هكذا كانت شهادة الكاتب د. عبدالسلام المساوي في حق الناقد د. عبد المالك أشهبون

أحمد بيضي الإثنين 9 مارس 2020 - 10:45 l عدد الزيارات : 37772
  • د. عبد السلام المساوي (°)

عندما تستدعي المحكمة شهودا للإدلاء بشهادتهم في قضية أو نزاع، فهي تتوسم فيهم قول الحقيقة من خلال ما شاهدوا أو عرفوا، ولكي تضفي طابع الصدقية على أقوالهم تدعوهم إلى تلاوة القسم على صدق ما سيدلون به، وهي محقة في ذلك، لأن هيئة القضاة ستستند في إصدار حكمها على جوهر شهادتهم، واليوم أجدني في موقف الشاهد في حق قضية صديق وزميل عزيز هو الناقد الأدبي الدكتور عبد المالك أشهبون (°°) المعروضة قضيته على أنظاركم في هذه الجلسة. ومثولي أمامكم هنا ـ شاهداً ـ مبرر بما شاهدت وما عرفت وما قرأت وبما يربطني به من علاقة طيبة ضاربة في الزمن وفي الكتابة، لذلك أتلو عبارة القسم وأقول، والله شاهدٌ على ما أقول (°°°):

عرفت عبد المالك أشهبون في أواسط الثمانينيات. كنت قد بدأتُ العمل للتو، وكان هو متخرجا حديثا يجرب حظه مع الوظيفة. كان ينتمي إلى جماعة تنحدر كلُّها من حيّ واحد بظهر المهراز، وتنتمي برمتها إلى منظمة العمل الديموقراطي الشعبي.. لا أعرف بالتحديد كيف انخرطت في جلساتهم المسائية بمقهى النهضة la renaissance، ولكن الذي حبب إلى تلك الجلسات هو المشترك الإيديولوجي والثقافي. لم أكن أنتمي إلى حزبهم، بالرغم من الطرق الكثيرة التي أعملوها في محاولة استقطابي؛ ولكنني كنت أقنعهم بأنني أتبنى ما يدعون إليه وأدعمه. وأستطيع القول إن ما جذب انتباهي إلى الشاب عبد المالك ـ يومئذ ـ هو انخراطه المبكر في الكتابة النقدية عن الشعر. شأنه في ذلك شأن علي بنساعود، وبعدهما أعبو أبو إسماعيل الذي التحق بكوكبة المقهى قبل أن يتحولوا كلهم إلى نقد السرديات..

كان عبد المالك أشهبون وعلي بنساعود ينشران في صفحة شبابية بجريدة أنوال، وأذكر أن سعيد يقطين هو من كان يشرف عليها، ويشجع الشباب على الكتابة. بينما كنت أنشر في صفحة على الطريق بجريدة الاتحاد الاشتراكي قبل أن أجاورهم في النشر بأنوال الثقافي. وقد قربت الكتابة بيننا وألغت كل مسافة، كان عبد المالك مفتونا بما يتلقاه من نظريات الأدب الجديدة التي نقلها إلى كلية الآداب في فاس بعض الأساتذة الذين درسوا بفرنسا، وأسترجع ـ الآن ـ بكثير من المشاعر النوستالجية أصداء أول ندوة وطنية أتيح لي وله المشاركة فيها بمدينة أصيلة، وكانت في موضوع: (تجربة الشعراء الشباب بالمغرب).

دعي عبد المالك، لهذه الندوة، لإلقاء مداخلة نقدية في الموضوع، بينما دعيتُ للمشاركة في الأمسية الشعرية المبرمجة ضمنها، كان هذا في صيف 1987، وهي الندوة التي كانت منطلقاً لتأسيس الملتقى الوطني للتجربة الشعرية الجديدة بالمغرب الذي احتضنته جمعية الشعلة بمدينة سلا، وكان عبد المالك أحد المؤسسين لهذه التجربة ومساهما فيها بما يلقيه من قراءات ومداخلات، فما كان يحركه ويحركني هو ردُّ فعلِ متمرد على صوت ارتطام الأبواب والمزاليج التي كان يغلقها جيل السبعينيات ومن سبقهم في أوجهنا. ومنذ ذلك الوقت وعبد المالك أشهبون حريص على حفر اسمه عميقاً في المجالين: النضال السياسي والنضال الثقافي..

