محمد عياش يستنطق الزمن والجسد والمعنى في ديوان “الآتي المؤجل” للشاعر م. إدريس أشهبون

أحمد بيضي الأحد 12 أبريل 2020 - 00:00 l عدد الزيارات : 25929
  • محمد عياش (°)

تقدیم :

یحتل الجسد، بما ھو منبع علامات دالة لامتناھیة، مساحة رحیبة وخلاقة في الكتابة الشعریة، على اختلاف أزمنتھا وتنوع انتماءاتھا الجغرافیة، الجسد بمستویاته البیولوجیة والنفسیة والاجتماعیة والأنطروبولوجیة والأسطوریة، وبجدلیة المقدس والمدنس المسكونة بالخوف والعذاب والشقاء، الجسد في علاقته المتوترة بالمعیش وبالممكن، كان وسیظل دوما المشتل الوفي والحاضن للإبداع السامي في تمظھراته المختلفة، لأنه یأبى الاختزال في مقولات ومواضعات ثقافیة متكلسة تخنق أنفاسه اللاھبة، وتحاصر روحه الوثابة من التطابق نحو الاختلاف، ومن الواحدیة إلى التعددیة، ومن اللزومیة إلى التعدیة، ومن الضرورة إلى الحریة..

 بعبارة أوجز : جسد العبور من الخواء إلى الامتلاء تلكم ھي طبیعة الجسد في بعده الظاھراتي إن شئتم، حیث تنمحي الحدود بین الذات والجسد من جهة (أنا جسدي وجسدي أنا)، (وبین الأنا والآخر (، الأنا آخر والآخر أنا (من جھة أخرى ) ونضیف إلى ما سبق صورة استعاریة للجسد تحیلنا على جبل الثلج ( الأیسبیرغ) ولعبة الوعي واللاوعي ، ثنائیة التجلي والخفاء الماكرة حیث یمسي الجسد مستودعا ضخما ورھیبا للأسرار والإضمارات الشارطة للفعل الإنساني في تجلیاته المتحولة، وانفلاتاته المتعددة ما یستدعي ھذه الوقفة الحمیمة مع الجسد في علاقته الوثیقة والمتوترة والخلاقة مع القول الشعري.

ونحن نحاور ونستنطق نصوص دیوان م إدریس أشھبون (°°)الآتي المؤجل”، ھو درجة تمركز الشاعر العالیة والكثیفة حول ذاته كجسد لا یكتفي بالبوح فحسب، بل یطمح أیضاإلى أن یعثر على شفرة سحریة لتسویة علاقته القلقة مع الزمن الذاتي /الوجودي بشكل خاص، ومع الكون بشكل عام، وتنطلق ھذه الفرضیة من كون القول الشعري عند اشھبون یمكن أن یشكل إحدى الصیغ الناجعة لإیجاد التوازن المأمول بین الذات وبین العالم ، أو بین الرغبة المحمومة في حیازة الأمان الروحي أساسا وبین قدریة الواقع المعیقة لتحقق ھذا الحلم النبیل والمشروع .

-1 العتبات القرائیة وارتیاب المعنى :

ولعل العنوان الذي یتوسط وجه الغلاف المجلل بلونین داكنین : الأسود والأزرق، المائل إلى الرمادي، لا یتركان للقارئ

متسعا من الوقت للإحساس بھذا النزوع الفجائعي الذي تنقاد له نصوص الدیوان، فالعنوان المقترحالآتي المؤجلیقترح على القارئ تھجس بالظنون والاحتراسات الأولیة تحت تاثیر أجواء ضبابیة تتحرك فیھا (signifiance) بدوره أن یستعد للانخراط في مغامرة تدلیل النصوص بمنسوب محدود من الحریة یفتقر إلى الامتلاء والاكتمالفمنذ وضع الخطوة الأولى عند عتبة العنوان، تبدأ علاقة القارئ بالدیوان في التوتر والتصادم والمغالبة لكون العنوان ینتزعنا من الزمن الحاضر والھنا ، ویلقي بناتوا ودون سابق إشعارفي الزمن القادم والھناك

