المصطفى فروقي يكتب عن “كورونا، الحجر الصحّي وجدار الممانعة”
أحمد بيضي
السبت 11 أبريل 2020 - 00:00 l عدد الزيارات : 27995
المصطفى فروقي (°)
بالرّغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها وسائل الإعلام الوطنية، ومواقع التّواصل الاجتماعي، للتّوعية بمخاطر وسبل انتقال فيروس كورونا، واعتبار الحجر الصّحي السّبيل الوحيد لمحاصرته، فقد لوحظ عدم احترام فئات عريضة من المجتمع المغربي لقواعده، حيث استمرّت عملية مغادرة البيوت بدون سبب إلى الشّوارع كما استمّرت التّجمّعات في الأزقة والدّروب لتبادل أخبار كورونا في العالم.
كما لوحظ استمرار الاستهزاء بخطورة كورونا، وهو ما سجّلته الأقوال السّائرة في الموضوع وشخّصته النّكت السّاخرة والفيديوهات المسترسلة التي تم إعدادها في سياق افتعال الضحك على ذقن كورونا، وما نقلته الرّبورتاجات التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي وهي تتابع معركة نساء ورجال السّلطة في الشوارع الفسيحة والدّروب الضّيّقة، والأزقة المظلمة، ضدّ العصيان ورفض تطبيق الحجر الصّحي من لدن “مواطنين” من كلّ الأعمار ومن كلّ الفئات الاجتماعية .
ولأنّ الكلّ على علم بمخاطر هذا الوباء، والكلّ يتحدّث عنه وعن ضحاياه، عبر أرجاء العالم، فبماذا يمكن أن نفسّر هذا السّلوك الممانع الذي يرى أصحابه الخطر شاخصا أمامهم ويستمرون، بدون مبالاة، في اقتحام مناطقه الملغومة؟ لن نذهب بعيدا في محاولة تفسير هذا السّلوك بالعودة إلى الأصول الثقافية اللاّواعية التي تبرّر كثيرا من تصرّفاتنا، وهي تعبّر عن عود مستمرّ للمنسي والعتيق، المترسب، في ذاكرتنا الجمعيّة البعيدة، من قبيل ذاكرات المجاعات والحروب والأوبئة، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالتهافت الذي نلاحظه، كلما تعلق الأمر بظرف عصيب، على السلع وعلى المواد الغذائية وتكديسها، ليس لعدم أهمية هذا التّحليل بل فقط لأنّ السّياق يستدعي تشخيص أعطاب أخرى تشكل عامل عرقلة لكل مشروع مجتمعي يسعى للارتقاء بنا للأحسن .
فإذا كان المغرب قد انتبه، على الأقل مقارنة ببلدان أخرى، مبكّرا لنهج خطة العزل الصّحّي بكل ما سيترتّب عنها من أضرار على الاقتصاد الوطني فإنّ نزعة المقاومة، بمبررات قد تبدو، أحيانا، موضوعية ، بغض النظر عن طريقة وزمن عرضها، ظلّت سارية في مختلف المدن المغربية، وخاصة في أحيائها المكتظة والفقيرة، كما نقلته لنا وسائل الإعلام الوطني ووسائل التواصل الاجتماعي ممّا يؤشر على ديناميّة مجموعة من المعطيات الاجتماعية السلبية التي تشكل عامل دعم لهذا السلوك المجازف الذي يتغذى على الظواهر التالية :
– ارتفاع منسوب انعدام الثقة بين الأجهزة التمثيلية للمجتمع، ومختلف الشرائح الاجتماعية، وخاصة المهمّشة والفقيرة منها وهو ما استدعى تعويضها بأجهزة الدّولة التي نزلت للشارع لاسترجاع التواصل الغائب وتعبئة الممانعين وتوعيتهم بخطورة المجازفة بأنفسهم وذويهم ومحيطهم الاجتماعي عندما يهمّون بمغادرة بيوتهم بدون اتّخاذ الاحتياطات الضرورية لتفادي انتشار الوباء.
