوروبا، مجهودا مماثلا بدول جنوب غرب المتوسط، بحيث يرتكز على تبني مشاريع وبرامج متوسطية، كتشجيع النمو الاقتصادي والتعهد بتنشيط التبادل التجاري، وحل مشكلة الديون الخارجية، مع إنشاء إطار قانوني للمؤسسات المالية والاستثمارات الأجنبية، وتطوير نماذج التنمية في هذه الدول، بآليات اقتصادية ذات أهداف ناجحة.
الجانب الاجتماعي والثقافي: من خلال البعد الثقافي والاجتماعي الذي جاء به الإعلان التأسيسي، بما يكفل التعاون في حوار الثقافات واحترام التفاهم بين شعوب المنطقة انطلاقا من:
– وضع أسس تعاون شامل ومتوازن ومندمج من أجل معالجة ظاهرة الهجرة غير المشروعة.
– خلق مبادرات ثقافية تدعم الهوية المتوسطية وحوار الحضارات، على قاعدة القيم والجدور المشتركة.
إغناء الحوار والتعاون الثقافي والعلمي والفني، وخلق برامج عمل متوسطية تمكن من تطوير التعاون بين الجامعات والمؤسسات العلمية والثقافية والتربوية . غير أن ما يمكن ملاحظته، هو أن الأهداف التي جاء بها الإعلان التأسيسي لدول التجمع الإقليمي لغرب المتوسط بروما، يمكن قارئتها من زاويتين من منظور كل جهة حسب طبيعة الأهداف التي تعكس خصوصيتها. فبالنسبة لأوروبا تهدف من وراء الإعلان التأسيسي لدول التجمع الإقليمي لغرب المتوسط إلى توسيع مجال نفوذها، لتشمل دول جنوب المتوسط خصوصا النفطية، وذلك لفرض سيطرتها واستقلاليتها عن الولايات المتحدة الامريكية التي انفردت وحدها بقيادة العالم وبمشروعها الشرق أوسطي الذي لا يراعى المصالح الأوروبية. كما تهدف إلى دعم الإصلاح السياسي واحترام حقوق الانسان، وإطلاق حرية التعبير، ودعم سبل التعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط في مجالات البيئة والطاقة والاستثمار . وتشكل الهجرة غير المشروعة الاتية من الجنوب، من بين الاهداف الرئيسية من منظور الدول الأوروبية، باعتبارها أهداف مترابطة ونابعة من أسس الوحدة الأوروبية المتكاملة تجاه القضايا التي تهدد هذه الوحدة. فظاهرة الهجرة السرية الزاحفة من الجنوب، ومخلفاتها السلبية على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية المتمثلة في خلق بؤر التوتر والنزاعات، الناتجة عن الفقر وسوء تدبير الثروة، أصبح هاجسا يقلق بال الأوروبيين، مما يفرض نفسه في السياسة الأوروبية، من خلال تفعيل الشراكة، والتنسيق والتعاون في مجال مكافحة الهجرة غير المشروعة، والعمل على إقامة منطقة تنعم بالاستقرار والامن والازدهار المشترك مع دول الضفة الجنوبية وعلى رأسهم المغرب . أما طبيعة الأهداف من منظور دول الضفة الجنوبية، فترتكز على سعيها الملح إلى الارتباط بواحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم، والمحرك الأساسي للتنمية والاندماج في الاقتصاد العالمي خصوصا بعد ظهور تجمعات إقليمية كثيرة، مثل منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية