سعيد أخيطوش يكتب عن الأزمات والأوبئة: لا لقاح إلا التعليم

أحمد بيضي الثلاثاء 9 يونيو 2020 - 21:43 l عدد الزيارات : 17365
  • ذ. سعيد اخيطوش (°)

   تعتبر الأزمات والأوبئة، من قبيل covid-19، محكا حقيقيا لاختبار قدرة الدول والأفراد على التأقلم والاتحاد لمواجهة التبعات الاجتماعية، خصوصا على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، ويمتد الاختبار في غالب الأحيان ليشمل النظام التعليمي ومدى إنتاجيته للأطر القادرة على مواجهة كل جائحة وكذا إنتاج وعي جمعي ضامن للالتزام بالتدابير الاحترازية والانخراط في مختلف المخططات الرامية لوقف الأضرار وحماية الأفراد من إصابات قد تكون مميتة أحيانا. فمواجهة أي وباء أو أزمة صحية عالمية غالبا ما تستوجب تظافر جهود المنتظم الدولي وكل مكونات الدول من خلال البحث العلمي وتوفير وسائل الوقاية والعلاج ثم توفير هامش المناورة الاقتصادية والاجتماعية لتفادي الهزات السياسية الكبرى القادرة على زعزعت استقرار المجتمعات وتفادي الحروب والاضطرابات القوية.

   فمراقبة وتتبع تفشي وباء  covid-19أظهر للجميع مدى اعتماد الدول على نفسها، وخصوصا بعد تسجيل حالات السطو وسرقة مساعدات موجهة لدول ضعيفة على مستوى دول لها باع كبير في التحضر والمدنية الحديثة، كما أن انطلاق عمليات البحث عن اللقاحات المحتملة، وكذا الصناعة الدوائية المرافقة لهذا الوباء أكدت بأن المجتمعات عليها الانتظار والتأقلم مع تواجد الفيروس التاجي قبل الوصول لحل نهائي دون الخضوع لضغوط الشركات الخمس العملاقة في صناعة الدواء عبر العالم كما وقع في حالة وباء “إيبولا” الذي حصلت إحدى الشركات المعنية على اعتماد صنع اللقاح منذ 2014، ونظرا لعدم قدرة الدول على التجاوب مع التبعات المالية المفروضة جراء ذلك، لم يتم إنتاج هذا اللقاح إلا سنة 2016 وبأعداد غير كافية لكل الدول الإفريقية المصابة.

    فالمتتبع للمعطيات والإحصاءات الدولية الخاصة بوباء كوفيد-19 وخصوصا المتعلقة بالدول الإسكندنافية، كالنرويج ثم الدنمارك وفنلندا، ثم دول أخرى كالأردن ودول أفريقيا ثم كوريا الشمالية والصين، نجد بأن مجموعة الدول الأولى استطاعت محاصرة الوباء دون تكاليف ضخمة مقارنة مع المجموعة الثانية التي سخرت الجيش والشرطة والأطقم الصحية واعتمدت في الكثير من الأحيان على الزجر والعقوبات لتنفيذ الحجر المنزلي وتفادي التنقلات والاختلاط، فالمجموعة الأولى قد سبق لها واستثمرت في رفع منسوب الوعي لدى مواطنيها علما أنها دول استطاعت القضاء على الأمية منذ زمن بعيد، لذلك فعمليات التواصل مع كل المواطنين تتسم بالسلاسة والمرونة، عكس الدول التي تعرف نسب كبيرة ومرتفعة للأمية فتحقيق التواصل مع المواطن يحتاج مجهودا كبيرا ومعدات لشرح المطلوب كل مرة.

    ولفهم الواقع العالمي الجديد لابد من استحضار تاريخ الأزمات الصحية والأوبئة على المستوى العالمي أيضا، ثم استخلاص الدروس والعبر مما جرى مثلا خلال تفشي الحمى الإيبولية النزفية (إيبولا) الذي تراوح معدل الإماتة بالنسبة لها بين %25 و %90، ثم متلازمة الشرق الأوسط التنفسية التي تجاوز معدل الفتك فيها %30. مع الرجوع لدور التعليم ومنظومة التربية والتكوين في تفادي الأسوأ على مستوى التفكير الجمعي، دون إغفال مستويات الأمية في الدول الأفريقية والشرق الأوسط خلال فترة تفشي تلك الأوبئة، كما أن استثمار معطيات التعامل مع انتشار فيروس نقص المناعة البشري على مستوى العالم يؤكد بأن حدة الأزمات الصحية والأوبئة تنخفض بشكل ملحوظ كلما تعلق الأمر بمجتمعات ودول ذات نسب أمية منعدمة ونظام تعليمي متين ومنتج للوعي الإيجابي والحرية والاستقلالية.

    فالتعليم الجيد هو أساس الصحة والرفاهية، لكي يعيش الناس حياة صحية ومنتجة فهم يحتاجون إلى المعرفة لتفادي الأمراض والأوبئة، ولكي يتعلم الأطفال والمراهقون، يجب أن يتمتعوا بصحة جيدة. كما أن إحصاءات تقرير اليونسكو العالمي لرصد التعليم يبين بأن بلوغ مستويات أعلى من التعليم بين الأمهات مثلا يحسن معدلات تغذية الأطفال ويحقق المواظبة على تلقيحهم، مع تقليل وفيات الأطفال التي يمكن الوقاية منها ووفيات الأمهات ثم عدوى فيروس نقص المناعة البشري. فالتعليم بذاته هو حافز للتنمية والمعاينة الصحية حيث يؤكد إعلان إنشيون (التعليم بحلول عام 2030: نحو التعليم الجيد المنصف والشامل والتعلُّم مدى الحياة للجميع) لعام 2015 أن التعليم يطور المهارات والقيم والمواقف التي تمكن المواطنين من عيش حياة صحية وسليمة، واتخاذ قرارات مستنيرة، والاستجابة للتحديات المحلية والعالمية.