صحيح أن النضال السياسي الحزبي كاد أن يأخذه بقوة من اهتماماته الأدبية والفكرية، خصوصا بعد انتقاله للعمل بمدينة أكادير. لكن أمام الانشقاقات التي أصابت الحزب الذي كان ينتمي إليه، أعاد أشهبون النظر في كثير من إيقاعاته واهتماماته، خصوصاً لما رجع إلى فاس للعمل بإحدى ثانوياتها، فقد عاد كما يعود نهرٌ قد تَجمَّعت فيه الفروع والجداول، فانطلق كما ينطلق حصانٌ جامح من معقله قوياً وهادراً، ولم نكد نفرح بكتابه الأول (آليات التجديد في الرواية العربية الجديدة) سنة 2005، والذي أقنعته بأن يصدره من إحدى دور النشر بفاس، وبدعم من وزارة الثقافة، والمؤلفون عادةً ما يخصصون وقتا كافيا للتملي بالإصدار الأول وما يتركه من أصداء، حتى فاجأنا بكتابه الثاني (الرواية العربية من التأسيس إلى النص المفتوح)، بدعم من وزارة الثقافة، سنة 2007، فالثالث الذي حمل عنوان (من خطاب السيرة المحدود إلى عوالم التخييل الذاتي الرحبة) وفي سنة واحدة، ثم انثالت إصداراته عن دور نشر عربية في سوريا والجزائر والأردن ومصر والسعودية ولبنان والإمارات، مخلفا بذلك أصداء عالية، وآثاراً طيبة، وخصوصا في الأوساط الثقافية العربية.

وعندما أتحدث ـ الآن ـ عن فتوحاته هاته، فإنما بلسان صديق قريب عاش كواليس تفاصيله الثقافية، مثلما عاش هو تفاصيلي. فنحن صديقان لا يخفي الواحد عن الثاني إلا ما يلزم الحياءُ بإخفائه. وأستطيع ـ اليوم ـ أن أقول إن جواز المرور إلى صف المبدعين المؤثرين أحرزه عبد المالك أشهبون من الأوساط الثقافية العربية لا المغربية، فإلى زمن قريب وأنا أحاول استدراجه إلى القبول بعضوية اتحاد كتاب المغرب، إذ لم يسبق أن تقدم لطلبها، وقد كان يكفيه أن يوافق ليحصل عليها، لكنه كان يرسل ضحكته الساخرة المعهودة وهو يقول: وفي أي شيء ستفيد هذه العضوية؟.

ثمة شعورٌ بعزة النفس يميزه عن كثير من أقرانه، وهي عزة ميزته وفتحت له أبواباً لم تُفتح لغيره، مِمَّن عاثوا فساداً وريعاً في أموال الثقافة في بلادنا، وهم اليوم يملؤون ردهات وزارة الثقافة ومكاتبَها يأتون فيها على الأخضر واليابس دون أن يرِفَّ لهم جفنٌ، لقد أغنته صداقاته مع أدباء عرب مرموقين، ممن يُقدِّرون قلمه النقدي القوي، ويُكْبِرون مشاريعه النقدية الرصينة، عن أية علاقة مشبوهة. ولعله بذلك يؤمن بكون الجدية في الكتابة والاجتهاد فيها، أفضل وسيلة لكسب قلوب الناس وتقديرهم، لا “الكولسة” والهواتف الإخوانية الليلية. وهنا أؤكد أن أسفاره الخارجية ومشاركاته العربية، كانت تتم بدعوات خاصة مُوجهةٍ إليه، بفضل سمعته الأدبية والفكرية التي حازها، بما خلفته أعماله النقدية من أصداء وآثار طيبة.