NAFTA، ورابطة دول جنوب شرق آسيا ASEAN، والاتحاد الأوروبي، وهو ما تسعى إليه دول الجنوب من خلال دعوة الدول الأوروبية، لمنح منتجات دول الجنوب وضعا تفضيليا ومتميزا في السوق الأوروبية، وتخفيض القيود المفروضة على الصادرات الزراعية من هذه الدول، بسبب السياسة الحمائية للزراعة الأوروبية، إضافة إلى زيادة حجم المساعدات المالية والقروض، وكذلك المساعدات الفنية ونقل التكنولوجيا من الاتحاد الأوروبي، صوب دول الجنوب، وتشجيع الاستثمارات الاوروبية من أجل الرفع من المستوى الاقتصادي والتنموي بهذه الدول . أما أسباب تأسيس التجمع الإقليمي غرب المتوسط، فيكمن في التصدي للهجرة غير الشرعية، بوصفها تهديدا حقيقيا للأمن الأوروبي، وفي مجال إدارتها على أراضي الحدود الخارجية لدول الجوار الجنوبي. وتأتي هذه المبادرة في ظرفية استثنائية تتسم بالصراع والتشرذم بين الدول الرئيسية لهذه الدول ( الجزائر والمغرب)، وهذا الانشغال بالنزاع حول الحدود والصحراء المغربية بين البلدين، والابتعاد عن القضايا الأمنية الاساسية، من شأنه أن يجعل المنطقة هدفا لتحركات الشبكات الاجرامية، والجماعات الإرهابية المتشبعة بأفكار التطرف والاتجاهات الظلامية، وشبكات تهريب البشر والسلاح. وبسبب هذه الاحداث، وعجز كل الأطراف المعنية عن التدبير الأمني على حدودها، وعدم فعالية المجهودات الانفرادية والمبادرات الأحادية لكل دولة على حدة، سارع الاتحاد الأوروبي إلى الضغط على دول الجنوب من أجل المشاركة والبحث عن سبل التعاون وإمكانيات التنسيق بين دول الضفتين الجنوبية والشمالية، وهو ما تحقق بفضل تأسيس التجمع الإقليمي لدول غرب المتوسط. فماهي أسس التعاون بين دول التجمع الإقليمي لغرب المتوسط؟
المبحث الثاني: أسس التعاون بين دول التجمع الإقليمي غرب المتوسط.
تمثل الهجرة موضوعا شائكا ومعقدا، يحيل إلى ارتباطها بقضايا متنوعة ذات صبغة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وديمغرافية. وقد أضحت ظاهرة الهجرة في ظل العولمة، وفي ظل ما تعرفه الساحة الدولية من أحداث وتحولات ومواقف، قضية رئيسية وحساسة تساهم في تحديد القرار الوطني والإقليمي والدولي. كما أضحت الهجرة تشكل القضية المرجعية للسياسات الإقليمية والدولية، إذ أن جميع مجالات التعاون محكومة باعتبارات عديدة، منها السياسي والاقتصادي والأمني، مما يدعو إلى ضرورة البحث عن إعادة بناء المتوسط . وتكتسي ظاهرة الهجرة في منطقة المغرب العربي أهمية كبرى، لأنها تمثل إحدى القضايا المحورية في علاقة الجوار بين الضفة الجنوبية المشكلة لدول المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، وموريتانيا)، ودول الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط المشكلة للدول الأوروبية (فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال، مالطا).
