جدل “بور” و”اينشتاين”: نموذج مشكلة القياس في فيزياء الكوانطا

أحمد بيضي الأربعاء 5 مايو 2021 - 12:10 l عدد الزيارات : 59557
  • كمال الكوطي (°)

   عرفت البدايات الأولى لتشكل ميكانيكا الكوانطا سجالا طويلا حول مبادئ وأسس هذه النظرية الجديدة، بل أن الأمر تجاوز حدود النقاش العلمي المحض ليلقي بضلاله على تخوم مشكلات فلسفية شديدة التعقيد، مشكلات من قبيل معنى الواقع، دلالة حساب الاحتمالات وعلاقة ذلك بفهمنا للحتمانية، مشكل الموضوعية وعلاقة الذات بالموضوع…ألخ.

      وبغاية حصر نطاق الموضوع نقترح هنا تقديم ورقة مقتضبة عن النقاش الذي دار ما بين “نيلس بور”Niels Bohr و”ألبرت أينشتاين” Einstein Albert بخصوص ما سمي بمشكلة القياس في فيزياء الكوانطا، وهو النقاش الذي لم يحسم بعد، والشاهد على ذلك كم الكتب والمقالات التي لازالت تصدر إلى الآن في محاولة لتقديم إجابة حاسمة حوله.  فما هو فحوى النقاش الذي دار ما بين العالمين إبان مؤتمر “سولفاي” Solvay المنعقد سنة 1930؟.

      لقد تمحور النقاش حول الاعتراض الذي أبداه “اينشتاين” على الرأي الذي يستبعد أصحابه (“بور” و”هايزنبرغ” مثلا) إمكانية التحكم في التبادل الحاصل ما بين الدفعة impulsion والطاقة énergie عند تفاعل موضوع البحث (فوتون مثلا) مع أداة القياس. خلافا لذاك، اعتبر “اينشتاين” بأنه بمقدورنا ضبط قيمتهما (أي قيمة الدفعة والطاقة) إن نحن أخدنا بعين الاعتبار مقتضيات نظرية النسبية، وبالأخص العلاقة ما بين الكتلة والطاقة كما تعرضها معادلته الشهيرة التالية: E= m. C². تتيح هذه المعادلة الأخيرة قياس الطاقة الإجمالية لأي نسق système كيفما كان، وذلك عبر عملية قياس للوزن poids ،ومن تم بيان الطاقة التي تلقاها خلال تفاعله مع موضوع ذري معين.

لهذه الغاية لجأ “اينشتاين”، كعادته، إلى تجربة ذهنية افترض فيها علبة بها ثقب قابل للفتح والغلق بواسطة جهاز شديد الحساسية لحركة ساعة مثبتة داخل تلك العلبة. كما افترض وجود قدر من الإشعاع داخلها، وبالتالي عند فتح الساعة للجهاز الحساس خلال فترة زمنية قصيرة جدا، فإن هذا يعني بأن  “الفوتون” قد عبر الثقب في لحظة زمنية محددة. علاوة على ذلك، يمكن قياس طاقة “الفوتون” المنبعث بالدقة المطلوبة عبر التعرف على وزن العلبة قبل وبعد الحدث.

ما الذي تعنيه نتيجة التجربة الذهنية هاته؟ إنها تتعارض مع مبدأ اللاتحديد  principe d’indétermination (وليس مبدأ اللايقين incertitude كما هو شائع في عدد كبير من المراجع والكتب) المتبادل لقيمتي الزمن و الطاقة المعمول بهما  في ميكانيكا الكوانطا أي  ΔE . ΔT≥h.

      لقد مثلث هذه الحجة بالنسبة ل “نيلس بور” تحديا حقيقيا. لكن، سرعان ما تبين له من خلال النقاش الذي شارك فيه “اينشتاين” نفسه، بأنها ليست بالصلابة التي تبدو عليها. وعليه صار لزاما، بحسب “بور”، الفحص الدقيق لتداعيات تطابق الكتلتين الثقالية والعطالية masses de gravitation et d’inertie ، وبالأخص الأخذ بعين الاعتبار العلاقة ما بين إيقاع الساعة وموقعها داخل حقل الجاذبية.