إن المؤلفات النقدية التي صدرت له عن دور نشر عربية مرموقة، وبعضها الآخر الذي صدر في إطار كتاب في مجلة، ككتابه (الخطاب الافتتاحي في القرآن الكريم) الذي صدر مع العدد 416 من المجلة العربية في غشت 2011. وكتابه (تطريز الحكاية في المقامات)، الذي صدر في مع العدد 17، من مجلة “تراث” بالإمارات العربية سنة 2013 قد مكنته من الوصول إلى القارئ العربي، وإلى مؤسسات ثقافية كبرى، لم تتردد في الاستعانة بخبرته في ميدان نقد الرواية، سواءً باستكتابه في كبريات المجلات، أو في طلبه لتحكيم جوائز مرموقة، كجائزة كطارا للرواية العربية. هذا فضلا عن عضويات شرفية في عدد من المجلات المحكمة. كل ذلك وعبد المالك هو هو، لا يغترُّ ولا يتطاوس، بل يعتريه شعور دائم بأن ما يزال أمامه الكثير قبل محطة الوصول. تلك المحطة التي تبدو سراباً في عيون الكبار.

أما على مستوى العلاقات الإنسانية، فلن أقول فيها ما درج الناس على قوله فيها، كلما تعلق الأمر بتكريم أو تأبين. ولن أزيد في ذلك مما تفترضه شروط البلاغة العربية المفطورة على المبالغة. فمدة أربعة وثلاثين سنة، وهي عمر صداقتنا، أتاحت لي أن أختبر مزاجه وسريرته وطريقة تقويمه للأمور. فمن حيث علاقاته بالناس، ولا سيما الذين ينتمون إلى حقل الثقافة، فهو شديد التحفظ، لا يرتمي سريعاً في الأحضان. يحسُب ألف حساب قبل أن يفتح حساباً جديداً في الصداقة. وإذا فتحه، حرص على إحاطته بكل أسباب الرعاية والصيانة. لذلك فهو لا أعداء له ولا خصوم، رغم ازدحام جنبات مشهدنا الثقافي بالنرجسيين والحساد ومفسدي العلاقات الطيبة. وهو يعرف تماماً كيف ينسل من زحامهم، وينأى بنفسه عنهم. لقد أسس عبد المالك أشهبون مكانته الأدبية والفكرية بهدوء وروية، ولم يُؤْثَر عنه أنه سعى يوما وراء الفرص لاهثا في طلبها، مثلما يفعل الكثيرون، بل على العكس من ذلك، تأتيه الفرص سائغة، راغبة، طالبة لوده وقبوله. وهو ينتقي منها ما يوافق طبائعه وأخلاقه.

جلسات عبد المالك أشهبون الخاصة لا تخلو من فكاهة وطرافة وتسلية، ويعرف أصدقاؤه المقربون أن الله قد حباه بموهبة خاصة في التفكه والسخرية. فتراه يختلق السيناريوهات المختلفة لإضفاء جو من المرح الخالص على الجلسات التي يؤمها الأصدقاء والمقربون. ولا ضير في أن ينتقي ضحايا سيناريوهاته ومقالبه من بعض أصدقائه، بكل عفوية وحسن سريرة. لا يدعوه إلى ذلك سوى داع من الرغبة في خلق جو من المرح العفوي الذي يدخل السرور والبهجة على رواد مجالسه.

(°) شاعر وأديب مغربي، دكتوراه الدولة في الأدب العربي المعاصر، حاصل على عدة جوائز وطنية، من أعماله “البنيات الدالة في شعر أمل دنقل”، “عناكب من دم المكان”، “إيقاعات ملونة: قراءات في الشعر المغربي المعاصر”، “جماليات الموت في شعر محمود درويش”، “الموت المتخيل في شعر أدونيس”، “المتلقي واسع التأويل”، وغيرها.

 (°°) ناقد، دكتوراه الدولة في الأدب العربي المعاصر، عضو بعدة لجن للتحكيم وهيئات استشارية لدوريات مغربية وعربية، من أعماله “العنوان في الرواية العربية”، زوايا ظليلة في روايات نجيب محفوظ”، “الحساسية الجديدة في الرواية العربية”، “عتبات الكتابة في الرواية العربية”، “تطريز الحكاية في المقامات”، وغيرها.

(°°°) شهادة تم تقديمها ضمن فعاليات “الملتقى الأول للنقد الأدبي” (دورة الناقد د. عبدالمالك أشهبون) الذي نظمه “مركز روافد للأبحاث والفنون والإعلام”، بخنيفرة، أيام 6 و7 و8 مارس 2020.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image