وتعتبر ضفة المتوسط من المناطق الأكثر توثرا، باعتبارها حوضا يفصل بين مجموعتين من المجتمعات غير المتجانسة، تحكمها خصائص مختلفة ومتناقضة. ففي الجانب الديني، توجد على الضفة الجنوبية مجتمعات غالبيتها مسلمة مع أقليات من اليهود والمسيحيين، بينما تعيش على الضفة الشمالية للمتوسط مجتمعات مسيحية مع أقليات مسلمة، وهو ما يزيد من اتساع الهوة بين المجموعتين. إضافة لأحداث الماضي التي يحكي عنها التاريخ، حيث تشكل دول الجنوب بالذاكرة الاوروبية، تلك المستعمرات الغير المرغوب فيها، والتي خضعت لسيطرة واستغلال الشمال لمدة طويلة. أما دول جنوب الضفة، فتتذكر مخلفات الاستعمار من اثار وجروح لازالت منقوشة في ذاكرة شعوب المنطقة الجنوبية، الشيء الذي يزيد من تعميق الهوة بين الشمال والجنوب. أما الجانب الاقتصادي، فكل المؤشرات تؤكد على وجود هوة كبرى بين دول شمال الحوض المتوسط وجنوبه . وهذه الاختلافات بين دول وشعوب ضفتي المتوسط، كان يمكن أن تمثل مجالات للتعاون والتكامل، واغتنام فرص جدية لشراكة اقتصادية متينة بين الجانبين، وخلق سوق مغاربية قوية بحكم الجوار والقرب الجغرافي. ولذلك، سنتناول التباين التنموي بين دول الشمال والجنوب ، كما سنتناول نمط التفاعل بين دول التجمع الإقليمي غرب المتوسط بين ما هو أمني وتنموي
التباين التنموي بين دول الشمال والجنوب وأهمية التعاون بينهما
تعد كلمة الشمال ذات مدلول مختلف عن الكيانات المجتمعية السياسية التابعة لهم، أما الجنوب فهي كلمة تعبر عن الاخر الذي لا ينتمي إلى كياناتهم المختلفة، وأخذ بعين الاعتبار حاجة عقول الشمال إلى المزيد، واعتناقها للمفاهيم ذات الصلة، فقد جرت محاولات عديدة لترسيم الحدود بين الشمال والجنوب التي تعد بالنسبة إليهم هي الحدود الفاصلة بين الحضارة والتقدم بين الدول النامية والدول المتقدمة، أي تلك الدول التي مازالت تعاني من التخلف والدول ذات الأنظمة المتقدمة، وجاءت مختلف المحاولات لوضع هذه الحدود بين الشمال والجنوب، ذلك أن اعتماد مثل هذه الحدود يشكل أساسا في برامج التنمية الرسمية وغير الرسمية، من أجل تشخيص حدود التخلف . وتشكل منطقة جنوب غرب المتوسط تكتلا إقليميا مهما يتكون من خمسة دول عربية هي: المغرب، تونس، موريتانيا، ليبيا، الجزائر، وهي دول تجمعها اللغة العربية، والدين الإسلامي المالكي، وتمتد مساحتها من البحر المتوسط حتى المحيط الأطلسي حيث تبلغ 5.782.140 كلم2، وتشكل 42% من مساحة المنطقة العربية، ويبلغ شريط الساحل البحري في هذه المنطقة 6505 كم، كما يبلع تعداد السكان حوالي 100 مليون نسمة، سنة 2017 غالبيتهم مسلمون. ويرتكز اقتصادها في المقام الأول على تصدير النفط والغاز الطبيعي، ثم الفوسفاط والحديد الخام والاسماك والتمور والمنسوجات وكذلك الزيوت النباتية، وتعتبر هذه الدول من العالم الثالث، حيث تتميز بعجز الميزان التجاري لصالح الدول الأوروبية بنسبة الواردات أقوى من الصادرات وخصوصا من فرنسا وإسبانيا. ورغم كل الجهود التي بدلت في المنطقة المغاربية على المستويين السياسي والاقتصادي، وطرح الأسلوب الديمقراطي كمخرج أساسي لتجاوز هذه الوضعية، فإن دول المنطقة لازالت ضعيفة ومحدودة بسبب غياب النضج السياسي لتقبل أسلوب الديمقراطية، ووجود عراقيل متعددة