خطاب الحلم والروح في ديوان “للمليكة يضحك الغمام” للشاعرة نعيمة قصباوي

أحمد بيضي الأربعاء 28 أبريل 2021 - 18:26 l عدد الزيارات : 39464
  • حميد ركاطة (°)

  • تقديم

تعتبر الشاعرة نعيمة قصباوي (°°) من بين أهم الأصوات الشعرية المحلية والوطنية، فإلى جانب انخراطها الحقوقي والجمعوي، هي شاعرة مقلة على مستوى النشر، لكن ثرية على مستوى الكتابة وقصائدها جد متميزة.

  1. على المستوى المناصي

“، صدر ضمن سلسلة منشورات الهامش رقم 10 في طبعته الأولى سنة 2014 عن مطبعة وراقة بلال ببني ملال، قصائده كتبت بين سنتي 2012 و2014   ، منها ما هو مذيل بتاريخ كتابته، ومنها ما هو بدون تاريخ، ويعتبر الديوان الباكورة الشعرية للشاعرة، وينتمي إلى قصيدة النتر، ولوحة الغلاف من إنجاز الفنانة الفلسطينية احلام حمدان.

المصاحبات النصية

  • عتبة العنوان:

“العنوان علامة اساسية للمصاحب النصي. وقد اعتبره النقد خارج نصيا… اذ اعتبره ليو هوك، أنه ” مجموعة من الدلائل اللغوية التي يمكن ان توضع على راس نص لأجل تعيينه وتحديد مضمونه العام. وايضا لأجل جذب الجمهور المستهدف”

للمليكة يضحك الغمام عنوان دال على خصوصية تم تحديدها من خلال مضامين القصيدة التي تحمل نفس العنوان 36 ) في إشارة إلى أم الشاعرة التي كانت تعتبرها طقسها اليومي أو صلاتها السادسة.

  • الإهداء

يتضمن الديوان نصا موازيا قدم لباكورة الشاعرة كتبه الشاعر عبد الناصر لقاح في ص4، كما تضمن الاهداء التصديري الاول ميثاقا عائليا الى الابنة سارة وإلى زوجها واخوانها وامها.ص3

ج-تصدير القصائد

تصدرت اغلب قصائد الديوان مقتطفات لكل من: مارتن لوثر، نزار قباني، عبد الناصر لقاح، محمود درويش، احلام مستنغانمي، ع. الله المتقي، محمد الطوبي، احمد لمسيح، محمد شنتوف، وشذرات من ابداعها الخاص في قصائد أخرى.

  1. على المستوى الدلالي

 تناول الديوان مجموعة من التيمات، التي توزعت بين طبيعة العلاقة بالأقارب كصورة الام، والابنة، والزوج، وسؤالي الوجع والغياب، الألم والاحتراق والرحيل، وخطاب الحلم والروح، وخطاب الذات كفضاء للتخييل، والاحتفاء بالمكان.  فما هي أهم مضامين هذا الديوان؟ وبأية خلفية فنية ودلالية كتبت؟

  • العلاقة بالابنة

لعل أبرز مظهر من مظاهر الفن الذي يضمن للقصيدة توهجها وانتشارها (.. ) قدرة الذات الشاعرة على تحويل مظاهر الحياة وقضايا الوجود الى لغة ايحائية ورمزية، تتوسل بالاخيلة والصور، والمجازات، واستنادها الى المعاني الممتدة والمفتوحة على الاحتمالات الممكنة واللا ممكنة أيضا

وهي علاقة تتصدر قصائد الديوان كما في قصيدةسارة الحرف عنقودا في كرمة القصيدةص 6 حيث عبرت عن مشاعرها لابنتها التي جاء اسمها العائلي مندسا بين ثنايا ابيات مفعمة بالحب والفرح والعشق.

