هذا ما قاله رئيس النيابة العامة في ندوة “الأثر القانوني والسياسي للاعتراف بمغربية الصحراء”….
يسرا سراج الدين
الثلاثاء 9 نوفمبر 2021 - 22:22 l عدد الزيارات : 19814
عبر الوكيل العام للملك رئيس النيابة العامة، الحسن الداكي، اليوم الثلاثاء 9 نونبر بالداخلة، خلال أشغال الجلسة الافتتاحية لندوة تحت عنوان “الأثر القانوني والسياسي للاعتراف بمغربية الصحراء”، عن اعتزازه بمشاركته بالندوة المنظمة بهذه المدينة التي أصبحت وجهة سياحية عالمية، وملتقى دولياً للندوات والمنتديات الدولية.
وأكد الداكي على انعقاد هذه الندوة التي التأم لجمعها نخبة من مختلف المشارب القانونية والفكرية تأتي في غمرة تخليد المغاربة قاطبة للذكرى السادسة والأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة، بروح وطنية صادقة واستحضار للقيم النبيلة للمسيرة الخضراء، وقسمها الخالد في النفوس، مشيرا إلى أن المسيرة الخضراء ليست مجرد حدث متميز فقط، بل هي حدث متجدد في تاريخ بلدنا المجيد كما عبر عن ذلك جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في خطابه السامي، الموجه إلى الأمة بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين للمسيرة الخضراء، حيث قال جلالته “فالمسيرة الخضراء ليست مجرد حدث وطني بارز، في مسار استكمال وحدتنا الترابية. إنها مسيرة متجددة ومتواصلة، بالعمل على ترسيخ مغربية الصحراء على الصعيد الدولي، وجعلها قاطرة للتنمية على المستوى الإقليمي والقاري” انتهى النطق الملكي السامي.
وكشف المتحدث أن اختيار موضوع “الأثر القانوني والسياسي للاعتراف بمغربية الصحراء” كعنوان لهذه الندوة، يأتي في سياق يتميز بتحولات جد مهمة في ما يتعلق بقضية وحدتنا الترابية والتي يقف فيها المغاربة جميعا موقفا واحدا وراء جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، والذي كان لتبصر وحكمة جلالته الأثر البالغ في تحقيق التقدم البارز الذي عرفته قضية وحدتنا الترابية.
كما شدد رئيس النيابة العامة خلال حديثه على أن مغربية الصحراء حقيقة لا مراء فيها، تشهد عليها فروض البيعة التلقائية لسكانها لمختلف سلاطين المغرب، باعتراف محكمة العدل الخاصة في قرارها التاريخي الصادر بتاريخ 16 أكتوبر 1975 الذي أكدت فيه على أن “الصحراء لم تكن أرضا خلاء أو بدون سيد، وأنه كانت روابط قانونية وولاء وبيعة بين سلاطين المغرب والقبائل المقيمة بالصحراء”.
وأضاف قائلا :”إذا كان تاريخ المغرب يشهد على أن السلطان المولى إسماعيل كان يمارس سيادته المباشرة على قبائل توات وكورارة وتيفورارين وواد الساورة من الصحراء الشرقية وبالمنطقة الممتدة من وراء درعة بدءًا من الساقية الحمراء، وعلى تنظيم حركات سلطانية إلى الصحراء قادها مولاي الحسن في جمادى الثانية سنة 1303/1886 قصد تجديد خطة القضاء بتعيين أحمد بن محمد الأعمشي الجنكي سنة 1886/1303.
قبل أن يتابع قائلا :” فإن التاريخ سجل أيضا أسماء قضاة أفداد ساهموا في الحياة اليومية للمجتمع الصحراوي إلى جانب زملائهم القضاة في باقي ربوع المملكة الشريفة، نذكر منهم محمد بنيوسف بن عبد الحق الركيبي، والخليل بن عبد الحي التهامي، وبابا أحمد ولد سيدي عثمان، وأحمد محمود بن الشيخ بوبكر الفيلالي، ومحمد كمال ولد المحفوظ الأزرقي، وحسنة بن سيدي عثمان وأحمد بن محمد بن عبد الله النودوتي، فضلا عن مواجهتهم لمحاولات طمس هوية القضاء المغربي وتشتيت وحدته، حيث رفضوا أي عمل قضائي لا يكرس الوحدة الوطنية، وكل تدخل في شؤون القضاء يمس استقلاليته وحياده.
وقال : “إن المتحدث عن تاريخ القضاء في المغرب ودوره في وحدة البلاد ومغربية أقاليمه الجنوبية، لا يمكنه أن يتنكر للدور الذي لعبه تعيين القضاة في تكريس هذه الوحدة وفي هذا السياق تؤكد بعض الوثائق التاريخية قيام السلطان مولاي عبد العزيز بتعيين القاضي الفقيه السيد صالح بن مبارك المجاطي لتولي خطة القضاء بمرسى طرفاية. وهذا من بين الدلائل الأخرى التي تؤكد مكانة القضاء في المناطق الصحراوية من بلادنا. ولاريب أن من يستعرض تاريخ الدولة المغربية، سيجد الصحراء حاضرة فيه، وهو ما يفسر التشابه والانسجام بين المغاربة قاطبة على مستوى عدة أصعدة فعلى مستوى القضاء يجد المتمعن في الأحكام التي يصدرها فقهاء الصحراء تشابه كبير مع الأحكام التي تصدر في الشمال، سواء من حيث الشكل (الخط الأسلوب) أو من جهة القواعد (مرجعية الإمام مالك)”.