تواجه جميع دول المغرب العربي بدون استثناء، كتفشي البطالة والفقر والامية . أما دول الشمال المتكونة من خمس دول (مالطا، إيطاليا، فرنسا، البرتغال، إسبانيا)، فتشكل جزءا من الاتحاد الأوروبي الذي بني على ترابط المصالح السياسية والاقتصادية، إحدى اللبنات الأساسية لطبيعة سياسة هذا التجمع الأوروبي تجاه منطقة البحر الأبيض المتوسط، والهدف هو بناء علاقات جوار جيدة مع دول الجنوب المجاورة، وهو ما نتج عنه تجمع (5+5) في غرب المتوسط لتحقيق النمو الاقتصادي وصولا إلى الرخاء والاستقرار والامن في المتوسط، رغم الاختلافات السياسية والاقتصادية. والجدير بالذكر، أن النمو الاقتصادي بمعظم دول الصفة الجنوبية، لا يواكب النمو الديموغرافي الكبير، عكس دول الشمال التي تعرف نموا اقتصاديا كبيرا مقابل نمو ديمغرافي ضعيف، وكنتيجة لهذا التباين التنموي بين ضفتي المتوسط، نجد فجوة كبيرة بين معدل الدخل الفردي الذي يعد مهما بدول الضفة الشمالية، مقارنة بمعدل الدخل الفردي الذي يعد ضعيفا بدول جنوب المتوسط . إن تفعيل التعاون السياسي والاقتصادي الأورو متوسطي، يجب أن ينطلق من معالجة الاختلالات التنموية بدول الجنوب، وتقليص الهوة بين هذه الدول ودول الشمال، كمدخل رئيسي لمعالجة مصادر التهديد للأمن الأوروبي. ولذلك فلابد من ترتيبات إقليمية، لإدارة مشاكل العلاقات بين جنوب وشمال المتوسط، من خلال الابعاد الثلاثية السياسية والاقتصادية والثقافية التي من شأنها دفع التعاون في إيجاد طرح تصور إيجابي بين الأطراف، يكون على أساس من التكافؤ، وفق تصور لحل الصراعات بين الشركاء المتوسطيين، وتحقيق التعاون السياسي والأمني بين الجنوب والشمال في إطار من الاحترام المتبادل والقيم والمصير المشترك لبناء مشروع حضاري لإعادة بناء العلاقات بين شعوب المنطقة المتوسطية، من أجل تطبيق العدالة والحرية والمساواة، وليس مشروعا لمحاربة الإرهاب بشتى الوسائل الممكنة والغير الممكنة . ولا شك أن التفاوت الذي يطبع دول شمال وجنوب ضفة المتوسط، من شأنه أن يولد حالة من الاضطراب الاجتماعي والسياسي بالجنوب، نظرا للنمو السكاني المتسارع واتساع البطالة، مقابل الضعف التنموي الذي يمكن أن يمتص أعداد العاطلين، وبالتالي فإن هذه الأوضاع، لها انعكاس مباشر على دول شمال المتوسط، كتشجيع الهجرة غير المشروعة من الجنوب إلى الشمال، وتنشيط الجماعات الإرهابية وشبكات الاتجار بالبشر والمخدرات. فأوروبا واعية بأن أمنها لا يقتصر على الامن العسكري فقط على الحدود، وإنما يشمل كذلك التعاون الأمني والاقتصادي والثقافي والاجتماعي في دول الجنوب، كما تدرك أنها لن تكون في حالة استقرار وامن، مادام جيرانها في جنوب حوض المتوسط تعاني من الاضطرابات وعدم الاستقرار . ولذلك ولارتباط الشمال والجنوب بالمستقبل والمصير المشترك، فينبغي لدول شمال حوض المتوسط الأوروبية أن تبادر لتقييم سياستها مع الجنوب، وفق رؤية تنبني على التعاون المثمر، وخلق تنمية مستدامة بنقل التكنولوجيا المتقدمة لدول الجنوب، وتحويل مساعدات مالية واستثمارات في المجالات الصناعية والبنيات التحتية، وتكوين الانسان المغاربي في جميع المجالات من أجل خلق مناصب الشغل التي من شأنها التحكم وتقييد الهجرة السرية من الجنوب باتجاه الشمال.
