ذ. المصطفى تودي يكتب عن “كورونا وما بعدها؟”، على ضوء ما قرأه من قصاصات وتقارير بالحجر الصحي

أحمد بيضي الثلاثاء 7 أبريل 2020 - 23:56 l عدد الزيارات : 32512
  • المصطفى تودي (°)

من حسنات الحجر الصحي، ليس فقط تتبع الأخبار و قراءة الصحف بل يفضل لنا من الوقت ما يسمح بمحاولة تدبرها وممارسة فسحة من القراءة المقارنة، وسأحاول أن أتقاسم معكم بعض استنتاجاتي فاحملوها على محمل الفسحة.

من خلال تتبع قصاصات الأخبار و بعض التقارير على الصحف الإلكترونية، يلاحظ أن جلها تتفق على أن هناك ما بعد كورونا، وعلى أن معالم سياسات جديدة في طور الانبناء، إذ شرعت الدول في رسم سياساتها المستقبلية على ضوء ما أفرزته وستفرزه جائحة كورونا.

استدعت أمريكا كبار مهندسي استراتيجيتها السياسية والاقتصادية، فها هو هنري كسنجر، قبل أيام، رغم كبر سنه وترهل قواه، يشارك في ندوة حول “ما بعد كورونا”، ونحن نعرف أنه من رسم السياسات الخارجية الأمريكية لعقود، كمستشار للأمن القومي الأمريكي أولا، و كوزير للخارجية في عهد نيكسون و فورد ثانيا، وكمدير لشركة متخصصة في الاستشارات الجيوسياسية الدولية ثالثا، فهو يحظى بتقدير الأوساط السياسية الأمريكية كحائز على جائزة نوبل، رغم ما شاب تتويجه من جدل.

كما لا ننسى أن كسنجر كان له دور كبير في إبرام اتفاقات كامب ديفيد بين مصر السادات وإسرائيل مناحيم بيغن، وهي ما زحزح موازين القوة السياسية بالشرق الأوسط لصالح إسرائيل، ها هو كسنجر مرة أخرى يدق أجراس الإنذار ويحث سياسيي أمريكا على الاستعداد لمواجهة تحديات ما بعد كرونا، قائلا أن على أمريكا مواجهة عالم جديد، عليها سن سياسات قادرة على الحفاظ  على ريادتها العالمية وإلا ستفقد زعامتها إلى الأبد أمام تراجع قوة أوروبا وزحف التنين الصيني وتنامي قوة روسيا بوتين.

و في أوروبا، دعا رئيس الحكومة الإسباني إلى وضع “سياسة حرب” لمواجهة ما بعد كورونا، خاصة أن “اتحاد” أوروبا فشل في اجتياز امتحان مواجهة الجائحة، و بنفس النبرة حملت قصاصات الأخبار نداءات زعماء آخرين يحثون على الاستعداد لمواجهة ما بعد الجائحة. صحيح أن تبعات الجائحة سيصعب على الأقطار الأوربية تجاوزها بسهولة، كضخ السيولة النقدية في اقتصادات الدول الأكثر تضررا كما حدث في السابق، فالمحللون الاقتصاديون يتكهنون بأن إيطاليا، على الخصوص، ستعيش نفس الأزمات المترتبة عن الديون كما كان حال اليونان سابقا.

صحيح كذلك أن جل المحللين يركزون على الجوانب الاقتصادية والتأثيرات المالية ويخشون اندحار البورصات، إلا أن هناك إجماعا على أن المخرج الوحيد للأزمة يمر عبر تعزيز التحالفات السياسية و تقويتها، وأعتقد رغم ذلك أن مآل بريطانيا من الأزمة سيكون محددا لمستقبل أوروبا، ومن جهة أخرى، أعتقد أن خلف هذه الفوبيا وهذه التخوفات السياسية لوبيات بنكية و مالية نافذة تحرك الأزرار و تجر الخيوط، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتلميع صورة أصابها الصدأ.

