الرصاص يلعلع ب “أزغار” ضواحي خنيفرة لتفريق رعاة يبحثون عن الماء، ومسؤولون وجمعويون يحللون الواقعة

أحمد بيضي الأحد 15 مارس 2020 - 21:51 l عدد الزيارات : 35937
  • خنيفرة: أحمد بيضي

     تعيش منطقة “أزغار”، جماعة الحمام، إقليم خنيفرة، منذ الثلاثاء 10 مارس 2020، على أحداث المناوشات القوية التي دارت بين عدد من السكان وأفراد المياه والغابات الذين اضطروا إلى إطلاق رصاصات مطاطية في الهواء لتفريق السكان المذكورين بدعوى اختراقهم للمحمية الغابوية ب “ثورتوت لحميمض”، المسيجة منذ 2011، على طول 1500 متر، من أجل الحصول على الماء والكلأ لمواشيهم، بعدما لم يجدوا حلاً آخر غير ذلك بسبب أثار الجفاف، ويقولون أن عملية الاقتحام تمت بعد تفشي وضعية العطش وأضحت مواشيهم مهددة بالنفوق، وهي التي تشكل المصدر الأساسي لعيشهم، علما أن ملف أراضي أزغار ما يزال محاطا بكثير من الجدل والغموض.

     ومن جهتها، أكدت مصادر من مصالح المياه والغابات بمريرت، أن مركز التنمية الغابوية كان قد توصل بإشعار يفيد بإقدام مجموعة من السكان على اقتحام المحمية الغابوية ب “ثورتوت لحميمض”، وبناء عليه انتقل رئيس المركز، معززا بفريق من العناصر، إلى عين المكان، حيث جرت محاولة التحاور مع هؤلاء السكان، غير أن الأخيرين “رفضوا التراجع عن موقفهم، مقابل الإصرار على عملية الاقتحام بدافع الضرورة، وتمسكوا برعي مواشيهم بشكل تعتبره مصالح المياه والغابات جائرا وعشوائيا ومضرا بالغطاء الغابوي”، ولم يكن متوقعا أن يعود مسرح المحمية للاحتقان، في اليوم الموالي، ما استنفر مصلحة المياه والغابات التي تعززت بعناصر من الدرك الملكي.

     وبحسب رواية مصادر المياه والغابات، فإن عناصرها فوجئت بالسكان المعنيين بالأمر يرشقونهم بالحجارة، أصيب خلالها أحد التقنيين الغابويين بجروح، ما أجبرها على إطلاق خمس أعيرة نارية في الهواء، باستعمال الرصاص المطاطي، وحجز رؤوس أغنام وإيداعها، فيما بعد، بمحجز مريرت، مع اعتقال صاحبها الذي أفرج عنه بعد ساعات قليلة، وبينما أكدت رواية المياه والغابات نقل التقني الغابوي للمستشفى، تحدث السكان المنتفضون عن نقل شخصين منهم أيضا، فيما زادت مصادر المياه والغابات فسجلت حجز أدوات استعملها “المهاجمون” في مواجهة عناصرها، وأنها تتوفر على شريط فيديو يوثق لحظات الواقعة.

    وبينما أصرت مصلحة قطاع المياه والغابات على موقفها المتعلق بحماية المنظومة الغابوية، وأن المنطقة الغابوية التي شهدت المواجهات هي تحت مسؤولية جمعية مستفيدة من المقاصة، وأن هذه المصلحة “لا يهمها الخلاف القائم بين الجمعية والسكان الذين انتخبوها”، فيما السكان المعنيون بالأمر، والقاطنون بالقرب من الغابة، يتمسكون بضرورة ضمان حقهم في الماء والرعي وراء الأسلاك المسيجة للمحمية الغابوية المشار إليها، نظرا ل “ظرفية الجفاف وشح الموارد المائية وارتفاع سعر الأعلاف”، ما يضع المنطقة رهينة احتقان مستمر في حال ما لم يتم إيجاد حلول جذرية للمشكل القائم.

    وفي اتصال بالفاعل الجمعوي رئيس “جمعية أزغار لتنظيم الرعي والتنمية المستدامة”، النوري أقبوش، أبرز، من خلال رأيه، ظروف ضم المساحة الغابوية المذكورة لقطاع المياه والغابات، وتقنين تدبيرها، ومساحتها حوالي 500 هكتارا، نظرا لما عرفته، على مدى عقود طويلة، من تخريب واستنزاف ورعي جائر، وحينها أخذت مصالح القطاع بعين الاعتبار تسهيل العبور لنقاط الماء والاستفادة من حطب التدفئة، مع “التحفظ بشأن أعمال الرعي الجائر بالمنطقة المذكورة باعتبارها محمية غابوية”، ذلك قبل تفويت المساحة للجمعية في إطار عقدة برنامج تشاركي يرمي لتدبير الغابات بالشراكة، وذلك من أصل أكثر من 1270 هكتارا مقسمة على جمعيات أخرى.

