قراءة في المجموعة القصصية “حديث الجمجمة بين الواقعي والمتخيل”
محمد المنتصر
الأحد 18 يوليو 2021 - 11:59 l عدد الزيارات : 33943
عتيقة هاشمي
توطئة
لا يمكن الحديث عن فن القصة القصيرة بعيدا عن الاتجاه الواقعي، ذلك أن هذا الجنس الأدبي يمتح من رحابه في محاولة للدلالة على القاص، وعلى ذهنيته، وانتمائه إلى واقع فكري وبيئي معين. لذلك جاءت الكتابات القصصية عند العديد من القاصين عبارة عن تصوير تفصيلي لما هو خارج الذات المبدعة للحكي، أي رصد الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، مشوب بكثير من الذاتية في عرض المتن السردي حيث اقتناص هموم ومشاكل هذه الذات من الداخل، والتعبير عن سلوكاتها بلغة تحترم جمالية النص القصصي وتحقق التواصل مع المتلقي بامتياز.
والقصة كفن نثري مرت منذ نشأتها الحقيقية في القرن 19 بمراحل عديدة، واعتراها تطور جعل أصولها تتلون[1]. وبالتالي عرفت عناصرها وبناؤها تخلخلا عاما، كما اهتزت القيم الفنية المتعارف عليها، واكتسحت قيم جديدة الفن القصصي عامة، حيث تم تجاوز التقنية القصصية التقليدية (بداية / وسط او عقدة/ نهاية أو لحظة التنوير)، هذا التجاوز نتج عن العلاقة الحميمة بين الشكل والمضمون إلى تحطيم الأقانيم الثلاث واختلال تسلسلها، كما أصبحت القصة تعرض تجربة حياتية أكثر من الاعتماد على الحدث ليبقى السؤال نابظا، ويظل البطل في بحث مستمر عن بر الأمان، ثم إن الكتابة القصصية الحديثة باتت تتيح للقارئ التخمين وإعادة التأسيس[2].
ظهر الفن القصصي بالمغرب متأخرا مقارنة مع نظيره بالمشرق، حيث تعرف القارئ المغربي على فن القصة القصيرة بداية الأربعينيات من القرن الماضي، وقد كان أول عمل قصصي اطلع عليه، هو المجموعة القصصية (وادي الدماء) للكاتب المغربي عبد المجيد بن جلون[3]، تلته بعد ذلك أعمال قصصية كثيرة، منها المجموعة القصصية (حديث الجمجمة) للكاتب المغربي محمد ياسين.
التعريف بالكتاب
(حديث الجمجمةة) هي مجموعة قصصية صادرة عن دار كتبنا للنشر والتوزيع للعام 2020، للكاتب محمد ياسين. وتقع هذه المجموعة في 129 صفحة، وهي مقسمة إلى 21 قصة عنونها بالشكل التالي: حوار مع أناي المتمردة، عيشة قنديشة، الهوية، في رحاب المستعجلات، برلمانيو جزيرة الوقواق، حوار بين الذئب وزهرة شقائق النعمان، مزار سيدي علي، انزلاق حماد، حوار مع حَجَر تائه، حفلة الختان، القبعة والبطيخ الأحمر، سبع صنايع، ترقب هلال رمضان، أزمة الجدة أو مخاطر الهزل، جرف عيشة، تأملات على صخرة الزيرو، فاجعة صقيع بويبلان، شمعة تسبح في بركة الكهف، ثورة الأمواج، منطق الطير في الألفة والتزاوج. وهي قصص قصيرة.
قراءة في التقديم
صدَّر الكاتب مجموعته بتقديم من توقيع الدكتور محمد احميدة، وهو أستاذ التعليم العالي بالمركز الوطني لتكوين مفتشي التعليم بالرباط. عبر هذا الأخير في تقديمه للمجموعة القصصية (حديث الجمجمة) عن التداخل الذي باتت تعرفه الأجناس الأدبية، وصعوبة الفصل بينها،وذلك راجع لطبيعة العناصر المكونة لها من جهة، ومن جهة ثانية تعدد أنواعها وتطورها عبر عملية التجريب، ولهذا السبب جاءت قصص المجموعة تجمع بين الأوتوبيوغرافيا(السيرة الذاتية)، والمحكي الشعبي، والشعر بمختلف أنواعه. وأضيف إلى ما جاء به محمد احميدة في هذا التقديم، أن الكاتب في (حديث الجمجمة) اعتمد الكتابة الشذرية، وهي كتابة غير نسقية لكونها نعتمد على التكثيف، ويعرف فريدريك نيتشه الشذرة على أنها الكتابة التي تكون فيها “للكلمات أنفاس، وشهقات مكتوبة، وإيماءات خجولة، أحيانا متسترة غاية التستر، متمنعة، متغنجة)[4]. كما حف التقديم بعدد من التساؤلات حول مدى قدرة المجموعة على الانفتاح على باقي الأجناس، والرسائل التي تحملها، والتقنيات التي اعتمدها السارد في مواجهة المتلقي، ليخلص محمد احميدة إلى استعراض مجموعة من سمات المتلقي المستهدف في يهذه المجموعة.