 فجائحة كورونا أحدثت خدشا عميقا في الصورة التي رسمت للعولمة السياسية والاقتصادية، التي بنيت على السيطرة السياسية والاقتصادية للرأسمالية العالمية ومؤسساتها الإنتاجية و البنكية، إن جائحة كورونا عرت وجه العولمة التي تصلي مولية وجهها نحو دقات أجراس البورصات وتركع على أنين أوجاع اقتصاد السوق، غير آبهة بأوجاع القطاعات الاجتماعية و بأنين البشر، فبحكم تغول الرأسمال واستحواذه على القرار السياسي العالمي، تطاولت مختلف الحكومات على المكتسبات الاجتماعية لمواطنيها وكأن ذلك قدر لا محيد عنه، ضاربة عرض الحائط رفض الأغلبية واحتجاجات المواطنين، و من ثمة تخطت ما يؤسس الديموقراطية التي تتبجح بحمل لوائها.

فحركة السترات الصفر في فرنسا، مثلا، صرخة غير مسبوقة ورفض جماهيري للمساس بالمكتسبات الاجتماعية التي فرضت عبر سيرورة نضالية مريرة وتاريخية مضنية، لم يجرؤ أي حزب على المساس بالنموذج الفرنسي في مجالات التغطية الصحية والتقاعد والتطبيب … إلا الحكومة الحالية التي انتخبت، مع ذلك، باعتبار أنها حاملة لبديل اقتصادي ولنموذج سياسي يتجاوز تصورات الأحزاب التقليدية الفرنسية.

وللتذكير كذلك، فخلال السنة المنصرمة لم يأبه الرئيس الفرنسي باحتجاجات قطاع الصحة التي كانت تنذر باندحار المنظومة الصحية الفرنسية، لم لا وماكرون قد خرج من رحم بنك نافذ ويأتمر بأوامر مشغليه، وفي نفس السياق كان ضرب صناديق الدعم الاجتماعي والتقاعد في العديد من الدول خدمة للرأسمال وللاحتكارات العالمية، كما أن الجمهوريين بزعامة ترامب لم يجدوا أدنى صعوبة في التراجع عما كان يعتبر فتحا تاريخيا للقطاع الاجتماعي الذي سن في عهد أوباما، فكانت أولى القرارات السياسية لترامب شطب ما كان يعرف بقانون التأمين الصحي لجميع الأمريكيين “Obamacare“.

فبمناسبة الجائحة عاشت حكومات الدول المتقدمة حرجا سياسيا كبيرا حينما عجزت عن توفير أبسط مستلزمات تطبيب مواطنيها. بل طالت تبعات السياسات الجديدة حتى مجال إنتاج الأفكار، بحيث اجتهدت دوائر القرار العالمية في تغيير حتى مفاهيم التفكير، فظهرت لغة عالمية جديدة أسماها بيير بورديو و لوييك فاكان “ la nouvelle vulgate planétaire  ” ، ظهرت مفاهيم جديدة: العولمة، الحكامة، الاقتصاد الجديد، الأقلية، التعدد الثقافي، الهوية… و اختفت أخرى: الرأسمالية، الطبقة، الاستغلال، الصراع الطبقي، الهيمنة…  

أعتقد أن جائحة كورونا أثبتت أن السحر قد ينقلب على الساحر، ذلك أن للعولمة وجها أكثر عدالة، يتمثل في عولمة الخوف والرهاب الذي لا يستثني أحدا، ومن جهة أخرى أعتقد أن الجائحة ستمنح لمناهضي عولمة البؤس والاستغلال، أسلحة جديدة، فالاحتجاجات الاجتماعية سوف تتأجج بعد جائحة كرونا مدعومة بتبعات هذه الجائحة. وإن لم تستجب الأحزاب الحاكمة في الدول الديموقراطية، فسوف تعاقب انتخابيا بتعزيز المد القومي الشعبوي أكثر من ذي قبل، أو بإفراز بدائل سياسية حقيقية، على اعتبار أن الطريق الثالث الذي كان ماكرون يتزعمه في فرنسا، و”بوديموس” في إسبانيا مثلا لم يكن إلا قناعا مزيفا سرعان ما أظهرت سياساته خضوعه اللامشروط للرأسمال العالمي، وخيب بالتالي آمال الطبقات الوسطى و الشغيلة.

ستتغير الاستراتيجيات السياسية بعد الجائحة لا محالة، لكن في أي اتجاه؟ يعلمنا التاريخ أن النظام الرأسمالي هو أقدر الأنظمة على امتصاص الضربات و التأقلم مع الأزمات، و من جهة أخرى، يعلمنا التاريخ، كذلك، أن البورجوازيات الغربية رغم كل شيء هي ذات طبيعة وطنية متأصلة قد ترفع مصالح أقطارها إلى مستوى الأولويات، لكن واقع العالم يبرز مدى تحكم الاحتكارات العالمية في دواليب السياسات العالمية و تملكها لخيوط العقد والحل، خاصة بعد إضعافها للمؤسسات الحزبية والنقابية، وشل قدرتها على المواجهة.