     وفي ذات السياق، أكد النوري أقبوش أن تدبير جمعيته لمساحة “ثورتوت لحميمض” مكن 150 شخصا من “الاستفادة من ثلثي عائدات المقاصة، على شكل أعلاف، وما تبقى تصرفه الجمعية في واجبات التسيير والحراسة والتنسيق”، غير أنها “لم تكن تنتظر تمرد بعض الأشخاص على القوانين والالتزامات بالهجوم والاقتحام، للمرة الثالثة، بدعوى ظروف الجفاف والحاجة إلى الماء، وضدا على ما ينبغي احترامه من أعمال تقوم بها الجمعية التي اضطرت الى تسجيل شكايتين في موضوع الواقعة”، على أساس أن “المجال الغابوي ثروة وطنية ومنظومة بيئية لا يحق لأي كان العمل على تخريبها أو القفز على القوانين المتعلقة بها”، بحسب ذات الفاعل الجمعوي.

     كما لم يفت نفس الفاعل الجمعوي التشديد على “أهمية احترام المساحات الغابوية المغروسة، وأي معني يدعي عدم استفادته من عائدات المقاصة أن يتصل بالسلطة المحلية، في شخص القائد باعتباره المسؤول القانوني على اللوائح التي تحال على مصلحة المياه والغابات بعد أن تصبح نهائية”، وهي لوائح تُحَيَّن كل سنة، لكون الأمر يتعلق برحل يتنقلون بين منطقتي سفوح أزغار والجبل، أما ما يتعلق بالمدة القانونية لفتح المحميات الغابوية ف “هي من اختصاصات قطاع المياه والغابات باعتبارها الجهة المسؤولة قانونيا وتقنيا على الغابات”، في حين أكد النوري أقبوش على أهمية خروج الجمعيات المشتغلة في مجال حماية الغابة بفيدرالية للقيام بمشاريع تنموية ومندمجة.

     وفي الشكاية الموجهة لمصلحة المياه والغابات والسلطة المحلية، رأى رئيس الجمعية المستفيدة من المقاصة، “جمعية أزغار لتنظيم الرعي والتنمية المستدامة”، أن “المهاجمين، وهم من قبيلة واحدة، اتفقوا في اجتماع عقدوه بينهم على القيام بالعمل التخريبي، بمعية أشخاص آخرين جرت دعوتهم، ويقطنون بأراضيهم الخاصة بمنطقة قريبة”، علما أن المحمية المتضررة “قد جرى إحياء ما يزيد عن 30 بالمائة من غلافها الغابوي، على مدار السنوات التسع التي منع فيها الرعي الجائر والقطع العشوائي”، بحسب الشكاية التي زادت فأكدت أن كل “المهاجمين” يستفيدون من عائدات المقاصة منذ عام 2013، تاريخ تسلم الجمعية للمحمية من المياه والغابات.   

     وصلة بالموضوع، لم يفت الباحث في التنمية والبيئة، رئيس “التعاونية الغابوية النموذجية الحمام للبيئة والتنمية المستدامة”، ابن المنطقة، مصطفى السباعي، القول :”نحن ندق ناقوس الخطر بشأن ندرة الماء، وشح الموارد المائية السطحية في أراضي الجموع سواء بأزغار أو الجبل لقلة التساقطات خلال هذه السنة، وفي غياب استثمارات مهمة وتوقعات سواء من طرف الجماعات القروية أو إدارة المياه والغابات، وجمعيات الرعي التي تدير تعويضات المقاصة، يظل شبح العطش ينذر باتساع أزمة المياه بإقليم خنيفرة، نتيجة استمرار الاهمال واللامبالاة في ضمان جل الحقوق الأساسية للحياة”، مما ينم، بحسب السباعي عن تغييب حجم المسؤولية وانعدام حس المواطنة.

     وفي ذات السياق، أكد مصطفى السباعي أنه في جل القطاعات مسؤولون “لم يتخذوا أية تدابير استعجالية استشرافية واستباقية لضمان الحق في الماء، وتوفير الأمن المائي، الذي هو ركيزة لضمان الأمن الغذائي والاستقرار والرفاهية الاجتماعية، سيما أن الطلب على المياه في تزايد مستمر، والاضطرابات المترتبة عن شح وأزمة المياه تزداد وتمس بالتماسك الاجتماعي لكون استغلالها بمنطقة دون أخرى يعتبر لاعدالة اجتماعية ولا مجالية”، ولذا، يضيف السباعي، “ندق بحزن أقرب إلى اليأس ناقوس الخطر حيال تجاهل إشكاليات وانعكاسات ندرة المياه”، وما قد يصاحبه الوضع من اضطرابات في السنوات القليلة المقبلة.

