الشاعر صالح لبريني يمارس حجره المنزلي ب “اعتزال بين الكتب” و”خروج من العبث”

أحمد بيضي الإثنين 20 أبريل 2020 - 20:38 l عدد الزيارات : 27972
  • صالح لبريني (°)

الاعتزال بين الكتب

قرّرت، في هذا التوقيت بالذات، الذي تشير إليه ساعة هاتفي النّقال الثانية واربعين دقيقة بتوقيت غرنيتش، وفي مكان يسمّونه غرفة نافذتها مشرعة على سماء استعادت زرقتها الطبيعية، وحديقة جاري التي تزينها أشجار المزاح والليمون التي ترتدي ثمارها وترقص بمجرّد هبوب ريح الصباح والعشية، الاعتكاف في بيتي الآخر، حيث الجغرافيا والتاريخ والفلسفة والآداب والحضارات تسكنني وأسكنها، بفعل الاعتزال الصحي الذي قرّره الحاكم على المحكوم ليست مخافة عليّ ولكن عليه هو، لأن هذا الكائن المختفي لا يفرّق بين الناس، فالمكتبة التي تحوّلت، في هذه الأيام العصيبة، إلى مقام أمارس فيه حماقاتي وجنوني.

لديّ من الوقت الكافي والطافح لأختار ما يناسب عقليتي البدوية، التي ألفت ملكوت الله بين الجبال والوديان، في الفجاج والأدغال، قرب الماء والربوات، أتذكر الآن كم كانت الحياة بريئة في تلك الحقول الممتدة في جغرافيا مفتوحة على الصمت وهدنة الأعصاب، والتي تكبر حنينا في ذاكرة غدت مثقلة بجلبة المدينة، في تلك الخلاءات كنتُ لا أعير الاهتمام للزمن، فزمن القرية إيقاعه متباطئ ومثير للكثير من الاستفسارات والإشكالات المتعلقة بقيمة الزمن الذي يهدره الكائن في التفاهات، وأعتقد أن خطواتي مازالت محفورة على أرض مطوقة بالجبال وشقيقة الينابيع المتفرقة على ربوع المكان شمالا وجنوبا، شرقا وغربا.

هي جنان الله التي صنعها بيده، تغني حينا وترقص، تبكي وتئن وتحزن أحيانا، تنتصر على الفداحات وتقف مهزومة أمام ضراوة الحياة، وفي الحقيقة كنتُ مهووسا بأخذ المسافة بيني وبين الآخر، متأملا ومتألما، كانت لعبي الصمت الخلوة قرب مجاري الوادي صحبة مذياع وكتاب طيلة عقود من الزمن. لأكون مقيما بين هذه العائلة الكريمة التي تحتمل شغبي وهدتني، كتب لا تعاني من أمراض النرجسية والخيلاء المملوءة فراغا، بقدر ما تخجلك بالتواضع والأريحية ورحابة الصدر، كلما طرقت بابها، وجدته مفتوحا بشوشا، كريم الترحيب، صادحا بحفاوة تثير الدهشة في النفوس.

ها أنا الآن محفوفا بكتب تزخر بحيوات متعددة لكتاب وشعراء ومفكرين وفلاسفة وروائيين ونقاد منحوا للحياة رصيدا من حياتهم من أجل هذه اللحظة التاريخية المفارقة والمنعطف لوجود الإنسان، الكل يمد لك يدَ المحبة ويستقبلك بما ملك من لغة وخيال وتجربة، وأنت بين كنفها تتراءى لك الكائنات اللغوية في صور وتشكيلات تشتعل بالبُهر وتشعرك بعاطفة مثيرة ومدهشة، هي كائنات من ورق ولكنها كائنات حية تجالسك وتحاورك، تستفزك وتمنحك الأشياء المفتقدة في الحياة اليومية.

وقد وجدت في هذه العائلة الكثير من الصبر وتحمّل قلقي واضطراباتي، أحلامي وخيباتي، تعطف عليّ حين تشعر بي وأنا مكلوم الخيال وفقير اللغة، تعانقني لحظة توقفي عن الكتابة، فتكون، في غالب الأوقات، محفّزة للكتابة، في هذا الاعتزال الصحي لا باب أدخله، بعد أن أغلقت أبواب المقاهي والمكتبات العمومية والمؤسسات، سوى باب مكتبتي التي تشعرك وأنت بين أدراجها بولادة جديدة، فالكتب حيوات يتقاسمها الأحياء من الأموات، وتلك نعمة من النعم التي يفتقدها عامة الناس، فالبيت الذي لا مكتبة فيه لا حياة فيه.