قراءة في غلاف المجموعة القصصية (حديث الجمجمة)
يعد الغلاف من العتبات النصية الرئيسة التي تسبق إلى الولوج للكشف عن المسار السردي للكتاب، ويمكن الإقرار على أنه أولى العتبات التي تشد القارئ وتستفزه عن طريق لغة العين، فتفرض عليه التسلح بآليات التأويل لتضمن له عملية الموازاة بين ما هو كاليغرافي وبين ما هو تشكلي في العمل الأدبي. يشكل الغلاف عادة قنطرة للتواصل مع المحكي، إذ يدفع إلى احتمالية طرح فرضيات للقراءة للعبور إلى المحتوى. والحقيقة أن الغلاف يتخذ أهميته انطلاقا من المؤشرات المصاحبة له، وبالتالي نستشعر ذلك التعاقد بين الدال والمدلول الذي جاء به دي سوسير، حيث نجد هناك نوعا من التعاقد بين اللوحة كأيقونة، وكدال بصري يحيل على الكثير من الإيحاءات السيميائية والتأويلات المتعددة لقراءته، وبين العنوان كمقولة كليغرافية لسنية. وبتأملنا للوحة غلاف المجموعة القصيصة (حديث الجمجمة)، نلحظ أنها مجموعة من الجماجم وقد علقت على معصم شبح في هيئة عجوز تشع من عينيه شرارة، تحيل على الغطرسة والجبروت ويمسك بيده شعلة لا تكاد تضيءالمكان الذي هو عبارة عن غابة مظلمة تحف بها الخفافيش. وقد تم توظيف الجماجم التي هي رمز الموت في الفن التشكيلي منذ القديم، حيث تجسدت في لوحات فان غوخ ، وأوتو ديكس ، وبيكاسو، وأندي وارهول وغيرهم، والجمجمة في جوهرهاإشارة إلى الوعد بالبعث، ذلك أن من الفنانينمن «كانوا إذا أرادوا رسم رمز الحكمة رسموا جمجمة، ذلك أن الهيكل كان دليلاً على السمو والجمال[5].
إن اللوحة على غلاف المجموعة القصصية (حديث الجمجمة)كمادة جمالية، تكتسي طابعا من الغموض الناتج عن الأشكال المكونة لها، وهي أشكال تعبيرية عن قيمة حســية في الموت، وفي الخوف، وفي تمثلات غائرة في الذاكرة الإنسانية. هذا الغموض يكتنفه عنصر التشويق الذي يخلق لدى المتلقي الفضول لمعرفة محتوى النص.