      ومن جهة أخرى، ألح السباعي على ضرورة “تفعيل “اتفاقية أزغار” التي تم التوقيع عليها قبل حوالي عقد من الزمن، بين مصالح المياه والغابات، وزارة الفلاحة ووزارة الداخلية، في شخص عامل الإقليم، بغلاف مالي يفوق تسع مليارات من السنتيمات، على أساس دعم منطقة أزغار بالحاجيات الفلاحية، والمسالك لفك العزلة ونقاط الماء والمدارس الجماعاتية والانشطة المدرة للدخل وغيرها”، فيما حذر من “الأزمات الخطيرة في الماء، وما تستدعيه الظروف الاستثنائية من تدخلات على مستوى السلطات المحلية والإقليمية والمركزية”، فيما شدد على ضرورة تخفيف اجراءات السياج بفتح المسالك أمام الرعاة للعبور نحو نقاط الماء.   

     وفي خضم الاحتقان، تمت دعوة الأطراف المعنية، زوال يوم السبت 14 مارس 2020، إلى طاولة المفاوضات بمقر خليفة قائد القائد بمركز تيغزى، ضمنهم ممثلون عن مصلحة المياه والغابات والساكنة المجاورة للمحمية الغابوية ب”ثورتوت لحميمض”، ورئيس جمعية مهتمة بالمجال الغابوي، وذلك لإيجاد حلول بديلة، حيث تم التداول في مختلف المشاكل التي تعاني منها الساكنة، ليخلص النقاش مع الأطراف الحاضرة إلى ما يؤكد “عدم وجود أي ضرر أو نقص في التزود بالماء لتوريد الماشية”، والعمل على “التسريع في توزيع المقاصة الممنوحة لذوي الحقوق عن موسم 2019/ 2020، على أساس مراجعة اللوائح بإشراك ممثلي الساكنة” تحت إشراف السلطة المحلية.

     كما تضمن الاتفاق مقترح “مراسلة المديرية الاقليمية للمياه والغابات، بغاية التعجيل بالمساهمة في توفير الأعلاف المدعمة للمتضررين، في إطار محاربة أثار الجفاف”، وبخصوص مطلب الساكنة المتمثل في فتح المجال الغابوي المشجر المسمى “ثورتوت” من أجل الرعي، فتم “الاشتراط على الساكنة التقدم بطلب في الموضوع لرئيس مركز المحافظة وتنمية الموارد الغابوية بمريرت، من أجل اتباع المسطرة القانونية في هذا الشأن، وإيفاد لجنة مختلطة لعين المكان، بهدف اتخاذ القرار المناسب”، مع “التزام الساكنة حاليا بعدم الرعي داخل المجال المغروس “ثورتوت لحميمض” في انتظار الحسم في الأمر.

     وبذات الاتفاقية الصادرة عن أشغال الاجتماع، الذي دام أزيد من خمس ساعات، تم اقتراح “تقديم طلب من طرف “جمعية ثورتوت لتنظيم الرعي” لأجل ابرام اتفاقية شراكة مع إدارة المياه والغابات بغاية الاستفادة من المقاصة الممنوحة في اطار تنظيم الرعي في المحيطات المشجرة بالمساحة الغابوية “ثورتوت لحميمض”، ويذكر أن الساكنة المحلية فات لها، صباح الاثنين 17 يونيو 2013، أن زحفت في مسيرة على الأقدام نحو مقر عمالة الإقليم بخنيفرة، للتشديد على ضرورة إشراكها في تحديد السياج، حفاظا على التوازن بين مصالحها ومصالح الغابة، والتعجيل بتنزيل مشاريع تنموية مدرة للدخل في إطار مخطط تنموي مستدام شامل.  

   ويجدر التذكير أيضا بالتجمهر الاحتجاجي الذي خاضه عدد كبير من سكان المنطقة، صباح الأربعاء 6 ماي 2015، أمام مبنى عمالة إقليم خنيفرة، للمطالبة بالحسم في الكشف عن المصير الذي آل إليه “مشروع أزغار الكبير”، والمبرمج على مساحة 2400 هكتار، كان قد رصد لها مبلغا يفوق عشر مليارات سنتيم، حيث ردد المتظاهرون مجموعة من الشعارات والهتافات، والكلمات التي نددوا فيها بفضيحة المشروع الذي ظل حبرا على ورق دونما مساءلة، وفات لمسؤولين حكوميين أن وعدوا فلاحي وسكان المنطقة بتمويل المشروع الذي يضم إحداث نقط للماء وأعمال تشجير وفتح مسالك ومشاريع تهم التمدرس والصحة ووحداث تنموية.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image