العنوان یختطفنا من یقین الكینونة في الحاضر لیقذف بنا في زئبقیة الكینونة وارتیابھا ھناكما یضاعف من حدة ھذا الارتیاب والقلق أن الزمن القادم لایتحرك بكامل حریته، ولایتمتع كما عھدناه بمطلق سلطویته، بل یتم اعتقاله وتقییده عبر محاكمته، والحكم علیه بالتأجیلھو آت لامحالة، إلا أن إتیانه ھذا مشروط بما یحول دون انطلاقه وامتداده أي بالتأجیل، ولھذا، لاغرابة أن یجيء العنوان عبارة عن قران ھجین بین صفتین تتدثران بصیغتین صرفیتین متباینتین : “الآتيوھو اسم فاعل یحیل على الفاعلیة والاستقلالیة والصیرورة والإیجابیة في مقابلالمؤجلالذي ھو اسم مفعول لا یخلو من التبعیة والمفعولیة و الانتظاریة والسلبیة

ظاھریا ، تحضر الصفتان (الآتي والمؤجل) في غیاب متعمد للموصوف، لكونھما كافیتین تركیبیاللإیحاء به وھو الزمنوضمنیا، ربما یكون الشاعر قد قصد من وراء ھذا الإخفاء الماكر للموصوف إعلان اعترافه وتقدیره لذكاء القارئ كخطوة أولى لإبرام تعاقد قرائي جدي مع نصوص الدیوان ساعة استنطاقھا، وحتى نقترب أكثر من أسرار العنوان ، سنقفز من واجھة الغلاف إلى الصفحة(59)  لنجد العنوان إیاه یعتلي قصیدة تتشكل من عشرین سطرا شعریا جمیعھا تلتقي في سمة الاختزال والتكثیف بحیث إن أطول سطر لایتجاوز في مجموعه خمس كلمات .

وعند تجمیع الدلالات المتناسلة لھذه الأسطر نكتشف أن الشاعر، بنبرة متمردة مفاجئة، یخاطب نفسه في شكل مونولوج درامي محرضا إیاھا على خوض حرب ضروس ضد العار والسبي والطاغوتسلاحھا الفتاك في ھذه الحرب الشرسة لوحة بكل الألوان تجوب الدروب وتجھربالحق، مادتھا رجات وجدانیة من خفایا القلب ، وشظایاھا مھانة ودموع ووجع یطول الشاعر وجیلا بكاملھ ..في ھذا النص / المفتاح ینكشف سر العنوان لتحل الفاعلیة والإرادة والقوة والتحدي والاستشرافیة الخلاقة محل المفعولیة والقلق والارتیاب باعتبارھا دلالات حدسیة توجھ قراءتنا الخارجیة للدیوان عبر بوابة العنوان .وما یعزز ھذا الترجیح لفرضیة ارتھان العنوان لخدعة الإشراط السلبي لتخمیناتنا في البدایة كما رسمناھا ھو علاقة الطقس الاستھلالي للدیوان الذي یقول:

كان لي
سكون السماء ذات لیلة ماطرة …”ص  4
بالطقس الختامي الذي یقرر في صیغة استفھام :
ھل صرت صوتا؟ ص 106
الآتي ..ما الآتي ..؟
طفل مفترض
ینفخ روحا في اشیائه .
وفي الغد ، یمتد صمت الفناء في ألعابه.
یتلاشى الحلمویاطول ماانتظر

من بدایة ھادئة مطمئنة تتخلق وتنمو تحولات عمیق وارتجاجات خصیبة تفضي إلى نھایة تتملك فیھا الذات موضوعھا القیمي الأسمى، وأقصد به الاحتفاء بالكینونة الشاعرة، بعد انفتاح أبواب القصید وانبثاق الحیاة في الصوت/ التوقیع الخاص، ھذا منتھى ما تنشده ذات الشاعر الموزعة على امتداد نصوص الدیوان بین المتناقضات الفیاضة والفارزة لمعنى الانبثاق والانسیاب والامتلاء في الزمن الوجودي للشاعر، بل ،إن ھذا الزمن الذي یقدمه العنوان في صورة كینونة معوقة ومكبوحة، سرعان ما تتضاعف مأساویته لیكتسي ثوب الطفولة المفترضة والحلم المتلاشي تحت وطأة الأسطورة الفردیة للشاعر الذي لا یتردد في الاستفسار والجواب في آن واحد ، قصیدةأرجوحة من نبض الزمن “// ص 11

لعله الإرھاق الروحي أو ما یشبه الانھیار القاھر ما یدفع الشاعر إلى الاستسلام المتعجل للیأس وتأجیل أحلامه 42/ وإقبار آماله ..یقول الشاعر وھو یتحدث عن مغامرة البحث عن ذاته المغتربة في قصیدة :”أنتظرھا، ص 41

أنشد قصیدة..
تائھة في العدم
فالآتي منادیل ساحر ..
مزقھا الیأس والضجر .