نمط التفاعل بين دول التجمع الإقليمي غرب المتوسط بين ما هو أمني وتنموي
يقصد بدراسة أنماط التفاعل في النظم الإقليمية، دراسة التفاعل، الشراكة، والتعاون،
والتنسيق فيما يخص القضايا ذات الاهتمام المشترك لدول التجمع الإقليمي (5+5)، فهي أهم عملية تنمية يمكن أن تكون في المتوسط، لأنها تضم كل الدول الأوروبية والمغاربية المكونة للتجمع، والتي تتصف بالتقارب الجغرافي والتنوع الثقافي والامتداد السياسي في منطقة يسودها الاستقرار والسلام ومحاولة خلق علاقات متساوية بين الشركاء، ودعم التجانس في المجالات المحققة للتعاون، حيث تصبح إطارا مؤسسيا من شأنه أن ينمي فرص حل القضايا الإقليمية المتعلقة بالأمن والاستقرار والرخاء، ومن هذه المسائل الأمنية، الجريمة المنظمة، الهجرة غير الشرعية، التلوث، البيئة والتنمية للتغلب على الإخفاقات والصعوبات التي واجهت اتفاقية برشلونة في السنوات الماضية، وفي نفس الوقت محاولة لتدشين سياسة الجوار الأوروبي، بوصفها سياسة أكثر صلابة، وأكثر حزما في تعامل أوروبا مع جنوب المتوسط . وترتكز النقاشات بين دول الشمال والجنوب لحوض المتوسط حول محورين أساسين: محور التعاون الأمني، ومحور التعاون التنموي.
1-التعاون الأمني
دائما ما تتناول الجهات الأوروبية في نقاشاتها مع دول الجنوب، في الجانب الأمني، مشكلة الإرهاب ومشكلة الهجرة السرية. فتحديد معنى الإرهاب، يلقى صعوبة في تفسيره، والتمييز بينه وبين المقاومة المشروعة. ويرى الجانب الأوروبي ضرورة تجريم الإرهاب بكل أنواعه دون الإشارة إلى ما يميزه عن المقاومة، وهو ما يرفضه الجانب المغاربي جملة وتفصيلا، لان اختلاف تحديد المفهوم يترجم السلوك في مقاومة الارهاب. أما الهجرة السرية، وخصوصا ما يتعلق الهجرة القادمة من دول جنوب المتوسط، فيبقى الهدف الاساسي للاتحاد الأوروبي، هو الحد منها بسبب ما تخلفه من مشكلات اجتماعية واقتصادية لأوروبا دون تقديم أي مقومات لحل تنموي . لان الأوروبيين يعتبرون الهجرة غير المشروعة مشكلة أمنية مستفحلة، ولذلك فإن أي حل للقضايا الخلافية بين الجنوب والشمال، رهين بنجاح أو فشل مشاريع الشراكة الاورومتوسطية التي من شأنها أن توسع عملية التفاعل بين الطرفين. فتوسيع وتعميق مفهوم الامن وتصنيفه إلى اربع مستويات، وهي الامن الإنساني، الوطني، الإقليمي، الدولي، هو أداة، الهدف منها تحقيق التفاعلات الإقليمية بين الدول الأوروبية في الشمال ودول المغرب العربي في الجنوب، وفق معايير أوروبية محددة، ترى أن على دول المغرب العربي في الجنوب، أن تنتهج نهجا واضحا، يكون بعيدا على محاولة الضغط على دول الشمال لدفعها لحل القضايا العالقة على كل المستويات . ويعني ذلك أن الاتحاد الأوروبي يرفض الابتزاز من لدن دول الجنوب لدفعه لقبول مطالبهم، ولكن تنفيذ ذلك، ينبغي أن يتم في إطار آليات الشراكة الاورومتوسطية، تأخذ بعين الاعتبار الاختلافات الفنية التي تخص كل طرف، بهدف تدشين مرحلة جديدة للشراكة الاورومتوسطية، محورها محاولة موائمة بين الجانبين، من أجل تحقيق منافع سياسية واقتصادية واجتماعية ثنائية، في إطار سياسة الجوار الجديدة، المتسمة بالحوار والتفاهم والاحترام المتبادل. ولذلك، فإنه إذا كان هناك محورا وقضايا كثيرة تحكم التوجه الأور ومتوسطي، كالقضايا المتعلقة بالشراكة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإنه لابد من الإقرار بأن المشاركة السياسية والأمنية تبقى على رأس أولويات الشراكة الاورومتوسطية، وذلك