لوحة وألوان الغلاف
يشكل اللون علامة بصرية ذات أبعاد دلالية ورمزية، تساهم في تكثيف دلالة النص عبر ما تثيره في نفسية المتلقي. والمتمعن في غلاف المجموعة القصصية (حديث الجمجمة) سيلحظ تلقائيا الثنائية الضدية (أسود / أبيض) التي يغرق فيها الغلاف، فعلى الواجهة الأمامية نجد صورة الشبحتسبح في اللون الأسود الداكن، هو لون يمتص جميع الأشعة التي تسقط عليه دون أن يعكس جزءاً منها، وغالباً ما يُعرف بافتقاره إلى أيّ درجةٍ من درجات السطوع، و يشار إليه بأنّه اللون المعاكس للون الأبيض. اللون الأسود لون الغموض، والظلام، والخوف،يقول :” ارتبط بذلك البيت المظلم حكايات وحكايات”[6].وقد ارتبط في علم النفس بكل ما هو مجهول، أنه يدل على الحواجز التي تمنع الشخص من خلق التواصل مع العالم الخارجي. وإن كان اللون الأسود في رأي البعض هو لون قادر على امتصاص الطاقة السلبية، إذ يعبر عن نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، ولعل هذا ما أراده الكاتب من استعماله للون الأسود على الغلاف، وكذا النص المكتوب على الواجهة الخلفية للغلاف. وبالتأمل أكثر في الغلاف يطالعنا اللون الأحمر الداكن المشع من عيني الشبح، ومن الشعلة في يده، وأيضا شعار دار النشر أسفل الغلاف، إلى جانب الحواشي. واللون الأحمرمن الألوان النارية التي تعبر عن الجرأة والقوة، ويساعد على إثارة الحواس.وقد تم توظيفه من أجل لفت الانتباه في إشارة إلى الجسد ومعتقداته حيث الحاجة الماسة إلى الإحسطاس بالانتماء، وقد بدا ذلك واضحا في ثنايا القصص التي ساقها الكاتب، يقول في حوار بين سي قدور والجمجمة التي عثر عليها عن الوادي:” تأبط قدور الجمجمة برفق كأنه أم حاضنة لجنينها مخافة إيذائه/ مرحبا أيها الضيف العزيز كائنا من تكون/ سنتعارف سيحمل أحدنا الآخر على الكلام…)[7]
كما استعان القاصباللون الأبيض، وهو منالألوان المحايدة التي ترتبط غالبا بالتجدد والصفاء والأمل، والأبيض له قدرته على كسر قوة باقي الألوان، ويرمز في العمق إلى الصفاء كما يبعث على الراحة إذا وقعت عليه العين، قلنا وظفه القاص في كتابة العنوان (حديث الجمجمة) بخط كبير ومضغوط، وكذا اسم الكاتب (محمد ياسين) ثم جنس الكتاب (مجموعة قصصية) بخط صغير. ثم إن اللون الأبيض غطى الغلاف من الواجهة الخلفية للمجموعة القصصية، حيث ذكرت دار النشر (كتبنا)، ومقطع مقتطف من تقديم الكتاب للدكتور محمد أحميدة، زيادة على صورة فتوغرافية للكاتب. كل هذه الألوان الحبلى بالدلالات الإيحائية تجعل العتبات تنفتح على التأمل اللامحدود، وتتيح الغرق في عمق الخبايا. ولعل توظيف الكاتب لهذا المزيج منها، وبهذا الشكل كان لفتح شهيّة القارئ وتحفزه على استكناه دواخل الرواية.
العنوان:
يعتبر العنوان أحد العتبات الرئيسية في المناهج الحديثة، إذ يحتل مكانة مهمة، خاصة في سيميائيات النص، والتلقي الجمالي، ونظريات القراءة. بل يعد الأثر الذي يُتَعَرَّف به إلى مضمون النص، والظاهر الذي يُستدل به على باطنه. قد رأى عدد من الباحثين أن العنوان نص موازي يندرج ضمن النص المحيط[8]. وذلك لتأثيره البصري، ولأنه علامة الكتاب التي تحتل أبرز مكان على الغلاف، والذي ينبغي أن يتصف بالوضوح والبساطة من حيث يلتقطه المتلقي ويستوعبه عقله بسرعة، لذلك فهو أهم العتبات التي تسمح بالولوج إلى أعماق النص. وبتأمل عنوان المجموعة القصصية (حديث الجمجمة) نلفي أن له قدرة تمويهية، إذ عن أي جمجمة سيتحدث السارد؟، هذا العنوان يزج بالقارئ في لجة من الأسئلة، وبدلا من أن يكون العنوان جسرا بات محط حيرة. ولعل الكاتب تعمد ذلك، إذ قصد إلى إرباك المتلقي وإيقاعه في شرك الغواية. هذا العنوان الذي يثير القلق إلى حد الذعر يستضمر دعوة إلى فتح مغاليق النص خاصة عندما يتواطأ مع لوحة الغلاف،وبتحليلنا لمقولة العنونة التي تَسِم المجموعة القصصية (حديث الجمجمة) موضوع دراستنا. فعلى مستوى التركيب نلفيها تحتمل الوجهين، إذ يمكن اعتبار (حديث) مبتدأ وهو مضاف و(الجمجمة) مضاف إليه، بينما الخبر يتمثل في محتوى الأقاصيص. كما تحتمل الوجه الآخر إذ أن (حديث) خبر لمبتدإ محذوف تقديره اسم إشارة (هذا)، وهو مضاف و(الجمجمة) مضاف إليه. أما على مستوى الدلالة، نجد عنوان (حديث الجمجمة) يؤدي وظيفتين، إذ تفيد الوظيفة الأولى إغواء القارئ، وإثارته. وهو ما يحفزه على قر اءة النص، والوظيفة الثانية إيحائية رمزية تساهم في تكثيف دلالات النص، وبناء شعريته، وتعداد دوالِّه. فالعنوان مقولة تكتز علامات سيميائية يمكنها أن توجه فعل التلقي، وتغني مستوى التأويل. ولعل القارئ وهو يتصفح قصص المجموعة يلفي نفسه أما أحديث لجمجمات وليس فقد حديث واحد لجمجمة واحدة، وهو ما يعكس تعدد الجماجم على صورة الغلاف.