“عن جيم مبللة بلعاب سنديانة قديمة” ص6 

(… ) لها جيم الجوكندا تنسى ابتسامة الصباح

واو الوصال وحمة في الوريق

ألف آفلة في اشتعال امرأة لا تبور

وباب بدر اسرج الضياء لل يح ص/ص6و8

وهو ما يجعل سارة جواب تاخذ من الاوصاف كزهرة لوز، وياسمينة، ورقصة زوربا، ونورس يشرب كأسه الاخيرة، وعناقيد في كرمة قصيدة

وسنلمس انها نفس المكانة التي كانت ام الشاعرة تكرسها لابنتها التي حولتها صلاة في طقسها اليومي، كما في قصيدةللمليكة يضحك الغمامص 36 تقول الشاعرة:

تقول امي إنني صلاتها السادسة

(…)

وحدها أمي تولي وجهها قبلتي

كي لا تنام الشمس في كف المدى” ص 36

وهو ما يكشف كذلك عن طبيعة العلاقة بينهما، وعن عمق الارتباط الإنساني، فالمليكة تشكل جزء من عتبة الديوان ومن قصيدة باذخة الصور مليئة بالتداعيات ولها أكثر من معنى ورمزية، كما ان قاموسها غني الدلالات بكلمات من قبيل: القبلة، والشمس، والالة. وهي كلمات تتخذ لها متقابلات أخرى من قبيل: آياتي البيضاء، المليكة…. غير ان رحيل الام كان غير مستساغ بالمطلق واعتبر هجرا قاسيا. تقول الشاعرة:

وأنت يا أمي هجرت سبحتي

كفرت بي

أكفرت بي أمي كما حلمي إذا كورته

لمعته، واريته جنح الظلامص 37

“ان الكتابة النسوية بخلفية مماثلة تمسي علاجا للجرح وإكسيرا لمأزق الموتتعلن الرغبة وتسعى بملء الارادة لتحقيقها. كتابة يتحول فيها الحرف الى رمز والكلمة الى حلم والقصيدة الى بطاقة هوية جديدة”  

أ‌-سؤالا الغياب والوجع

يعتبر سؤال الغياب من بين الاسئلة المحورية التي تتناولها مجموعة من القصائد، وتكشف عن طبيعة العلاقة بين الشاعرة ووالدتها باعتبارها شهقتها في الغياب، وصلاتها الاولى ووتر الختام. وهو ما تم ابرازه كحسرات مسترسلة بين حنايا ذات منكسرة ومغتربة، تعيش داخل غلالة من الصمت:

اماه يا أمي، أنا الحبيبة الغريبة الآن،

لا البوح يسعفني ولا نعناعك الأشقر يخضر في

 الحطامص38

سؤال الغياب المفعم بالحنين سنلمسه كذلك في قصيدةإلى أب مسافر غيمة لا تمطرص 50 كتيمة جوهرية تمت الإشارة إلى ابيها بعد الإشارة الى الام والطفولة الضائعة. فغياب الاب هو غياب طال أمده، وظلت نذوبه بليغة وهي تنتظره بشوق وحنين، حيث تتساءل الشاعرة:

الا يزال يا أبي قميصك لي؟

الا يزال شاهدا على نبوءتي

بأنني عفت على دياري المواجع

وساقطت على ضلوعي الرؤى والمدامعص 51

إنه حزن مقيم في القلب والحنايا، يتحول فيه الخطاب الى الاب، والى الذات الشاعرة بنوع من العزاء:

 وارجع لا الوي على حلم انا ابتيص50

….

أطل علي يا أبي

أرى انشطا ر البوح بين لوثتينص52

 وهو ما يكشف أن بديوان” للمليكة يضحك الغمام”، صور شتى للوجع الانساني المتعدد الالوان، والاشكال وجع مفضي لنهايات نحو التيه، لا عنوان يهدي الشاعرة اليه.

ج-الالم والاحتراق والرحيل

ويتجسد هذا الاحساس عبر نحيب صامت واحتراق ينبعث من بين ابيات قصيدة،لنعمائههذا اخضراري ص 19″ ما اوقد في القلب لوعة تكشف عن جرح ذات تهيم بين شهيق الحياة وزفير الموت. تقول الشاعرة:

كم يهبني العمر من حول لا ستعيد ظلي

كم يهبني من آه

لأوقظ وهج الأقحوان في صدري

وأخمد في القلب بعضا من شقائق النعمانص19

إنه احتراق ذكريات في حلق القصيدة طفت على السطح بحزنها المتقد، فاتحة الابواب لنجوى الابتهال:

