عندما يكون النبش في الماضي “شخصاً ثالثاً” في حياة الزوجين
أحمد بيضي
الإثنين 18 مايو 2020 - 19:00 l عدد الزيارات : 47603
أحمد بـيضي
نبش الأزواج في ماضي بعضهما البعض، لا يعني، في معظم الحالات، إلا بداية نهاية الاستقرار العاطفي، وتيه في جحيم الوساوس والأوهام التي لن تزيد مسار الزوجية إلا توترا وقلقا وبرودا جنسيا، ويتجلى السؤال الكبير: أي ماض يوتر العلاقات الزوجية، هل هو ماضي الزوجة أم ماضي الزوج؟، انطلاقا من طبيعة مجتمعنا المعقد بالذكورية وتعدد الزوجات ودونية المرأة، يكون ماضي الزوجة أكثر عارا من ماضي الزوج، مع التذكير بدراسة رأت بأن المرأة لا تهتم كثيرا بالنبش في ماضي الرجل، على عكس الرجل الذي يعطي أهمية عميقة لماضي زوجته.
وبينما تختار الزوجة حماية مستقبل عشها الزوجي بعدم النبش في مذكرات الزوج، نجد هذا الزوج لا يوافق مطلقا على أن يكون لزوجته ماض!، وكم تتعرض الحياة الزوجية ل “هزات ارتدادية” لما يعلم الزوج، عن طريق الصدفة أو الصراحة، أن زوجته كانت على علاقة عاطفية مع شخص في الماضي، وأحيانا يخطأ البعض في الأخذ باستطلاع أراء المعارف أو الجيران في الفتاة التي يراد طرق باب أهلها للزواج، من حيث أن أقاويل الناس لا تعكس الحقيقة بالضرورة، مما يعرقل تعبيد الطريق أمام حياة زوجية تسودها الحيطة والحذر من أشياء وهمية·
والمرأة التي غالبا ما لا تلوم الرجل على ماضيه، تكون عكس الرجل الذي ما إن يختار شريكة حياته حتى يبدأ في البحث عن الصغيرة والكبيرة في تفاصيل ماضيها، والمؤكد أن العادات والتقاليد والإشاعات تلعب دورها في هذه الأمور، ولا ترحم ولا تراعي ما يجب استحضاره من باب الوعي بأن أي إنسان هو معرض في سن المراهقة لأن تكون له تجارب ومغامرات عاطفية وعلاقات غرامية وجنسية، وأن المهم هو بداية صفحة جديدة من المودة والحب والوفاء وبناء أسرة والعيش في بيت الزوجية ملؤه السكينة ودفء الأطفال، وعدم النظر ثانية إلى الوراء·
والواضح أن الملايين من الأزواج اليوم يتغاضون عن النبش في ماضي بعضهما البعض احتراما لمبدأ الخصوصية، وتفاديا لكل ما من شأنه أن يهدد السكة الزوجية بألغام الشكوك والهواجس والخلافات، ومن ثم يمكن أن يكون الماضي “شخصا ثالثا” في حياة الزوجين، حتى وإن كان هذا الماضي نظيفا لا ينقص من أحد هذين الزوجين شيئا، وكل واحد منهما يتذكر الماضي ويخشى العودة إلى بعض الفترات فيه التي يرفض الزوج أو الزوجة أي من الأسئلة التي تحاول معرفة تفاصيلها.
معظم الآراء في مجتمعنا القاسي ترى أن الماضي يقلب الحياة الزوجية رأسا على عقب، إما تدريجيا أو جملة وتفصيلا، ويضعها على نار هادئة من الشكوك والوساوس التي لن يجني منها أي من الزوجين إلا الألم والوهم والدمار والغيرة المفرطة و”الحب المنافق” الذي يتعرى مع أول خلاف بسيط، وبما أن العادات والأعراف السائدة ترى الرذيلة في المرأة ولا تراها في الرجل، فالرجل بطبيعته وأنفته الذكورية لا يقبل إطلاقا بوجود ماض في حياة زوجته وكأنها خلقت لأجله منذ حواء.
والملاحظ أن معظم الرجال يعتبرون كل ما يتعلق بماضيهم وحياتهم الشخصية هو مِلكا لهم فقط، وفي ذات الوقت يرون أن من حقهم التعرف على تفاصيل ماضي نسائهن، وكلما امتنع الزوج عن البوح بأسراره يشدد على التحقيق والتحري في ماضي زوجته أو خطيبته، انطلاقا من شكوكه في كل تصرفاتها، ولم لا وهو الذي يردد في كل حين “أن المرأة هي السبب وراء خروج آدم من الجنة في تواطئها مع الشيطان لأكل التفاحة”، مما يعني أن الرجل لم ينس حتى ما جاءت به الكتب المقدسة حول بدء الخليقة.