من منطلق الاقناع التام بأن أوجه الشراكة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا يمكن أن تنتج أو يكتب لها الاستمرار، إذا لم ترتكز على قاعدة متينة من الاستقرار السياسي والأمني الذي يهيئ البيئة الملائمة ويوفر مجالا أرحب للتعاون التنموي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، حيث يقترن المفهوم الأوروبي للأمن بالمساعي الأوروبية لجعل منطقة البحر المتوسط منطقة سلام واستقرار دائمين، وذلك من خلال الانخراط المستمر في حوار سياسي أمني بين دول المنطقة، مع ضرورة ربط مفهوم الامن السياسي بالاقتصادي والمالي والاجتماعي والثقافي، ليصبح الامن الإنساني مطلبا ملحا لأية ترتيبات أمنية، ليتسنى للجميع تحمل مسؤولياته تجاه جميع القضايا التي تهم المنطقة برمتها .
1- التعاون التنموي
تشكل مقولة التنمية حاجة ملحة ودلالة حقوقية وسياسية، ومحورا أساسيا مشتركا لمعظم العلوم الإنسانية وتطبيقاتها، وقد عرف اعلان » الحق في التنمية« الذي أقرته الأمم المتحدة سنة 1986، عملية التنمية بأنها عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، تهدف إلى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهية كل السكان وكل الافراد، والتي يمكن عن طريقها إعمال حقوق الانسان وحرياته الأساسية، وهناك الكثير من التعريفات للتنمية أهمها التعريف المتفق عليه، وهي العملية التي تفي باحتياجات الحاضر دون التقليل من قدرة أجيال المستقبل على الوفاء باحتياجاتها . وتعد فكرة الشراكة أو التعاون وفقا لدعم التنمية وتطوير الاتجاه التنموي بين بلدان غرب المتوسط المتكونة من (5+5)، وذلك لوجود صلات تاريخية وثقافية واقتصادية وسياسية، وقد كانت دول شمال حوض البحر المتوسط تربطها علاقات ومعاهدات مع مستعمراتها في الجنوب، من أجل ضمان استمرار التبعية والإبقاء على نفوذها التاريخي بهذه الدول . وإذا كانت هذه الاتفاقيات والتعاون والشراكة بين الطرفين، تحمل في طياتها مصالح أوروبية بالدرجة الأولى، من خلال: تحرير المبادلات التجارية بين المجموعة الاقتصادية الأوروبية ودول الجنوب، على أساس اتخاذ الضمانات والإجراءات اللازمة من أجل حماية الإنتاج الصناعي والزراعي الأوروبي، واتباع سياسة المساعدات المالية على شكل قروض من البنك الأوروبي للاستثمار أو من ميزانية الاتحاد الأوروبي، واتخاد سياسة معينة بخصوص العمالة المهاجرة من دول جنوب المتوسط، وحل المشكلات الناجمة عن الهجرة، وخلق تعاون فني وصناعي بين الجانبين، وما سيلزم ذلك من إقامة مشاريع اقتصادية وعمليات التسويق وتبادل التكنولوجيا بين الجانبين ، فإن حقيقة الامر تؤكد أن التعامل بين دول شمال حوض المتوسط وجنوبه، لا ينطلق من إطار مؤسساتي منظم بالنسبة إلى الجنوب، حيث تغفل الدول الأوروبية الاتفاقيات من منطلق موقعها بالاتحاد الأوروبي، مما يعني أن الموقف التفاوضي لكل دولة أضعف من الكتلة الأوروبية، ما يجعل عملية الشراكة أقرب للمساومة منها إلى التعاون . ولم تعد وضعية دول الجنوب في السياسة الأوروبية ذات أهمية كبيرة، إلا بعد نشوء التجمع الإقليمي (5+5)، وشعورها بتهديد مصالحها في الجنوب، بعد أن تأكد خطورة الضفة الجنوبية على أوروبا، وتهديدها في إن تكون مصدرا لعدم الاستقرار والعنف الاصولي، وبالتالي تأثيرها المباشر على دول الشمال، لما يربطها من الجوار الجغرافي والمصالح المشتركة، فضلا عن القلق من تدفق الهجرة، وما ينجم عنها من مشكلات وآثار سلبية على المنطقة.