أعدني إلى شواطئ حروفك أيها الهارب في اوصالي

أرسم حنيني اخضرارا يندلق أنى اشتهيت

لملم شجونيص 20

كما تميط القصيدة اللثام عن شوق رهيب وتوق نحو وصال جارف

علمني أن المسافات مهما أرقت عيوني

تعرف دوما طريقها إليك

حين تنأى، دوما إذا ارتضيتص 20

يظل الالم أحد تيمات قصائد هذا الديوان، وهو ما يجعلنا نتساءل عن طبيعة البوح المكتوي بلظى نيران رهيبة. إنها ذات تئن تحت اثقال ذكريات موجعة، تقول الشاعرة:

أضنت فؤادي دموع أنت مجريها

وعاد صدري شجون أنت محييها ص 34

وهي دموع صارت اطيافها عامل وجع وألم، وهجر قد يدخل دائرة النسيان، بعد أن تشفى الذات الحريجة.

ويبرز رحيل الام كأصعب اللحظات في حياة الشاعرة، نظرا لما خلفه الفقد من أسى، وحزن، وإحساس بالغبن. بحيث نلمس في نصنزف ص 35 والذي جاء منثورا ليكشف عن مشاعر الشاعرة ومرارتها.

لو أن صدري كان يدري أن بعض السلو محض وهم، وأن وردة الصبار لم تولد الا لتفنى، لاعتذرت لله انشغال القلب عن رضام يومك امي ص35

رحيل الام الميلكة، ظل الحدث الابرز في هذا الديوان الذي فجر الحنين بعد ذلك وفجر سؤال الاعياد بعد الرحيل المفاجئ.

  • خطاب الحلم والروح

تنكشف رغبات الذات المتمنعة على التحقق في قصيدةتعالي نبحرص44 التي يمكن اعتبارها دعوة للتسلل بحرية نحو مرافئ الروح، بسبب ما لف الذات الشاعرة المليئة بالرغبة والحبور من ضجر. تقول الشاعرة:

تعال نمطر

نزهر

نثمر الحكاية بلا خريف ص45

من اضناه الواقع ارضاه الحلمفالرومانسي يهرب من الواقع المعاشبشعوره المحض حيث الحياة وصخبهاإلى العالم المتخيل بلا شعور حيث الحياة الماتعة؛ لذلك يرى فرويدأن اللا شعور أساس الحياة النفسية. لانه يختزن جميع الدوافغ المكبوتة والرغبات المقموعة منذ الطفولة، اذ تتسم بالنمو والاضطراب، والانفعال، وتحاول للظهور بشتى الأشكال إلى منطقة الشعور، فتتخذ أقنعة ورموزا ملونة أهمها الحلم والإبداع الفني، إذ هو يمزج ما بين الابداع والحلم الى درجة التماهي. حتى عبر عن العملية الابداعية بالحلم، فلان كل حلم سيبدو بعد التحليل الكامل تحقيقا لرغبة، والشاعر لم يحقق كثيرا من رغباته، والحلم أحد الوسائل، لبناء قصره ولو من رمال”    

انها ذات يقد السهد جفنيها، تعاني من الأرق، والضجر، تحدوها رغبة للانعتاق من ربقة الرتابة، فتوجه لها دعوة للإبحار من الذات نحو الذات، ابحار داخلي تنسج عراه عبر حوار صامت، وتشيد خلاله عوالم ساحرة، تجسدت عبر حوار مفعم بالعديد من الاسئلة بين متحاورين.

قالت:

هل كان يحلم المساء ص/ص/46 و47

وتعددت صيغ الخطاب داخل القصيدة بين خطاب انكاري جسدته أجوبة مضمرة لأسئلة انكارية، وأجوبة تقريرية اخبارية، تقول الشاعرة:

هذا المساء

يلبسني ضجر أغنيات قديمة ص 44

هذا المساء

يغازل جفنه صمتي في خجلص 45

فالخطاب في الواقع تضمن دعوات صريحة وعديدة من قبيل: تعالي نبحر، نغرق، نمطروتضمن (الخطاب) كذلك رغبات مضمرة، مرغوب فيها بقوة، وبإصرار، تترجم ما يخالج الذات من مشاعر:

ينازعني بوحي

يرسمك طيفا قد من بدر” ص46

تعالي نبحر” هي رعشات من معطف ليله يشبه الموت على صدر الماء، ترانيم أغنية قديمة تسللت إلى دم شاعرة تتساقط إشعاعا، وتتناثر رذاذا موغلا في البوح، تقول الشاعرة :

