مبادرة إدريس لشكر ؛ قراءة في الأرضية التوجيهية لتأطير النقاش الاتحادي حول تدبير الوضعية الراهنة

إدارة النشر الثلاثاء 19 مايو 2020 - 09:02 l عدد الزيارات : 19919

بقلم : عبد السلام ألمساوي

هذه الظرفية تحتاج لرجل السياسة، تحتاج لكامل مهاراته التواصلية، فالسياسي لا يتكلم فقط عندما يريد ان يطلب الأصوات أو يقلل من شأن خصومه أو ينسج التحالفات، السياسي يتكلم أيضا ليرفع الغموض لا ليزيد الوضع تعقيدا …هذا السياسي هو الذي نجده اليوم في أرضية الأستاذ إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي .
فالسياسي الذي احتاجه المغرب والمغاربة، هو ذاك الذي يخطب في الناس لطمأنتهم، القائد الملهم والزعيم ذو الكاريزما الذي يستطيع ان يحول الأرقام الميتة لليوبي الى آمال واحلام وطموحات ترقص بهية امام جمهور مكتئب .
ليست وظيفة السياسي أن يزيد الصورة المكتئبة اكتئابا ولا أن يتفنن مع الوباء أو يتنافس معه في رسم الصور الأكثر قتامة . كورونا هي زعيمة الشعبوية والعدمية هذه الأيام وبلا منازع . والأفضل للسياسيين اليوم لو بحثوا عن بضاعة أخرى تنعش الأمل في قلوب الناس ، وطرح أرضية سياسية تقرأ الواقع ، تستشرف المستقبل وتقوي مناعتهم …
يقول الأستاذ إدريس لشكر ” يعيش العالم بأسره ، لأكثر من ثلاثة أشهر متواصلة ، حياة الانعزال والحجر الصحي من أجل محاصرة جائحة ” كورونا _ كوفيد 19 ” ، وقد اختارت معظم الحكومات اعلان حالة الطوارئ والصرامة في تطبيق التدابير والاجراءات الإحترازية .
أنها تجربة مجتمعية وانسانية غير مسبوقة استدعت مني ان أشتغل على الواقع كما نعيشه جميعا ببيوتنا . أنني اتقدم هنا بمساهمة أتمنى أن تتلوها مساهمات أخرى تعمل على تغذية الحوار الحزبي ، كما أتوخى من خلالها اطلاع الرأي العام الوطني وعبره كل المشهد الحزبي على التصور الذي سأقترحه …”
سأقف هنا بنوع من القراءة والتفكير ، بنوع من النقاش والحوار ، على مجموعة من الأفكار والأطروحات ، من الاقتراحات والمواقف التي طرحها الأستاذ إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي في هذا الزمن الصعب والعصيب ، أ طروحات تخص موضوع الساعة : جائحة كورونا وتداعياتها المباشرة على بلدنا وعلى العالم ، واثارها البعيدة المدى على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والجيوسياسية….واعتمد هنا الأرضية السياسية التي طرحها الأستاذ إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي …
قلتها مرارا وسأكررها ؛ حديث الاستاذ إدريس لشكر في هذه الأرضية ، كما في أحاديث وأدبيات سابقة ، حديث متماسك وقوي ، تحكمه وحدة الفكر ووحدة الرؤية ….مؤسس على ثوابت مبدئية وقناعات سياسية …تحكمه الام المرحلة وامال المستقبل…
حديث أصيل و متأصل يجمع مكوناته ناظم مشترك ويحكمه مبدأ أساسي ؛ مبدأ الانتماء الى الوطن والانخراط القوي في حمايته..
