محاور أربعة لتحليل الارضية السياسية للكاتب الأول لحزب الإتحاد الإشتراكي ( 2 )

إدارة النشر الخميس 21 مايو 2020 - 14:35 l عدد الزيارات : 20145

عبدالحق عندليب

تناولت الارضية أو الوثيقة السياسية التي أعدها الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الأستاذ إدريس لشكر عدة محاور.حيث تم نشر الوثيقة التي تحمل عنوان: “جائحة كورونا فرصة لانطلاق النموذج التنموي الجديد” على العموم عبر عدد من الوسائط الإعلامية والتواصلية بهدف إشراك الجميع في النقاش.
جاءت الوثيقة استجابة لمتطلبات الظرفية الإستثنائية التي يعيشها العالم واستجابة لدعوة الأممية الاشتراكية في المساهمة في بلورة أفكار ومقترحات من أجل الترافع عليها على مستوى المنظمات والتكتلات الدولية والقارية والجهوية. وهي ليس وثيقة كباقي الوثائق الرسمية التي تحضر بمناسبة عقد المؤتمرات الوطنية للحزب وإنما هي بمثابة اجتهاد فكري وسياسي لمسؤول في حزب وطني كبير جاء في سياق وضعية استثنائية صعبة تقتضي الاستعداد التام لمواجتها. علما أن الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية صاحب هذا الاجتهاد أكد في مستهل الأرضية بأنه ينتظر مناقشتها بل ينتظر مساهمات أخرى للإغناء في اتجاه بلورة تصور مشترك يصبح بمثابة خارطة طريق لمعالجة ما ترتب حاليا وما سيترتب مستقبلا من تداعيات على أوضاع بلادنا.
وللشروع في قراءة الوثيقة فإنني قد قمت بتقسيمها من الناحية المنهجية إلى أربعة محاور وذلك كالآتي:
1- نقد التعاطي الدولي مع الوباء.
2- الاشادة بمقاربة الدولة المغربية لتطويق الوباء.
3- الاصلاحات الوطنية المطلوبة لمواجهة تداعيات الوباء وتفعيل النموذج التنموي الجديد.
4- الترتيبات التنظيمية الضرورية لتكييف الحزب مع متطلبات المرحلة الجديدة.
وكما سبق لي أن أشرت في الحلقة الاولى بأن قراءتي للوثيقة ستتم عبر حلقات موزعة على المحاور الأربعة، فإنني اليوم سأتناول محور الانتقادات التي وجهتها الأرضية للتعاطي الدولي مع وباء كورونا (كوفيد-19).
فقد أكدت الوثيقة من خلال هذا المحور على الاختلالات والنواقص التي ظهرت على مستوى معالجة انتشار الوباء، حيث جاء في مستهل المحور “أن الحرب ضد الفيروس لا يمكن إلا أن تكون بمجهود مشترك للبشرية جمعاء، أي بتوحيد صفوفها على مستوى البحث العلمي والتعاون اللوجستي والتشاور والتدبير الاقتصادي والاجتماعي”.
وفي هذا الصدد وجهت الوثيقة نقدا إلى كيفية التعاطي الدولي لانتشار الوباء سواء بالنسبة لحكومات الدول العظمى أو بالنسبة للتكتلات القارية الإقليمية. وقد ركزت الارضية خصوصا على العجز الذي أظهرته هيئة الأمم المتحدة ومختلف الوكالات الدولية التابعة لها خاصة منها المنظمة العالمية للصحة في مواجهة الجائحة. وللتذكير فقط فإن مجلس الأمن الدولي لم يعقد جلسته الطارئة الأخيرة إلا بعد مضي شهرين كاملين على تفشي الوباء في كل أرجاء المعمور، وبعد أن خلف الانتشار خسائر بشرية واقتصادية واجتماعية فادحة. وللمزيد من الاغناء فإن الاتحاد الأوربي مثلا كتكتل قاري قد تعامل مع انتشار الجائحة بشكل تراجيدي غير مسبوق. حيث اكتفت دول الاتحاد بأغلاق حدودها الوطنية فأخذ الوباء يتفشى بشكل رهيب بين السكان داخل كل دول دون ان تتحرك آليات التضامن والتآزر التي تنص عليها الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة بين دول هذا التكتل السياسي والاقتصادي القاري الذي بلغ من العمر 70 سنة. فقد دبرت كل دولة على حدا أزمتها باستقلال تام عن بقية الدول وظهر للعيان وكأن الاتحاد الأوربي قد تبخر وانتهت أطروحاته حول الوحدة والاندماج وغيرها من المفاهيم والمصطلحات. وفي هذا الصدد يمكننا أن نتفهم ردود الأفعال القوية لبعض المحللين والباحثين الذين اعتبروا بأن الاتحاد الأوربي قد انتهى وكأنه لم يكن. مما جعل جوزيب بوريل الممثل السامي للاتحاد الأوربي للشؤون الخارجية السياسية والأمنية يقول محاولا تدارك
الموقف : “إن فيروس كورونا سيعيد تشكيل عالمنا”. مضيفا في مقال بعنوان “جائحة فيروس كورونا والعالم الجديد الذي يخلقه” بأنه “يمكننا أن نكون على يقين في الوقت الذي سيحدث فيه ذلك أن عالمنا سيبدو مختلفا تماما”