قال:

تعالي نبحر نحو مرافئ

لا وقت للريح تملأنا

لاء تعمد صهد لاءص 48

  • خطاب الذات كفضاء للتخييل

“ينهض خطاب الذات على رافعتين: رافعة انسانية وسند فني. يتجلى الجانب الانساني في الصراع الداخلي والخارجي للشخصية وهي تصارع من أجل إثبات وجودها ومحور فني يتمثل في تقنيات التبالغ الذاتية، اذن ليست لغة فقط بقدر ماهي احساس وهواجس واحلام وامان بسبب خضوعها لتجاذبات لا حصر لها هي في تطور مستمر”

تبرزأناالشاعرة من خلال محاولتها لاعادة تشكل ذاتها في صور مخالفة للمألوفأناتفقدها هوتها، خصوصيتها أحيانا وهي تأخذها الى حدود بعيدة،” وبقدر ما تحمل هذه الذات من نظرات واحاسيس واخيلة ومواجهات مختلفة إزاء العالم والحياة، بقدر ما يطفو ذلك على سطح القصيدة، إن تلميحا أو تصريحا. فالذات حاضرة بقوة الشعر بحكم ارتباطها بالشاعر، وبحكم تأثيرها المباشر وغير المباشر في بناء الفكرة وتمرير الرسالة من ناحية ثانية”  

تقول الشاعرة في قصيدةقاب قوسين من شبق أو أكثرص31تقول الشاعرة:

تبخس بعضي لكلي

تهدر حلما كان دهشة رعشة ص31

هذه الذات المنجرفة مع  “أناهاوروحها العاشقة،  بقدر ما تبدد المسافات بين الذوات تختزلها لحدود ملتبسة، ومتامسة وخطاها تقودها نحو عشق ملعون، تغرف بالانين نحو نزوة لحظية مغرقة بالوجد، دون أن تستطيع الشاعرة أن تسيطر عل  ذاتها العاشقة، وبالتالي تنقلب بعد ذلك ندما وحسرة:

وهواي، قاب قوسين من شبق أو أكثر

يبيع اللحظات يرشف خد

بانتصاب نهد ص 32

وتتساءل الشاعرة وهي تصحو من خذرها اللذيذ بعد ذلك:

كيف أناي سحقت خطاي

وكيف الخطى في هواي خانت أناي ص 32

وهي أسئلة مشروعة مليئة بالدهشة وضعف المقاومة بعد استسلام مفاجئ.

فالاحتفاء بالذات، هو احتفاء مستمر في العديد من القصائد، كقصيدةإليكص 24 وهي قصيدة موجهة لذات الشاعرة، كاشفة عن رغبة الاحتفاء بنفسها، وهي تعكس صورتها في مرايا الروح.

لك انفطار القلب والحرف

(.. ) يا أنت .. يا أنا ص 24

فالخطاب يبلغ درجة عالية من الذاتية الى حدود النرجسية التي تحول الجسد ممرا للعبور لإعادة الاعتبار للروح.

لك انبلاج الصبح في متاهة الطريق

وبوح وجد هائج

في لجة الليل السحيق ص  24

  • الاحتفاء بالمكان

يبرز هذا الامر في نصبراءةص26  ولعل اول ما يطالعنا هو دلالة العنوان في تناصه مع مطلع النص القرآنيسورة التوبةبراءة. كما ان القصيدة مهداة الى مدينة خنيفرة باعتبارها مدينة العشق والحلم. وهو ما يدل على الارتباط بالمكان. ارتباط برز عبر مقارنة الشاعرة لمدينة مولدها مكناس والمدينة التي احتضنتها خنيفرة تقول:

كان الهنا هويتي

شوارع الاسماعلية او ارتداد الصدى

والأطلس المغمى على أوجاعه الكبرى

سري ومنفاي الجميلص26

فخنيفرة مكان الاستقرار الاخير سيولد في الذات الشاعرة عشقا احتوته بدورها لتتحول ذاتها مكانا طافحا بالأحلام، والالام، والهواجسوالآمال الاشد الحاحا. فالشاعرة تستحضر صورة امها مقترنة بفضاء المدينة كام ثانية وقد جزأت حروف اسمها دلاليا ومجازيا تقول:

خاء خرافي خضوعها كما الخوف

نون النوى نار تنام على الوريد

ياء يسارها يميني الواجفة

يسر وعسر

فاء الفؤاد فلتة القدر

وفرحتي الوارفة

راء رواؤها دمي ورشدها الرشيد

والتاء ثوبتي المعاندةص27

علاقة الشاعرة بالمكان هي علاقة تتخذ أكثر من مسار مقترن باختيارات واضحة، وعشق ابدي ابرزته المشاعر المكتنزة بدلالات عديدة، تتعدى ما هو مجالي الى ما هو فني وتعبيري وتاريخي واسطوري.