حديث. عقلاني ، بعيد عن قلق وارتباك اللحظة ، حديث عقلاني واعي وهادف يحاصر الشعبوية التي تروم السيطرة على الوجدان بخطاب عاطفي مغالطي والذي تأثيره مؤقت في الزمان والمكان …
حديث متناسق منطقيا وواقعيا ، حديث عميق لأنه يأتي في سياق وضعية حرجة وعسيرة…
ان خطاب ذ إدريس لشكر ، هذه المرة ، كان خطابا مختلفا ، كان خطابا استثنائيا في ظرف استثنائي …الكاتب الأول لم يتحدث كزعيم الاتحاد الاشتراكي فقط ، فلم تشغله هموم الحزب ، لأنه كان مسكونا بهم أكبر هو هم الوطن …وضع انتماءه الحزبي ” بين قوسين ” ليتحدث كزعيم وطني يهمه مصير هذا الوطن ويهمه مصير أبناء هذا الوطن …
لقد طرح الأستاذ إدريس لشكر قضايا الساعة بكثير من العمق في التحليل ، والوضوح في الرؤية ، والواقعية في التشخيص ، والشجاعة الفكرية والسياسية في المواقف من الدولة والمجتمع والحزب…
لم ينح الكاتب الأول في حديثه الى الرأي العام منحى الغموض والتبرير ونصف المواقف . لم يختر الهروب من الحقيقة ولا دغدغة المواقف ، ولم يسع في أية لحظة الى تمرير موقف سياسي حزبوي ، ولا تصفية حسابات مع أية جهة …وما ذلك بغريب من اتحادي أصيل تشرب قيم السياسة النبيلة على يد معلمنا الأول في الوطنية فقيدنا عبد الرحيم بوعبيد . وما ذلك بغريب من مناضل رضع الوطنية في معبد الشجعان ، في مدرسة الاتحاد الاشتراكي .
ان زمن ” الكورونا ” زمن انهيار المطلقات واليقينيات . فلا احد يملك أجوبة جاهزة ، لا احد يملك أجوبة يقينية للأسئلة المطروحة ؛ لا أحد اليوم يمتلك وصفة جاهزة ، لتقديم حلول الخروج من هذه الأزمة واثارها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبشرية.
والأستاذ إدريس لشكر بدوره يطرح أرضية للتفكير منطلقا من التشخيص الواعي للوضعية ، ومن ” التحليل الملموس للواقع الملموس.
اذن الاستاذ إدريس لشكر في هذه الأرضية ، لا يقدم الإجابة بالحسم وخصوصا ما يتعلق بالتنبؤات والمصائر . هناك الكثير من الأحكام اليوم . فنظرا لهول ما يحدث ، تولدت جملة من الأحكام والتقييمات بخصوص عدد من الأشياء …وهناك تفسيرات تذهب الى حد التخيلات بل هي أقرب إلى الوساوس لأن فيها بعدا وسواسيا ، نظرا لقوة الحدث وسلطته وللرعب والذعر الذي أحدثه ، ويمكننا اليوم ان نتحدث عن ” ذعار ” أصاب الانسانية جراء هذه الجائزة ..
الأستاذ إدريس لشكر يتحفظ في إصدار الأحكام القطعية والحاسمة وتبقى أحسن طريقة هي تقديم أرضية سياسية النقاش الجدي والحوار المسؤول …انها مبادرة سياسية جريئة من زعيم سياسي مغربي ؛ مبادرة جاءت لتملأ الفراغ وتكسر الرتابة والغياب الذي استغرق الفاعلين السياسيين ببلادنا ….مبادرة جاءت في اللحظة الحرجة التي ضاقت بهراءات الشعبويين ، أولئك الذين أرادوا أن يجرونا الى معارك سخيفة ومشاكل عابرة او وهمية …أرضية جاءت لتنبه الفاعلين السياسيين بمهمتهم في هذه اللحظة الأنطولوجية والمصيرية ؛ وهي انتاج الأفكار والرؤى المؤسسة على الوعي الصحيح بالواقع والمستشرفة المستقبل …
الشيء المؤكد هو حدوث انكسارات وقطائع بين عالمي ما قبل وما بعد الكورونا ، والشيء المؤكد الثاني هو التسارع المهول للتاريخ بمختلف أصعدته التقنية والاجتماعية ، وما عدا ذلك هو بمثابة ضرب أخماس في أسداس ونوع من الرقية التاريخية على مدى زمني واسع ، وذلك لأن أحكام القيمة ( وبخاصة منها الأحكام السيكولوجية والأخلاقية ) تختلف نوعيا عن أحكام الواقع …
المرجعية الفكرية والسياسية للأرضية
يقول الأستاذ إدريس لشكر في الأرضية ” لقد ظل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ينهل من الفكر الاشتراكي الديموقراطي معتبرا اياه بديلا حقيقيا عن الليبرالية المتوحشة التي تتبنى القضاء على اي تدخل للدولة …”
امن الاتحاد الاشتراكي بأن الاشتراكية الديموقراطية هي البديل الضروري لمعالجة الاختلالات الاجتماعية ، وإحدى مداخل الحداثة واستدراك التأخر التاريخي ، فالاشتراكية ترتبط بالفضاء العقلي للحداثة ، ومن هنا ، امن الاتحاد الاشتراكي ، بضرورة تحيين الاشتراكية كمثال بفك ارتباطها بنماذج معينة وبالحفاظ على الشحنة الفكرية التي قامت عليها ، أي التشبث بالارضية الحداثية الثقافية للاشتراكية وخلفياتها الفلسفية الانوارية….