وفي هذا السياق المتسم بالتحولات الكبرى التي عرفتها منظومة العدالة ببلادنا (يضيف المتحدث)، تستمر اليوم اللحظات المشرقة في تاريخ القضاء المغربي من خلال مساهمة القضاء في مواكبة مسار النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية وفي بلورة الجهوية المتقدمة سواء من حيث حماية الحقوق الأساسية وتحقيق الأمن القضائي للمواطنين، أو المساهمة في تحسين مناخ الأعمال. ويحق لنا اليوم أن نفتخر كمغاربة بما حققته المناطق الجنوبية من بلدنا، من تقدم عمراني وحضاري، وما تتوفر عليه من مؤهلات متنوعة، وما ينتظرها من مستقبل واعد في ظل النموذج التنموي الجديد، الذي تتمتع فيه جل مكونات المجتمع المغربي بنفس الحقوق والواجبات، على قدم المساواة لا فرق بين جنوبه وشماله، شرقه وغربه.
وتأكيداً لهذه الحقيقة أشار تقرير تقييم فعلية الحقوق الإنسانية الأساسية في الأقاليم الجنوبية، الذي تم إعداده من طرف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2013، إلى أن الحق في الولوج إلى العدالة يمارس في الجهات الجنوبية بالطريقة ذاتها التي يمارس بها في باقي جهات المملكة، وأن مراقبة وتحسين احترام الوضعية القانونية للطفل، وضمان الحماية القانونية للأمومة يجري ضمانها في مجموع أقاليم الجهات الجنوبية، على الشكل نفسه الذي تشهده باقي جهات المملكة.
واسترسل الحسن الداكي قائلا :”إن القضاء بكل مكوناته، وعياً منه بدقة المرحلة التي تجتازها قضية وحدتنا الترابية، ليؤكد أن كل محاولة يائسة لخصوم وحدتنا الترابية تستهدف المساس بها، لا يمكن إلا أن تزيد من قوة عزيمة نسائه ورجاله بالتشبث بالحل المغربي للنزاع المفتعل حول قضيتنا الوطنية الأولى، والتي من خلال ذلك تنخرط مختلف مكونات العدالة في التجند الدائم إلى جانب باقي مؤسسات الدولة وكل فعاليات المجتمع وراء جلالة الملك محمد السادس ـ دام عزه ونصره ـ من أجل الدفاع والذود عن مغربية الصحراء، وعن المصالح العليا للبلاد ومقدساتها، على المستويين الدولي والقاري”.
وأشار إلى أن قضية الدفاع عن مغربية الصحراء هي قضية أمة بكاملها، أفراداً ومؤسسات، وهو ما عبر عنه جلالة الملك ـ حفظه الله ـ في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية التاسعة سنة 2013، حيث قال جلالته: “قضية الصحراء ليست فقط مسؤولية ملك البلاد، وإنما هي أيضا قضية الجميع: مؤسسات الدولة والبرلمان، والمجالس المنتخبة، وكافة الفعاليات السياسية والنقابية والاقتصادية، وهيئات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، وجميع المواطنين”. انتهى النطق الملكي السامي.
إن الإيمان الجماعي بعدالة قضية وحدتنا الترابية كما عبر عن ذلك جلالته هو الذي جعل بلادنا تحقق انتصارات كبيرة (يضيف الداكي)، ومكتسبات مهمة متتالية بالنظر لسعيها لإيجاد حل واقعي في احترام تام لسيادة المغرب ووحدته الترابية في إطار مبادرة الحكم الذاتي التي تظل الأفق الوحيد للتوصل إلى حل سلمي سياسي لهذا النزاع المفتعل. ولقد كلل هذا النهج الاستراتيجي الواقعي بلادنا باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على كامل أراضي صحرائه، بموجب المرسوم الرئاسي الصادر بتاريخ 04 دجنبر 2020، وما واكب ذلك من افتتاح مجموعة من التمثيليات الدبلوماسية الأجنبية بالأقاليم الجنوبية. وأخيرا القرار المهم الصادر عن مجلس الأمن في شهر أكتوبر الأخير حول تمديد ولاية بعثة “المينورسو” لعام إضافي.
وانخراطا في الجهود التي تبذلها بلادنا لتكون في مستوى الرهانات ومواجهة التحديات، وتعزيز مكانة المغرب، والدفاع عن مصالحه العليا، عملت رئاسة النيابة العامة منذ تأسيسها بتاريخ 07 أكتوبر 2017 على استحضار الدور الذي يمكن أن تلعبه في الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى، حيث اعتمدت الديبلوماسية الموازية كآلية مواكبة للدبلوماسية الرسمية، وأخذت على عاتقها اعتماد وتفعيل استراتيجية تواصلية ومقاربة منفتحة قوامها نسج علاقات متينة مع السلطات القضائية الأجنبية وبعض المؤسسات والمنظمات الدولية، والتي تعنى بموضوع العدالة والقانون، مكنتها من التعريف بالتطورات التي تعرفها بلادنا على المستوى القانوني والحقوقي وأيضا على المستوى القضائي وتحسيسها بأهمية قضايانا الوطنية ووجاهة موقف بلادنا اتجاهها.
وختم المسؤول المغربي حديثه قائلا، لا يسعني إلا أن أجدد شكري وامتناني للجهة المنظمة على دعوتها الكريمة للمشاركة في هذه الندوة، وعلى حسن اختيار الموضوع، مجددا شكري الخالص لهيئة المحامين بأكادير، العيون، كلميم نقيبا وأعضاء ولكل الجهات المنظمة، أو التي ساعدت في تنظيم هذه الندوة الهامة من سلطات محلية ومنتخبين، مع متمنياتي لأشغالها بالتوفيق والنجاح.
تعليقات
0