بل أكثر من ذلك، تسحب ثقتھا من القصیدة كملاذ نوراني من دیاجیر التیه الوجودي والخراب الروحي لتسقط ضحیة إفراط مؤقت في تمجید اللامعنى والتیه والعبث، وكلھا تیمات مھیمنة تختبئ وراء ستارة العنوان الأكبر، ثم تستأسد وھي تتواتر مرات عدیدة في العناوین الداخلیة (الوجع الأخیر آثار الفجیعة من عنترة إلى الحجارة اللحظة الفاترةلمن تغني الطیور ؟المرایا الخائفة تعاسة الخلود والجمال نداء علیل حنین أبدا لن یعود النیازك لا تشع لیلا التیه ارتداد ذاكرة مصلوبة في سوق النخاسة بأي حال عدت؟آخر وصیة ). ومع ذلك فإن ھذا الإحساس السلبي المترع بالإحباط لایصمد طویلا أمام تشبث الذات الشاعرة بالأمل في محاضنة زمن قادم مشوب بالطمأنینة والانشراح، وھذا ما ستكشف عنه تمظھرات البنیة المعجمیة في الدیوان كما سنرى:

-2 الھندسة المعجمیة وطبیعة الجدلیة الدلالیة بین الحضور والنفي في نصوص الدیوان :

سننطلق إجرائیا من جدول إحصائي لاشك أنه سیسعفنا كثیرا في تلمس وجھة الشاعر الوجودیة وما یتحكم فیھا من نوازع خفیة، فالجرد الإحصائي والتصنیف المعجمي للألفاظ المتكررة والمترادفة والمتجاورة دلالیا في الدیوان تسمح لنا بالوقوف عند عشرة

حقول دلالیة :

1 حقل العزلة والتيه والألم/198 كلمة

2 حقل الطبيعة الجامدة والمتحركة/160  كلمة

3 حقل الزمن/ 110 كلمة

4 حقل الإبداع والخيال والجمال/ 80 كلمة

5 حقل الحياة والأمل/ 78 كلمة

6 حقل الموت/ 77 كلمة

7 حقل الذاكرة والطفولة والحلم/ 66 كلمة

8 حقل التحدي/ 46 كلمة

9 حقل السفر/ 46 كلمة

 10 حقل القدر/ 10 كلمات

نحن إذن قبالة دائرتین دلالیتین قابلتین للتقلص وللتمدد : دائرة الاغتراب والنفي واللامعنى والخواء والموت، ودائرة الانتماء والامتلاك والتجدد والانبعاث، وعندما نجاري سیرورة التوالدات الدلالیة، في علاقتھا بتحولات الوجدان والرؤیا، عبر نصوص الدیوان، یتأكد لنا ماقلناه عن علاقة الاستھلال بالخاتمة في الدیوان ككل ..فالاستھلال یرتكز على تركیب أسلوبي خبري یتشكل من فعل ماض ناقص مقرون بزمكان محدد (سماء شتائیة) “كان لي سكون السماء ذات لیلة ماطرةص4 ، والخاتمة تنھض وتنتفض على وقع تركیب أسلوبي إنشائي خرج عن أصله لیفید اللازمكان والتقریر ودفع الشك بخصوص مطمح تحقق الكینونة في صورتھا الإیجابیة المأمولةھل صرت صوتا؟

وما یثیر الانتباه في علاقة الاستھلال بالخاتمة على المستوى الأسلوبي ھو ھذا التماثل الصرفي بین فعليكان // صرتالمنتسبین إلى عائلة الأفعال الناقصة ،إلا أن دمج ھذین الفعلین ضمن المتوالیتین المعجمیتین لكل من الاستھلال

والخاتمة یوحي إلینا بوجود تعارض دلالي تكشف عنه ثنائیة السكون / الموت، والصوت/ الحیاة من جھة، وثنائیةكنت / زمن ماض ثابتفي مقابلصرت / زمن ماض متحولمن جھة أخرى، ومن ھنا، ینتصر الشعر عند أشھبون للبقاء والسخاء والنماء على حساب الفناء والخواء والشقاء .