– طفوّ أعراض وباء قديم على سطح المجتمع متمثّل في الجهل حيث استمرت كثير من المظاهر الاجتماعية – الالعاب الجماعية ، التسوق الجماعي ، التجمعات …- في الصمود الأرعن رغم خطورتها على الصحة العامة و على مناعتها ضد الجائحة .
– غياب التنظيمات المدنية ، التي تحسب على التوعية الصحية، في الميدان رغم انها تنال مقابل رسالتها المزعومة دعما عموميا ، كما غابت جمعيات الاحياء التي من المفروض ان تكون في واجهة التعبئة اليومية بمخاطر الداء عبر لعب دور الوساطة بين الدولة والمجتمع.
– ظهور أعراض المجتمع المفتون بالفرجة ، المخاصم للثقافة والكتاب ، نتيجة عامل تحكم الصّورة بفعل هيمنة الدكتاتورية الرقمية الخفية التي نجني اليوم نتائجها الكارثيّة ، اذ بقدر ما يزعم المرء انه يتعرف على نفسه وعلى العالم في الصورة فانه يكون عاجزا عن استيعاب معنى وجوده ، ولذلك ترى الكل متابعا عبر شاشات الهواتف والتلفزيون لما يجري في العالم وفي بلاده عبر الصور لكنه عندما يعود للواقع يأتي إليه أعزل إلا من تراثه البدائي المدعوم بالأنانية واحتقار الفضاء الجماعي .
– انحسار دور المثقف، الا فيما ندر، لصالح الخبير وتراجع دور المناضل لصالح المحتج وتقلص دور المواطن لصالح المستهلك وان كان الامر يتعلق بظاهرة عالمية ناتجة عن هيمنة الرأسمالية المتوحشة .
– اننا، في المجمل، أمام انتقالات فرضتها مجتمعات الاستهلاك التي عوضت المثقف بالخبير، الكائن المهووس ببيع خبراته وصنعها على مقاس رغبة المؤسسات المقتنية على حساب الأخلاق والضمير والحقائق العلمية في كثير من الأحيان، كما حولت المواطن الى مجرد مستهلك لا يشعر بوجوده إلا عبر ما يمتلكه من اشياء ومقتنيات، كما حولت المناضل، الا فيما ندر، إلى محتجّ هاجسه تحقيق رغبة انية، ملحّة والحصول على حاجاته المطلوبة خارج أي تأطير قيمي يسعى لتحقيق اهداف سياسية وفق قناعات فكرية بعيدة المرامي تجرّ خلفها مشاريع مجتمعية متجدّدة .
إنها تبعات مجتمعات الاستهلاك والإشهار التي كان لها اثر بالغ على القيم الاجتماعية المبنية على نشدان مصلحة الفرد والجماعة بعيدا عن جشع الرأسمال وهوسه بالربح السريع مهما كانت التبعات على المحيط البيئي والاجتماعي ، وهو ما يصدق بقوة على سياقنا الوطني في زمن العولمة .
وأخيرا فإن جائحة كورونا وارتباطا بالظواهر الاجتماعية المذكورة التي عرى الوباء عن بشاعتها كشفت عن ازمتنا الحقيقية المتمثلة في التفريط في بناء دعامات الانسان المغربي القادر على الصمود امام كل الرياح ، الدعامات المتصلة بوعيه الفردي والجماعي وبمناعته الذاتية والجماعية امام كل الاخطار التي يمكن أن تتهدده في كل لحظة، وهو ما لا يمكن ان يتحقق الا بإعادة الاعتبار لكل المهام الاجتماعية التي تدور في فلك تشكيل وبناء قوة ومناعة المغاربة الصحية والفكرية والاقتصادية وإعادة الاعتبار للمواطن والمثقف والمناضل وفق تعاقد اجتماعي تحكمه المسؤولية والفضيلة . فهل يا ترى ستنتّعظ؟.
تعليقات
0