كم كنت يا (خنيفرة) رسولة في الحب (..)

كم أنت يا (خنيفرة) إلهة في الحب

ارض أمازيغية القوام تغفو ملء جفن

تثير شهوة السحاب ص 28

ولن يقف الوصف عند هذا الحد بل سيرتقي الى مقام التغزل فيها باعتبار المدينة انثى جميلة القد، بهية القوام، والهة

كم كنت يا خنيفرة إلهة في الحب

وأنا أنا

يملأني هلاكك المنبوذ في ضده ص 28

في مقابل هذا التمجيد للمكان (خنيفرة) نشعر بتبخيس للذات الشاعرة التي تحضر أحيانا كذات شاردة الخيال، تفكر في حضن اخر غير حضن المدينة التي سلبتها لبها، تفكر في حضن امها. فتتجلى عالقة بين مجالين، وحضنين..

وصورتي تلك التي مشت على أوجاع قلب

ما أحبتها غير أمي واشتعال صب

كم كنت يا (خنيفرة) إلهة في الحب ص29

الاجوبة المضمرة لأسئلة قلقة

وتجلت عبر بوح يعتلي مرافئ الروح، فتصدح القصائد منتفضة جمارات على قلب من طيف وحزن، حيث تجيب قصيدة لا تسالوني، عن الاسئلة المضمرة حول الخطيئة، والطهر، والأنوثة والفرح، والاخفاق، والحلم.. وهي معتقة بصمت الرهبان، مثقلة بالأحزان، ملفوفة برجاء وانتظار.

انها حكاية البدايات المتعثرة نحو نهايات موجعة، تغزل فيها الصباح الأسى بنكهة الخسارات والانين. فالقصيدة تنز حزنا طافحا على الروح، تعري رغم الاضمار والصمت عن مواجع كبيرة. تقول الشاعرة:

لو تسألوني كم على بيادر اصفرارها جثت

مشاتلي

تجتر صمتي مغمدا في حدقة الريح

فالشاعر الذي يموت قربه حرفا

لم يكترث لرجفة ثاء بحملها سنون راء

فساقطت من برجها، من وهجها عند اشتباهها

الحروف

  1. على المستوى الفني

تميزت هذه القصائد بالاختفاء بالذات، والتغني بالعاطفة، والوجدانكما انها احتفت بالتقاط تفاصيل حياتية خاصة بالشاعرة في علاقتها بذاتها او بمحيطها الاسري. وكشفت عن معاناتها الصامتة، وعن الآمها واحزانها. وكذلك عن افراحها. فجاءت مكتنزة ببوح صادق ومناجاة داخلية عميقة. ووظفت جوانب بلاغية من قبيل “الاستعارات والمجازات والتشبيهات.لما لها من دور حاسم في توصيل المعنى وترسيخه، توسيعا أو تكثيفا، ومن المظاهر البديعية من محسنات لفظية ومعنوية في تحميل التركيب وتزيينه. وهي تلوينات فنية كثيرة وحاضرة في الديوان بقوة تنم عن ادراك ووعي شعريين خالصين”

تميزت لغة الديوان بالوضوح والسلاسة والعمق،  وجاءت محملة باستعارات وانزياحات عديدة، مكنت من تشييد الصور الشعرية وتمرير شحنات وتدفقات دلالية بجرعات ممكنة الاستيعاب، كما برز في كل من قصيدتيربيع الخريف”  ص 54وتيمكساوين ص 13

كما جاءت محملة برسائل لم يكن بعضها في متناول القارئ العادي وادراكه. لنتأمل هذه القرينة رغم طابعها الحكائي :

“تحكي قرنفلة تقطرت بدمع سبية

وهبت رموشها لسرو ساقية كفت ضلوعها عن السعال

عسى جناح فراشة يظل لونه على وجع الظلال ص42

اما في قصيدةربيع الخريفص 52فتفتح الشاعرة قوسا تبني من خلاله بتداعيات وترسبات ذات حالمة، لم تكن في الواقع سوى ذات والدتها.

