أنوار بريس
الأربعاء 27 مايو 2020 - 12:49 l عدد الزيارات : 32383
أبو ياسمين
بشكل متواتر، غزت تدوينات حبلى بقيم التطرف والكراهية والعداء للأديان حيطان الفيسبوك منذ يومين.
بين الفعل وردود الفعل غرقت وسائط التواصل الاجتماعي في كثير من عنف اللغة وبؤس التحليل وضيق الأفق الذي لا يستوعب خطورة تقمص دور ” تلميذ الساحر l’apprentit sorcier”.
والحال أن الخطابات العدائية المعزولة جدا والماسة بالرموز الدينية للمسلمين ، بعضها انفعالي عارض كحالة الفنان رفيق بوبكر والبعض الآخر مؤسس على اختيارات فكرية، وبغض النظر عن سقوطها المجاني والمقصود أحيانا في قلب النقاش العمومي، تشرع واسعة أبواب أسئلة متلازمات الحرية/المسؤولية، الاختلاف/ التعايش، الحق/ القيد، الحوار للتوافق/ المواجهة للتصادم، وغيرها من التناقضات الأساسية التي يتبين جليا أن فئة عريضة، تعيش بين ظهرانينا، لازالت تقتات على استدامتها.
حالة رفيق بوبكر، وهو عفوي إلى درجة قتل العقل الجمعي أحيانا كثيرة، تذكر بواقعة الفنان البشير السكيرج الذي تم توثيق “لغوه” في غفلة منه ونشره على أوسع نطاق مع سبق الإصرار والترصد. لكن العفوية أو انعدام التمييز لحظتها لا يرفعان المسؤولية الثابتة عن الأفعال المثبتة، والتي اعتذر عنها مرتكبها فيما تناسلت المشانق على الفيسبوك تطالب بحريته… بل وتطالب برأس أستاذة فلسفة اقحمت شخص الرسول، بشكل عدائي ومستفز،في نقاش حول ظاهرة اجتماعية لا يمكن مناقشتها بمنطق التسطيح الذي اعتمدته عنوة لتسقط طائرة الحديث في حديقة الإرث النبوي الذي لا يمكن لعاقل متنور أن يناقشه خارج سياقه…
كرة الثلج لم تتوقف مع فتح تحقيق مع الفنان رفيق بوبكر ووضعه قيد تدابير الحراسة النظرية ، فقد زادت الأصوات المطالبة بتطبيق حدود الشرع صخبا، كما تنادت قلة من الجهةالمقابلة إلى إعادة إنتاج خطاب العداء للرسول محمد تحت مسمى التضامن مع أستاذة الفلسفة المثيرة للجدل…
للأسف، نصعد نزولا إلى الهاوية، في كل مرة نكتشف أن سنوات التضبيع لم تسقنا إلا إلى زوايا تفكير معتمة يصدم فيها بعضنا بعضاً ما تململنا…
نزولا من زمن التراشق بالأفكار ومحاولات تفكيك بنيات المفاهيم المؤسسة لكل منظومة ايديولوجية مقابلة، هوينا سريعا إلى قاع تقاذف التوصيفات المستفزة والعدائية والعنيفة يتساوى في ابتذالها مناصر تطبيق الشرع مع مدعي الحداثة.
والحال أنه ليس من الحداثة في شيء استهداف المعتقدات الدينية والفكرية للآخر، وليس من الحداثة في شيء معاداة التاريخ تحت مسمى القطائع. فالتاريخ تطوري تراكمي لا قطائع فيه.
في المقابل، يتأكد لنا يالملموس ترسخ الفكر الداعشي في كثير من الذهنيات الكامنة… تستثار من حين لآخر لتطلع علينا بلغة “ضرب الأعناق” و ” إقامة الحدود” محاولة رفع سقف دموية النقاش الحر وجره من وراء الشاشة إلى الشارع…
انتبهوا إلى ارتفاع منسوب العنف والكراهية والتسطيح على مواقع التواصل الاجتماعي، يتعاظم ككرة ثلج تتحول بالتدريج إلى غبار ينعدم معه اي وضوح في الوجهة…
انتبهوا إلى موجة التوظيف السياسي المقيت للفيسبوك لتصفية الحسابات، وصناعة منابر للغو الجهلاء والمتطرفين من أقصى اليمين وأقصى اليسار.
انتبهوا، هذا نقاش مفتعل في زمن لا يحتمل هدر مزيد من الزمن الثقافي، السياسي، والتنموي.
تعليقات
0