الاتحاد الاشتراكي قوة دفع تقدمية ، يسارية اجتماعية – ديموقراطية تروم اصلاح وتطوير الأوضاع ، والمساهمة في رسم خطوط المستقبل ، ومناط تحول في المجالات كافة ، السياسية والمؤسساتية والاجتماعية والثقافية….
واذا كان الاتحاد الاشتراكي أداة اصلاح وتغيير في الحاضر ومناط تطوير وتحديث في المستقبل ، فان قدراته السياسية والفكرية على التكيف والرؤية البعيدة ، ومؤهلاته النضالية والميدانية ، لتجعل منه قوة فاعلة في حاضر البلاد ومستقبلها ، كما كان وقود نضال وتغيير في الماضي …
ان الاتحاد الاشتراكي هو القوة المجتمعية الأكثر انفتاحا وتأهلا للمساهمة بفعالية ، في انجاز الاوراش الاصلاحية ، على قاعدة الجدلية الحية القائمة بين الاصلاح والاستقرار ، في اطار مجتمع متماسك ، متضامن ومتطور…
وفي هذا السياق الذي تحكمه ارادة المبادرة ، لا انهزامية الانكفاء ، تندرج أرضية الأستاذ إدريس لشكر التي تقارب مجالات حيوية لصيقة بمعيش افراد الشعب ، سواء في المجال الاجتماعي او في المجال السياسي والمؤسساتي …
ولسنا في حاجة الى تذكير دعاة التشكيك في القدرة اللامحدودة للاتحاد الاشتراكي على كفاءته العالية في التكيف الايجابي والمنتج ، مع حقائق البلاد ، ومع مستجدات محيطها القريب والبعيد…
ان الاتحاد الاشتراكي الوفي لتاريخه الوطني ، المتشبع بهويته التقدمية ، المستند إلى جذوره الاجتماعية – الشعبية ، ليشكل في عالم اليوم قوة سياسية ، حداثية ، تنخرط بوعي ومسؤولية في المساهمة في صنع مستقبل البلاد …
في كل منعطف كان الاشتراكيون حاضرين وكانت شعاراتهم تجد صداها العميق عند القوى المرشحة لاحتلال الصدارة في مجتمع التغيير والإنتاج : تشددهم فيما يتعلق بالحريات العامة ، استنكارهم العنيف لكل ما يمس كرامة الفرد …الدفاع المستميت عن دولة المؤسسات الضامنة للعدالة والمواطنة….
قد يقول قائل ماذا تبقى من الفكرة الاشتراكية امام كل التنازلات التي قدمتها لليبيرالية ؟ اقول : تبقى فكرة الديموقراطية في بعدها الاجتماعي الحمائي ، يبقى التشبث بالدولة الحاضنة والحامية للاختلاف والمساواة ، يبقى التشبث بفكرة اقتصاد السوق أداة إغناء للمجتمع لا وسيلة احتكار واغناء كمشة من الطفيليين والاحتكاريين ….
ان الاشتراكية قبل كل شيء فلسفة سياسية تزوجت مطامح اجتماعية وتاريخية …انها معركة طويلة الأمد والنفس ….ان اشتراكية الأمس ليست قطعا اشتراكية اليوم وهذه لن تكون بتاتا اشتراكية الغد….
ان الإشتراكية الديموقراطية هي حس المبادرة وروح الخلق.. هي الطاقة المغذية للفكرة الإشتراكية التي لا تجد اشعاعها في تسيير الروتين اليومي ، ولكن في ارتباطها الدائم بحلم الانسان ، بمعنى مشروع حضاري دائم التجدد ، دائم الافتتان …ان الأمر يتعلق بارث حضاري ومجموعة قيم ذات طابع سياسي مؤسساتي تربوي وأخلاقي ، وهذا الإرث لا يجب اليوم ان يكون إرثا ثقيلا ولا إنجازا للاستعراض ، ولكن الهاما لمواجهة مشاكل ذات طابع جديد كل الجدة ، وهذا ما نلمسه في أرضية الأستاذ لشكر …ان الإشتراكية الديموقراطية هي كيفية الحفاظ على الدولة الحاضنة القوية والعادلة في مجتمع حداثي متضامن …

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image