نامت على اوجاعها أحلام أمي ص54

أم انتظرت طويلا أن تزهر دوحة ابنتها وتنير حياتها، فحاولت الشاعرة أن تترجم هذا الطرح عبر بناء لعب فيه فضاء الحلم عاملا أساسيا لتحقيق الأماني الحبيسة. وتشييد صور محملة بدلالات تتراوح بين المقدس والروحي.

تقول الشاعرة:

وأمنية في السر تنسيها

عن الندى وكرامات القدر

(…)

وفي السحر

هل البشير بالخير

يقول ها قدت صرت وهجا فاغسلي

وجه الكلام لمعي قلبا كفر.. ص54

توظيف اسلوب الحوار ونظام التكرار وتنويع الضمائر او من خلال ترك البيضات ونقط الحذف، و”تهمل هذه الاشعار موسيقى العروض العربي، معتمدة على ألوان من الموسيقى الداخلية لا سابط لها، وهذه من خصائصقصيدة النثرفالشاعرة لا تتقيد إلا بما يحرك عواطفها وأحاسيسها وأفكارها

فالشعر الحديث ليس ظاهرة عروضية لأن علاقة الشاعر الحديث بالعروض علاقة تحددها عاطفة الشاعر واحساسه وفكره، وخياله أثناء عملية الابداع، وهي شبيهة بالعلاقة التي تقوم بين هذه العناصر وبين خاصيتي التعبير باللغة، أو التعبير بالصورة، تعبيرا بنائيا حسيا”

ديوان للمليكة يضحك الغمام بقدر ما احتفى بالذات والعاطفة والوجدان، كشف عن طبيعة العلاقات الإنسانية داخل دائرة محدودة جدا، (العائلة)، أماط اللثام عن طبيعة الإحساس والتفاعل مع مجموعة من الأمكنة التي اسطرتها الشاعرة (خنيفرة) ورفعتها لمقامات رفيعة جدا لتنال قداستها عن جدارة واستحقاق. في حين برز سؤال الغياب مقلقا بشكل كبير وحاز أهمية بالغة في العديد من القصائد إلى جانب الحلم والحب عبر تشييد أنيق وخطاب تخييلي محكم.

ــــــــــــــــــ

(°) ناقد وقاص مغربي، من أعماله “جمالية القصة العربية القصيرة جدا”، “دموع فراشة”، “ذكريات عصفورة”، “مذكرات أعمى”، “أسرار شهريار” (عمل مشترك)، “حياة واحدة لا تكفي”..
(°°) شاعرة مغربية، فاعلة مدنية، من دواوينها “للمليكة يضحك الغمام”

 

إحالات وهوامش

1-   نعيمة قصباوي للمليكة يضحك الغمام شعر سلسلة منشورات الهامش رقم 10 ط1/ سنة 2014 مبطعة وراقة بني ملال المغرب [1]  2-  محمد داني بنية المنجز الشعري المغربي الحداثي دراسة لشعر عبد الناصر لقاح ص 28 بدون دار الطبع سنة 2015

3 – د احمد زنيبر الانحياز الى القصيدة ص11 منشورات اتحاد كتاب المغرب. 2012 ط1  

4 محمد رمصيص من لغة الظل الى ضوء الشعر سياقات زجلية ص 87  دراسة متشورات بيت الشعر في المغرب2016/ط1

5- محمد البشير ظاهرة القلق في شعر يوسف عبد اللكيف أبو سعد ص134  نقد الدمام/ السعودية/2008

6- محمد رمصيص من لغة الظل الى لغة ضوء الشعر سياقات زجلية ص 125منشورات بيت الشعر في المغرب2016

7–  د احمد زنيبر الانحياز الى القصيدة ص12منشورات اتحاد كتاب المغرب. 2012 ط1

8  د احمد زنيبر الانحياز الى القصيدة ص 81  منشورات اتحاد كتاب المغرب. 2012 ط1

9 احمد المعداوي المجاطي ظاهرة الشعر الحديث ص   233مطبعة المدارس الدار البيضاء 2007  ط1

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image