وبغاية تفنيد ما عرضه “اينشتاين”، افترض “بور” نفس التجربة، تقريبا، مضيفا بأن العلبة معلقة بميزان مجهز بنابض ressort؛ ومجهز برأس تمكن من تحديد موقع تلك العلبة بسهم مثبت على دعامة الميزان. وبوضع هذا الأخير في الوضعية صفر على السلم، يصير بمقدورنا قياس وزن العلبة بشكل دقيق. النتيجة هي: أن أي تحديد للموقع Δq يقابله حد أدنى من اللايقين في عملية قياس الدفعة، وهو ما تعبر عنه المعادلة السابقة ΔE.ΔT≥h. بيد أنه من اللازم أن يكون هذا اللايقين أقل من الدفعة الإجمالية المعبر عنها بالمعادلة التالية :

Δp h / Δq T .g .Δm (2)

إن هذا يعني أن الزمن T الذي تستغرقه عملية قياس الوزن يكون أكبر كلما صارت دقة قراءة الموقع q ، كما يشير إليها رأس الجهاز، أدق، هذا مع افتراض أن كمية وزن العلبة ومكوناتها Δm محددان بما يكفي. لكن نظرية النسبية العامة تخبرنا بأنه إذا ما تم تحريك ساعة بمقدار qΔ في اتجاه الجاذبية، فإن إيقاعها يتغير بحيث تختلف إشارتها، في الحيز الزمني T، عن هذا الأخير بمقدار كما هو واضح من خلال العلاقة :

  (3) ΔT/T = 1/C². g .Δq

      وبمقارنة المعادلتين (2) و(3)، سنلاحظ، كما يقول “بور”، أنه بعد قياس الوزن ستصير معرفتنا بالزمن محملة بهامش من اللايقين، كما توضح ذلك المعادلة :

(4) TΔ›h/C².Δm

وباعتمادنا على العلاقة الأولى، أي E= m. C² ، فإن المعادلة (4) ستقودنا مجددا إلى علاقة “هايزنبرغ” Heisenberg ، أي :

ΔT. ΔE› h

وذلك في توافق تام مع مبدأ اللاتحديد. عبر هذا الاشتقاق الرياضي الخالص، الذي جمع فيه “بور” ما بين نتائج الصورنة formalisme النسبية والكوانطية، تمكن الأخير من بيان عدم صحة ما ذهب إليه “اينشتاين”، حين اعتبر بأنه بمقدورنا تحديد مقدار الزمن والطاقة في نفس الآن.

إن هذا ما عبر عنه بالضبط “نيلس بور” حين قال :”إذا كان جهازنا مصمم لقياس طاقة الفوتون بدقة، فإنه لن يكون بمقدوره تحديد اللحظة التي يتسرب فيها هذا الأخير.” (1) قد يبدو هذا السجال الذي دار ما بين “بور” و”اينشتاين” سجالا علميا محضا، لكنه يخفي في العمق صراعا ما بين خلفيات فلسفية، ينطلق فيها الأول من تصور “وضعاني” positiviste (2) متشبث بفكرة أن لا وجود لواقع منفصل عن الذات الملاحظة، في حين ينطلق الثاني من نوع من “الواقعانية الفيزيائية” réalisme physique المؤمنة باستقلال الواقع عن أي إدراك. (تحتاج هذه النقطة الأخيرة إلى نقاش خاص سأحاول ما أمكن أن أفرد لها حيز مقال أتناول فيه الأبعاد الفلسفية الثاوية خلف هذا السجال العلمي).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

 -1 للمزيد من التفاصيل يمكن العودة إلى كتاب “نيلس بور”: Physique atomique et connaissance humaine, Editions Gallimard, 1991, p,.230

2– تحتاج مثل هذه التصنيفات من قبيل “وضعاني”،”وقعاني” إلى شيء من التدقيق.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(°) باحث، أستاذ مادة الفلسفة، من أعماله ترجمة لكتاب “رحلة قصيرة في عالم الكوانتا” لإتيان كلاين

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image