بتجمیعنا لمجمل ھذه الحقول وتصنیفھا وفق ثنائیة الإیجاب والسلب سنحصل على دائرتین موسعتین على طرفي نقیض وھما :

أدائرة الاغتراب و اللامعنى والخواء والموت بما مجموعه 275 وحدة معجمیة ،

بدائرة الانتماء والامتلاك والتجدد والانبعاث بما حصیلته 254 وحدة معجمیة .

الأمر الذي یحدونا إلى أن نقتنع بكون لاشعور النصوص ینحو بنا نحو عدم التنازل عن تلك الفكرة الموروثة عن الشعر بكونھ إحدى أبرع الصیغ الخیمیائیة لتحویل التراب إلى تبر، والغیاب إلى حضور، والموت إلى حیاة .بعبارة أخرى، المقصدیة الضمنیة للشاعر في ھذا الدیوان ھي المرافعة شعریا من أجل إثبات أھلیة الشعركما العلوم والفلسفة والدین للخوض في میتافیزیقا الزمن ومتاھة الوجود، والبحث عن السر الكامن وراء الشاعر ھو من یعیش، صاحیا أو حالما، زمن تمظھراتھا الزئبقیة.

ترى الباحثة والشاعرة الفرنسیة نیكول دالیا Nicole Gdalia متحدثة عن الشعر والوجود السرمدي أن الشاعر یعود إلى مصادر الأشیاء ومباعث الظواھر وأصول الكائنات لا لیبعثھا من سدیمیتھا فحسب، بل أیضا لینبعث ھونفسه “عن الشعر في زمن اللاشعر -رشيد بنحدو -ص103”.بھذا المعنى إذن ، وفي ضوء ھذا الطموح المشروع والضروري ،فھو یبحث عن جواب للغز الوجود .لكنه – لاعجب في ھذا – إن لم یعثرعلیه، یكفیه فخرا أن یعثر على كثافة وحرارة معیشه الباطني، إذ وحدھا التجربة الروحانیة تسعفه على إدراك بعض أسرار كینونته الذاتیة، عن الشعر في زمن اللاشعر رشید بنحدو ص  103

-3 التصویر الفني ورھان تطویع التخییل لاجتراح كینونة متجددة:

مما لا تردد فیاستخلاصه – بعد المسح المعجمي واستغوار أبعاده الدلالیة- ان سمة الغنائیة ھي المظھر التعبیري المھیمن على قصائد الدیوان، غنائیة كاسحة تذكرنا في ملمحھا الناضج بتجارب شعراء عرب حتمت علیه مقاساتھم المتاخرة للألم أن یلوذوا بھا من تقلبات الدھر المباغتة، وصروف المواعد غیر المضبوطة مع مسرات الكینونة في أبعادها الديونيزيوسية، نتذكر ھنا بشكل خاص تجربة الشاعرین بدر شاكرالسیاب وأمل دنقل مع محنة المرض وآلامه وما ترتب عنھا من نكوص لدى السیاب نحو الطفولة / جیكور، واستباق لدى دنقل بمعایشة الموت وترویضه حتى یخفف من وطأته القاسیة علیه حین یحین الأجل المحتوم .

ویظھر لي أن صراع الشاعر م إدریس أشھبون مع الألم والاغتراب والانكسار والقنوط قد فرض علیھ أن یتجرد من ذاتھ الجمعیة كي یتخندق داخل جسده المرھق من فرط الخیبات، وھو تخندق ذو خلفیة حربیة ھجومیة تعكس إصرار الشاعر على البقاء والانتصار أیا كانت حدة المرارة المودعة في قعر الواقع المعیش، ولا أدل على ذلك من اختیار مقطع دال من قصیدة “الآتي المؤجل” وإثباته على ظھر الغلاف على یمین صورة أیقونیة دائریة الإطار یبدو فیھا وجه الشاعر ناضحا بالحبور والسرور والتفاؤل،