فقد تتخذ الاستراتيجيات السياسية المقبلة، إذن، شكل تنازلات محسوبة لصالح الطبقات الوسطى والدنيا، فتتراجع الرأسمالية العالمية مرحليا عن مدها واستعلائها و تمنح بعض المكاسب و تتخلى عن بعض القطاعات وخاصة الاجتماعية منها، ورغم ذلك يبقى مدى تنازلاتها رهين بانبثاق قوى جديدة قادرة على المواجهة والتعبئة من خلال ما ستخلفه الجائحة من تداعيات اجتماعية و اقتصادية، فعلى هذا تتسارع المشاورات وتستغل اللقاءات السياسية كل ما جد في عالم التواصل، لرسم معالم ما بعد كورونا.

كل هذا يحدث والعالم العربي غارق في صراعات دموية تخفت لتتجدد بدون انقطاع،  قصاصات الأخبار تمدنا بلقاءات سياسيينا و كأنهم خارج الزمان، سياسات تنفذ مخطط “الشرق الأوسط الجديد” بأموال عربية، وهو المخطط الذي رسم معالمه الأساسية الصهيوني “شيمون بيريز”، ويستهدف بالدرجة الأولى حماية أمن إسرائيل و تقوية سيطرتها إقليميا، من خلال ضمان حياد دول الطوق، مصر والعراق وسوريا، إن هم رفضوا أن يصبحوا حلفاء لها، بالإضافة إلى إضعاف إيران وأدرعها المسلحة في المنطقة، ففي الوقت الذي تكد فيه الدول الغربية لرسم معالم استراتيجياتها المستقبلية، لا يزال العرب غارقين في تنفيذ سياسات قديمة لن تجر على الجميع إلا مزيدا من الاستغلال الاقتصادي ومزيدا من الإذلال السياسي، ومزيدا من التجبر و الغطرسة الصهيونية في فلسطين.

وعلى المستوى الإقليمي، أظن أن الفرص مواتية للانفراج السياسي و تطبيع العلاقات بين المغرب و دول الجوار، فلم يعد بإمكان الجزائر ولا موريتانيا أن تحقق مكاسب تذكر من خلال تمسكها بدعم غريق و كيان وهمي لا يفتأ يتآكل باستمرار، فالثورة تأكل أبنائها كما يقال، و لعل اغتيال بعض قياديي البوليزاريو من طرف رفاق الأمس، والاحتجاجات السياسية والاجتماعية في مخيمات الذل، مؤشر على ذلك، ناهيكم عن الحراك الجزائري الذي تجذر وأصبحت مطالبه سياسية بالأساس لا ترى عن تغيير النظام بديلا، فسياسة الأمر الواقع، إذن، تقتضي صرف مقدرات الدولة على تلبية مطالب الشعب، عوض هدرها في التسليح و التعبئة للحروب الدونكيشوطية للحكام المتشبثين بنرجسية سياسية تمجد تاريخا ولى وانقضى.

و في المقابل لا مناص للمغرب من سن سياسة تقوم على تعزيز الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية لما بعد كورونا، ذلك من خلال تقوية النسيج الاقتصادي الوطني، وإعادة الاعتبار للقطاعات الاجتماعية، ودعم الكفاءات الوطنية واحتضانها. بالإضافة إلى إعادة الثقة للمواطن المغربي في وطنه من خلال سن حكامة حقيقية ومحاربة الفساد والريع، ولعل ما يشهده المغرب حاليا من تعبئة شاملة و نكران للذات في مواجهة الجائحة من طرف كل أبنائه مدنيين وعسكريين تبرز بالملموس أنه  من السهل أن يستعيد المغربي اعتزازه بمغربيته وتمسكه بوطنه، وفي الجائحة عبر ودروس لمهندسي نموذجنا التنموي الجديد، والذي سيحدد استراتيجيتنا السياسية والاقتصادية للعقود القادمة، فهل سنتعظ أم سنضيع الفرصة من جديد؟.

(°) جمعوي، أستاذ وباحث في الشأن البيئي والفكر الفلسفي
تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image