وليس من المبالغة في شيء أن الشك والوهم يظلان لصيقين بالرجل حتى ولو تزوج من امرأة بدون ماض، أو من طفلة في الثانية عشر من عمرها، أو حتى ولو ارتبط بزوجته منذ الطفولة وسن المراهقة فالمؤكد أن الشك يكون هو الحال الذي يحجب اليقين طالما أن مجتمعنا لا يحاسب الرجل بقدر ما يحاسب المرأة التي غالبا ما يكون الرجل سببا في مغامراتها العاطفية، وكل الأحداث الماضية، في حياة إما المرأة أو الرجل، تُعدُّ بمثابة الخط الأحمر الذي يصعب تجاوزه خوفا من تشتت بيت الزوجية، رغم أن لكل الناس فترات من ماضيهم، جميلة وسيئة.
“الرجل يغار أكثر من المرأة”، عبارة متداولة بقوة بين الناس، والحقيقة أن أنانية الرجل تبدأ منذ شبابه عندما يسمح لنفسه بالحب والسهر ولا يسمح بذلك لشقيقته التي هي “مشروع زوجة” لشخص ما قد يطرق بابها يوما، وحتى ولو أن هذه الزوجة لا ماضي عاطفي لها ولا تجارب غرامية، فالزوج يرى في عمقه النفسي أن لها تجارب ونزوات سابقة يظل حبيسا في ظلها، وكل حركة قامت بها يعتبرها حنينا إلى هذا الماضي، ولو أن لبعضهن ماض يكون قد تم طيه كالفراش.
وهناك زوجات بمجرد ما يسردن لأزواجهن ماضيهن من باب تقديم البرهان على حبهن لهم، ومصارحتهم بجميع التفاصيل والأسرار عن حياتهن، يتحول ذلك بمثابة رياح مطفئة لسراج الثقة والعقل، غير أن هناك أزواجا يعتبرون الماضي عبارة عن مرحلة دفنت في مزبلة التاريخ ويكتفون بالعيش مع زوجاتهم تحت سقف واحد وبقلب واحد، ولا يهمهم ماضيهن، ويكون من الأهم أن ينقضي الماضي بكل ما فيه من سلبيَّات وإيجابيَّات، وألا يكون شرطا لاستمرارية الحياة الزوجية.
ولنتصور رجلا ستر امرأة بإخراجها من دور الدعارة أو من الملاهي الليلية وتزوج بها على سنة الله ورسوله، هل يقوم بالتحقيق في ماضيها؟ بالعكس فالرجل عليه أن يفرق بين مشاعر الماضي ومشاعر الواقع الذي تجمعه بزوجته، ويكفيه وفاؤها له خلال وبعد الزواج، وإذا غفر لها ماضيها فمن حقه طبعا ألا يغفر لها مجرد نزوة صغيرة تصدر عنها في الحاضر والمستقبل، وطالما أن النبش في ماضي الزوجة تنجم عنه متاعب قد تبدأ بفقدان الثقة والبرود العاطفي، وقد تصل إلى حد الطلاق وتدمير الأسرة.
“لحظة صدق”، هو عنوان واحد من البرامج التلفزية التي كانت فضائية “إم· بي· سي· 4” تترجمها وتقدمها للمشاهد العربي، ويشارك فيه زوج في حضور زوجته، أو العكس، والبرنامج عبارة عن مسابقة ذات طبيعة اختبار لدرجة الصدق لدى الضيف، وكلما كذب في الإجابة يصيح جهاز كشف الكذب بصوت ساخر، ومن أقوى اللحظات التي يشد فيها التوتر والتشويق أنفاس الحاضرين والمشاهدين هي اللحظة التي يصل فيها مدير البرنامج مرحلة الأسئلة المرتبطة بماضي العلاقات العاطفية والجنسية للضيف.
ومن خلال البرنامج، إما الضيف ينسحب أو يتجرأ فيجيب بصدق ويربح المسابقة أو يكذب فيخسرها أولا، زائد جهاز كشف الكذب الذي يفضحه أمام الجميع، وهذا البرنامج يحيل المرء على حالة الحياة الزوجية حيث لا وجود لا لمشاهدين ولا لكاميرا أو لجهاز كشف الكذب، بمعنى آخر يمكن لأي أحد أن يتصور كم من أسرار وذكريات يتم حفظها في المخيلة أو “طحنها” في آلة الزمان حتى لا يتزحلق المستقبل على شفرة الماضي، حيث تنشب الكثير من الانكسارات في الحياة الزوجية كلما قرر أحد الزوجين النبش في ماضي الآخر.
هل يمكن نسيان الماضي بجرة قلم؟ هل يمكن إحراق “ألبوم الصور” ودفتر الذكريات الذي أضحى “موضة” بين فتيات اليوم؟ هل يمكن أن نعيد النظر في نظريات فرويد حول الأنا والهو والباطن؟ أسئلة تستحق منا الإجابة فعلا، وما برنامج “الخيط الأبيض” الذي كانت تديره الزميلة نسيمة الحر، في وقت مضى، على القناة الثانية إلا نموذجا ملموسا، حيث نستنتج من خلاله كم هو الماضي أقوى من الصلح أحيانا، ولو هناك من لا يهتم لماضي الشريك ويسامح وهناك من يزرع فيه بذور الشك والريبة وكوابيس الليل والنهار.
تعليقات
0