بل، إننا لو سلطنا الضوء على البعد الفني للعبة التصویر الشعري في الدیوان، فلا ریب أننا سنعثر طي تشكلاتھا البلاغیة وتلویناتھا الجمالیة على رغبة دفینة مكینة لدى الشاعر في تحویل الموت إلى انبعاث، والھزیمة المحتملة إلى فتح مبین، لقد اختار الشاعر أن یستثمر إلى حد بعید ما في لعبة القناع من طاقة تعبیریة عالیة لنقل ھذا الإحساس بضرورة الانغمارفي معترك الحیاة والتصالح مع وعودھا المؤجلة ، ممتطیا لھذا المقصد الفني العمیق تقنیة التشخیص المرتھنة لتكسیر الحدود بین الذات وبین عناصر الطبیعة في وجھیھا المرئي والخفي:

 یقول الشاعر في قصیدة ” نداء علیل” ص 53

بین سدول ذاكرة مھووسة
یلھو طفل عبثا،
كطائر وردي،
یسافر،
في أحداق سحابة تائها..
ویفنى في عشق
الجداول والنجوم الساحرة .

فھذه الصورة المرسلة والممتدة، على سبیل الاستئناس فقط، لاتجنح إلى الإفراط في تشغیل الفاعلیة التخییلیة، لقد فضل الشاعر ان یترك الصورة تنساب بحسب ما یملیه سیاق الرؤیة الفنیة، وما یستدعیه رھان القبض السلس على الزمن وكبح جماحه قصد ضغطه في علبة الذكریات الطفولیة الخالدة .

ولعبة التناص (النبي سلیمان ص 84 – المسیح ص 86 – سیزیف ص 54 – عشتارص 10 – سندباد ص 16 برومثیوس ص 50 – عنترة ص 20 ) الھادفة إلى تحیین التجربة الوجودیة ، وكلھا رموز دینیة وأسطوریة ترجح فیھا كفة القوة والامتلاك على كفة الضعف والفقدان .ھذا وإن اختباء الشاعر وراء ھذه الأقنعة والرموز المنتقاة بذكاء لافت ،وحرصه على تصریفتوتراته الدرامیة إزاء الواقع الشرس بصیغ تخییلیة خلاقة، مع ما یرافق ھاتین الآلیتین التعبیریتین من نسج رشیق للصورالاستعاریة المرسلة القائمة على تقنیة الانزیاح المشحونة بلعبة الأقنعة والمعادلات الموضوعية وفق استعمال مرن معصوم من عطب الإغراب الممجوج ..

ھذه البنیة الكلیة ذات المكونات المتناسقة دالیا وجمالیا ھي ما أھل مجمل النصوص عند شھبون لأن تحوز قسطا
وافرا من القدرة على استدراج القارئ إلى مقاسمة الشاعر جوانب عدة من أسطورته الفردیة وھي تتوثب حماسا لاستعادة الزمن الوجودي في أعلى درجات امتلائھ وتجدده وبھائه .

خاتمة مفتوحة :عموما ، یمكن اعتبار دیوان ” الآتي المؤجل ” للشاعر مولاي إدریس أشھبون بمثابة مساءلة جریئة قد تكون متأخرة عن الموعد المحدد مع الزمن، إلا أنھا مصرة على أن تعید ترتیب الكینونة دونما فكاك عن زمان الأصول الذي یعكسه تبئیر معظم النصوص على تیمة الحنین إلى الماضي، دون أن نغفل ما بین تضاعیف ھذا الدیوان ككل من ومضات فلسفیة تشع من تلك المراوحة المثیرة بین حاضر الماضي/ الذاكرة وبین حاضر المستقبل/ الانتظار.

ومن ثمة ، یغدو ھذا العمل الشعري الذي نضج على حطب الكھولة الھادئة شھادة دامغة على أن كیمیاء الشعر خاصة، والإبداع عموما تظل أكثرالصیغ الوجودیة ملاءمة لإحداث التوازن المرتجى بین نثریة الواقع وتجزیئیته وعبوریته، وبین شاعریة الخیال وسيولته وشمولیته ودیمومته، فلا غرابة إذن أن یحتفظ الدیوان براھنیته وخصوبته كلما اعدنا محاورة نصوصه ، وأصغینا جیدا إلى نبض كلماته الریانة في انسیابھا السلس نحو واحة الأحلام المكللة بباقات العودة المظفرة من حروب مرھقة ضد جبروت الزمن

(°) محمد عياش: قاص وناقد
(°°) م. إدريس أشهبون : شاعر، له دواوين شعرية، صدر منها “انكسار الذاكرة”، “الآتي المؤجل”، “أقطف من عيونك حزنا”
 

 

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image