خاتمة:
الملاحظ أن دول الضفة الجنوبية عامة، والمغرب خاصة يتعرض لتدفقات هجرة الافارقة من حين لآخر على حدوده الشمالية بالقرب من الثغرين المحتلين. كما وقع بتاريخ 8 مارس 2021، حيث تمكن 60 مهاجرا إفريقيا من عبور السياج الحديدي التي يفصل بين شمال المغرب ومدينة مليلية المحتلة . ويشكل هذا الحادث عملية من عمليات الهجرة السرية التي تتكرر باستمرار بالشمال المغربي. علما أن المغرب لا يدخر جهدا في الحد منها، ولو بالإمكانيات المتواضعة التي يتوفر عليها، حيث بدل مجهودات جبارة في تسوية وضعية الالاف من المهاجرين الافارقة، غير أن التدفقات المستمرة على الحدود مع دول الجوار في الشرق والجنوب، دفع المغرب إلى إعلان عدم قدرته على مواجهة الكم الهائل من المهاجرين من دول الساحل والصحراء. فالمسؤولية، تتحملها دول شمال حوض المتوسط التي لم تواكب تنزيل الاتفاقيات الموقعة في إطار العلاقات الثنائية بين الاتحاد الاوروبي ودول جنوب المتوسط. فإعلان برشلونة الذي كان ثمرة مؤتمر برشلونة، المنعقد بتاريخ 27 و28 نونبر سنة 1995، اعتبر كمرحلة جديدة في العلاقات الاورومتوسطية، لأنه أول مشروع حقيقي لكسر الحواجز الموجودة بين الشمال والجنوب. ويهدف هذا الاتفاق إلى تعزيز تدريجي للتماسك الإقليمي، وإلى معالجة القضايا السياسية والأمنية، وترسيخ قيم التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين دول الجنوب والشمال. فضلا عن الحوار المثمر من أجل ضمان استقرار المتوسط من خلال المساهمة في التنمية الشمولية في المنطقة، لان التنمية في الجنوب هي بمثابة الامن المجتمعي، وبالتالي حصر التدفقات الاتية من الجنوب بما في ذلك جنوب الساحل والصحراء.
غير أن هذا الإعلان لم يكن سوى وسيلة، لدفع دول الجنوب إلى الانخراط في محاربة الهجرة غير المشروعة، التي تهدد الامن القومي الأوروبي في غياب التنمية بدول المصدر (الجنوب المتوسطي ودول الساحل والصحراء) التي تعد حلا جذريا للحد من الهجرة.
∗عبد الرحيم حلليون
باحث في سلك الدكتوراه، قانون عام – جامعة الحسن الثاني – الدار البيضاء –
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – المحمدية –
مختبر الدراسات السياسية والحكامة الترابية، فريق البحث: حقوق الانسان والعلاقات الدولية والمجتمع المدني.
Abdou.hl.77@gmail.com
تعليقات
0