العتبة الإشهارية:
يتجاوز هذا الأخير الجانب الفني والدلالي للنص إلى ما هو إشهاري تجاري، ويتبين الغنى الإشهاري للمجموعة القصصية ، والذي يتجلى في سنة الإصدار 2020، وعدد الطبعات وهي الأولى، ومكان إصدار المنتوج وهو (كتبنا)، وهي دار نشر مستقلة تأسست سنة 2015،وتنشر الكتب إلكترونيا وورقيا، ويعكس شعارها المتمثل في رسم لكتاب في مربع باللون الأحمر ، وهو ما يتوافق مع الكاتب إذ أنه قارئ نهم.
العتبة التنبيهية
نجد أن السارد يستهل المجموعة القصصية بإشارة مهمة، بهدف الارتقاء بعمله، وذلك تفاديا للإسقاطات الواقعية من قبيل أي تشابه أو التباس بسبب كثرة الإشارات الواقعية في النصوص القصصية سواء من من حيث أسماء الشخوص أو الأفضية المكانية أو التاريخية التي وظفها، خاصة وأن النصوص في مجملها تتناص مع وقائع كثيرة عاصرها الكاتب،، ولأنه رغب في محاكمة النصوص والتعامل معها على أنها ابتكار منه، فضل أن يعمل على توجيه فعل القراءة، ودفع المتلقي على استحضار الخصيصات الإبداعية في العمل القصصي، وحتى لا يعتبر النص مجرد أتوبيوغرافيا وتأريخا لأحداث وقعت، وهي إشارة ذكية منه تروم تصحيح مسار التأويل وتذكير الحس النقدي عند القارئ.
الإيحالات والسيرة
أكثر ما يشد القارئ في المجموعة القصصية ( حديث الجمجمة) هو أن القاص اغناها بلائحة من الإحالات أو الهوامش، ونعلم مدى أهمية هذه الأخيرة، حيث رام محمد ياسين من ورائها إبراز المصادر والمراجع التي اعتمدها في تقصي الخبر او توضيح دلالة بعض المفاهيم خاصة تلك المقتتبسة من التراث الشعبي، وهو ما يسهل عملية الفهم، وأحيانا البحث بل اكثر من ذلك دفع القارئ إلى تمثل الأحداث داخل المجموعة القصصية. كما ان الاحالة تفيد غنى الرصيد المعرفي للقاص وكثرة اطلاعه. وقد ختم هذا الاخير مجموعته القصصية بترجمة له من باب التعريف بنفسه، وتقليص المسافة بينه وبين القارئ
خاتمة
خلاصة القول، لم يكتب لنا محمد ياسين باعتباره قاصا جديدا وفق منظور عفوي إنما كان يكتب بوعي وفق منهجية تعتمد من جهة على خبرته الحياتية،ومن جهة أخرى على معرفته بالبنيات السردية التي اطلع عليها. وتبقى المجموعة القصصية (حديث الجمجمة) مشرعة على قراءات متعددة، ذلك أنها اغترفت من معين الواقعي و الثراث الشعبي، وامتزجت بالاسطورة، وتناصت مع القرآن الكريم في كون القاص اعتمد الكثير من التعابير القرآنية في ثنايا قصصه،كما تناصت المجموعة القصصية (حديث الجمجمة) مع اول مجموعة قصصية تعرف عليها القارى المغربي (وادي الدماء) للقاص عبد المجيد بن جلون خاصة في قصته (عيشة قنديشة).
[1]أحمد المديني، فن القصة القصيرة بالمغرب في النشأة والتطور والاتجاهات، دار العودة بيروت، ص.36
تعليقات
0