وفي نفس السياق ولتعزيز ما جاء في الارضية فان جل الانتقادات الموجهة اليوم من طرف المحللين السياسيين الى المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية والقارية تتحدث عن التباطؤ في مواجهة الجائحة وعن غياب الفعالية اللازمة في التدخل وعن طغيان النزعة الشوفينية التي أشارت إليها الأرضية والتي تجاوز كل الالتزامات المترتبة عن الاتفاقيات المبرمة بين دول التكتلات الاقليمية والقارية. كما أن المنظمات الدولية وعلى رأسها هيئة الامم المتحدة ظلت قائمة على نهجها الكلاسيكي المتباطئ في معالجة القضايا والاشكاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطروحة على الهيئة. ونتذكر هنا ذلك التباطؤ والتلكؤ بل والتواطؤ في معالجة قضايا مصيرية مثل القضية الفلسطينية وقضايا الهجرة والإبادة الجماعية والإرهاب والفقر وغيرها من القضايا والملفات كانت ولازالت تقض مضاجع المجتمع الدولي. ومن جهة ثانية لم تفعل هيئة الأمم المتحدة في سياق حديثنا عن جائحة كورونا أحد المبادئ الأساسية التي أسست من أجلها هذه المنظمة ريتعلق الأمر بمفهوم “الأمن الإنساني” حيث ظل هذا المفهوم حبرا على ورق في معالجة الكثير من الكوارث الطبيعية التي شهدها العالم في العديد من الأقطار. وعودة إلى موضوع الوثيقة ، نشير الى ان هذه الأخيرة قد اكدت على ان دول العالم بإسره غير مؤهلة حاليا للتعاطي مع هذا النوع من المخاطر وانها لم ترق بعد لتجاوز انانيتها الفردية او الوطنية في مثل هذه الازمات خاصة مع تنامي الشوفينية والعنصرية لدى مجتمعات الدول العظمى في العقد الأخير، وهذا ما تأكد من خلال المسارعة الى اغلاق الحدود مع ما تبعها من تدابير واجراءات انعكست سلبا على التبادل الاقتصادي والتجاري وكذلك على الملايين من المواطنات والمواطنين الذين ظلوا عالقين خارج اوطانهم طيلة الحجر الصحي. حيث أخدت كل دولة تهرول لوحدها لحماية مواطنيها لكن دون ادنى اهتمام بما يجري خارج حدودها علما ان الفيروس هو عابر للقارات ومخترق للحدود ولا يميز بين الشعوب والإثنيات ولا يفرق بين الدول الغنية والدول الفقيرة ولا يميز بين أصحاب الثروات والمعدمين.
لقد كانت الارضية محقة حين أكدت بان هذه الجائحة لها تبعات أقوى من الحروب والأزمات الاقتصادية، وبالتالي لم تبق الأرضية محصورة عند تشخيص الوضع وانتقاد التعاطي الدولي مع الجائحة بل تجاوزت ذلك الى اقتراح تصورات وحلول تندرج في اطار ما سمته ب “التعاقد العالمي الجديد”. ومن بين هذه الحول تقترح الوثيقة بأن يتم تجاوز المقاربة الاختزالية في الدفاع عن الحقوق السياسية والسوسيو-اقتصادي والثقافية الى المقاربة المشمولية المتمثلة في الدفاع عن حقوق الكوكب والاجيال الصاعدة. واكدت الوثيقة على ان تواجد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وتواجده داخل التحالف التقدمي الدولي يجعله ملتزما بالترافع والدفاع عن إصلاح هياكل و صلاحيات المنظمات و التكتلات الدولية و القارية والإقليمية من أجل جعلها قادرة على النهوض بأدوارها ارتكاز مبادئ التضامن و التعاون المشترك عوض الانغلاق و الشوفينية والأنانيات الوطنية.
وفي إطار توضيح حجج الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها الفيروس على الصعيد الدولي اعتبرت الوثيقة أن هذه الأزمة هي الأقوى مند 100 سنة. و بأن نسبة الركود الاقتصادي الناتجة عنها ستصل إلى %8- في منطقة الأورو وإلى % 14- في بريطانيا. وبأن فقدان الشغل سيبلغ معدله ما بين 20% و 30%. مما سيدفع بعض الحكومات و أبناكها المركزية إلى انتهاج سياسة إرادوية وانغلاقية. ونشير في هذا الصدد وتحت ذريعة انحياز امنظمة العالمية للصحة فإن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية قد لوح مؤخرا بتوقيف مساهمات بلده في المنظمة العالمية للصحة. بل لوح أيضا بتوقيف او التقليص من حجج المساعدات المقدمة إلى عدد من الدول الفقيرة.
أمام هذه التدابير المحتملة من طرف بعض دول العالم و على رأسها الدول العظمى، أكدت الوثيقة بأنه أمام هذا الضغط “لسنا مضطرين للاختيار بين الليبيرالية المتوحشة – التي تنتصر للأقوى و تسحق الأضعف- من جهة و السياسات
الحمائية المنغلقة و الشوفية من جهة أخرى” و قد اقترحت الوثيقة في هذا الصدد العمل على إعادة النظر في سلاسل الإنتاج العالمية في المستقبل و ذلك من خلال الارتكاز على 3 توجهات كبر ى و هي
– تأمين حد أدنى من الاكتفاء الذاتي من بعض المنتجات و تكوين مدخرات استراتيجية من المواد التي يستحيل انتاجها .
– تخفيض بصمة الكربون للسلع
– تجاوز منطق السلع الأرخص لصالح السلع الأجود و الأكثر استدامة بيئيا و اجتماعيا
و في ختام قراءة هذا المحور يتبين بأن الوثيقة لم تهتم فقط بتسجيل تداعيات وباء كورونا على الصعيد العالمي، بل تجاوزته إلى اقتراح تصورات و حلول بل وعبرت عن التزام الإتحاد الإشتراكي من خلال امتداداته الدولية و القارية والإقليمية إلى الترافع من أجلها والدفاع عنها.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image