الخروج من العبث

تمة شعور ينتابني بمجرّد وجودي بين أربعة جدران، أكرّر الحياة بروتين يومي مملّ، ومثير للشفقة، وأنا الذي اعتدت الذهاب بعيدا بجسد منهوك بفعل العمل الذي يتطلب منك جهدا أكثر، وللتخفيف عنه أحمله معي وأتوجّه إلى فضاءات ثقفتها خالية من نأمة بشر، ألقي فيها الجسد لاستراحة مؤقتة من صخب المدينة التي لم يعد المرء يشعر فيها بآدميته، أتركهه بكامل الحرية يفعل ما يشاء، يجلس على الطّوار برهة من الزمن، يحمل قدميّ إلى حيث الهدنة تعلن حالة طوارئ قبل قدوم هذا الجسد العفن، المثقل بأوهام ومكائد، خيانات عظمى وأخرى لن تصل جناح ذبابة سقطت فجأة في كأس شاي بارد منسي.

عند عتبة الغرفة المطلة على الشمس والغارقة في سبات عظيم، لا موسيقى ترقص بداخلها ، لا أنفاس لامرأة تعيد الحياة إلى قلب مغلق بمفتاح التناسي، حتى لا يصاب بسكتة مفاجئة، قلت أعطي الجسد جواز العبور إلى مناطق أعلم أني لن أصلها بتاتا، وأخلد أنا للتّأمل في هذا العالم المليء بالحروب والكوارث والأوبئة، فتصيبني زلزلة تربك أحلامي التي تحوّلت بفعل الخيبات إلى جثث منضّة بعناية في رف الذاكرة، وقدتحلّلت بفعل الزمن ودواهي الحياة، فلم أعد مؤمنا بأي شيء سوى بالبحث عن مخرج من العبث الذي يسمّونه الوجود.

وأنا في خضم وضع كل الاحتمالات يأتي الجسد وقد تحوّل إلى ظلّ خفيف عليّ، تعانقنا واستقر فيّ دون الشعور بالرغبة فيه، فأنا على الأقل متخفف من عِلَله وآهاته، من أوجاعه التي لا تنتهي، من خططه التي حوّلتني إلى أكبر فاشل في هذا الوجود، المهم لم أعترض عليه، رغم تبرّمي منه، غير أنّ أمرا حيّرني فيه، فسألته رغبة في معرفة ما الذي يربطني بجسد منذور للشرور، ومليء بالاحتيال، وأنا رجل قدمت من بطن أمّ نُكّسَت أعلام رهاناتها مع زوج لا يملك إلا هوسه جنوب الروح، فلم تنل منها إلا دزينة من البنين والبنات لم تزدها إلا ضمورا ونحافة، فتحوّلت بقدرة هذا الزوج إلى هيكل ميّت يمشي بتؤدة على أرض تعيش هي الأخرى أحلك عمرها.

اتساع ثقبة الأوزون ارتفاع درجة الحرارة، التلوث الذي أشب مخالبه فيها، مصيبة هذه! قالها الجسد موجها لسانه إليّ، التفت يمنة ويسرة لم أجد إلا أنا وجسد يزداد انتفاخا كديك في معركة حامية مع ندّ له من جنسه، استغربت للأمر، فحملق فيّ بعينين جاحظتين مليئتين بسخط عدواني، فحاصرني بيدين مزغّبتين مطوقا عنقي النحيل، كدتُ أختنق فالتمست منه أن يخفف عنّي، لكنّه لم يعر لصراخي الذي هدّ الجبال، وزلزل البحار، وأربك الجاريات والماشيات على الماء والأرض. ولم أشعر حتى وجدتني في الغرفة أمسح زجاج نافذتها، باحثا عن منفذ لأسترق النظر إلى الخارج الذي بدا يستعيد حيويته..

(°) شاعر وناقد مغربي، من أعماله الشعرية “تغريبة الناي”، “حانة المحو”، “جدير بعزلة الغريب”… 
تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image