   فالواضح والجلي أن كل الدول تحاول الاعتماد على نفسها وابتكار أدوية ولقاحات قادرة على القضاء على الفيروس التاجي حاليا للخروج بأقل الأضرار الناجمة عن أزمة اقتصادية خانقة يعيشها العالم، فأصبحت صور الابتكارات والاختراعات تملأ قصاصات الأخبار كل يوم، كما أن الاعتراف بالكفاءات الوطنية والمحلية سمة العصر الحالي: فقد شهد المغرب مثلا اختراع عدة أجهزة وطرق للتعقيم والنظافة ثم أجهزة التنفس الاصطناعي من قبل مهندسين محليين بالإضافة لتمكن فريق طبي وطني من ابتكار تحليل سريع للكشف عن حالات العدوى بين الحالات المحتملة ليبقى التساؤل المطروح هو: ما مصير هذه الكفاءات في الحالة العادية وغياب أي وباء ولماذا لم نشجع الكفاءات المخترعة من قبل خصوصا في المجال الطبي الذي يبدع فيه العديد من المغاربة ولكن خارج أرض الوطن وبجنسيات أخرى؟.

   وبالرجوع لنشرة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) في قطاع التربية والتعليم تحت عنوان: التربية أولا (العدد:10 -يوليوز-شتنبر 2004)، نجدها قد دعت لاعتبار التعليم كلقاح لتفادي انتشار فيروس نقص المناعة البشري من خلال التوعية والرفع من منسوب المعرفة العالمة ومحاربة الأمية لتحقيق الدور الحقيقي للتعليم على نطاق واسع، وذلك بإدماج التربية الصحية في مناهج جديدة وعصرية تعمل على إقرار الاستقلالية والمبادرة وغرسها في نفوس الأفراد. لهذا ففشل العديد من التجارب الخاصة بلقاحات covid-19 والتغيير الدائم للمعلومات الدولية الخاصة بفيروس sars-cov-2 المسبب له، لا يترك أمامنا أية فرصة للتهاون أو التأخر في اعتماد التعليم كلقاح فعال للأزمات الصحية والأوبئة الحالية والمستقبلية من خلال:

  1. إدماج المناهج الدراسية في منظومة متكاملة للتربية الصحية وليس اعتبار التربية على الصحة والنظافة مكون صغير ضمن باقي مكونات المناهج حيث أنه بهذه الطريقة سيتم اعتبار التربية الصحية كفاية مستعرضة يتم العمل على تحقيق نماءها ضمن كل المواد والمكونات الأخرى.

  2. إرساء منظومة قوية للبحث العلمي وتشجيع الكفاءات المحلية مع تحرير مجال البحث وفق ميثاق أخلاقي وإداري مضبوط ومرتبط بالواقع المغربي، دون إغفال التكفل التام لهيئات الدولة والجماعات الترابية بضمان وتسجيل حقوق الملكية الفكرية لأصحابها.

  3. مراجعة شاملة لكل برامج محاربة الأمية التي تستنزف الميزانية العامة دون نتائج إيجابية على المستوى الميداني الواقعي رغم الأرقام والنتائج المقدمة، سواء من قبل الهيئات النظامية أو الجمعيات المشتغلة في هذا الميدان والمستفيدة طبعا من الأغلفة المالية المعتمدة لدعم البرامج دون أية مراقبة صارمة من قبل جهاز تابع للدولة.

  4. رد الاعتبار للكفاءات المحلية والوطنية من خلال التعريف بها في قنوات الإعلام العمومي ودعم تواجدها في المنتظم العلمي الدولي لنقل التجارب ومواكبة التطورات الحاصلة علميا على المستوى العالمي، وهذا سيشجع أبناء المغرب على البقاء في الجامعة المغربية ومراكز البحث الوطني وعدم مغادرتها إلى دول أخرى.

  5. توقف ومواجهة كل البرامج الرامية إلى إبقاء الشباب خصوصا والأفراد بشكل عام في حالة السلبية وفقدان الأمل في تحقيق النجاح داخل أرض الوطن وفي مجالات مختلفة لتجاوز حالة اليأس الجماعي التي نلاحظها لدى فئات عريضة من المجتمع.

  6. إصلاح الجامعة المغربية بشكل جدي واعتبارها قاطرة لتحقيق التنمية والنهوض العلمي، مع مراجعة أهداف التنمية لتضمينها أهداف إنتاجية وعدم الاقتصار على الهدف الاستهلاكي من خلال استيراد تجارب غالبا لا توافق الخصوصية المغربية.

  7. اعتبار قطاع التربية والتكوين قطاعا استراتيجيا مع إرساء منظومة متكاملة لتحفيز العاملين به وتقويم أدائهم المهني دون إغفال الارتقاء بالشؤون الاجتماعية لكافة المتدخلين فيه.

   بهذا الشكل يكون التعليم بمثابة اللقاح الفعال والوحيد لما نشهده حاليا من انتشار واسع للوباء الحالي والأوبئة المستقبلية دون إغفال ضرورة تكامل مختلف البرامج الرامية لتحقيق التنمية وتعزيز الحريات تكريما للإنسان بصفة عامة ثم احتراما للمواثيق الوطنية والدولية. فالتعليم الشعبي والمتاح لكل فئات المجتمع بنفس الشروط والجودة هو الكفيل برفع منسوب الوعي والقضاء على الأمية التي عمرت طويلا خصوصا لدى فئة عريضة من السكان النشيطين.

   لهذا فما يجري حاليا، وما جرى، أكد ويؤكد للجميع بأنه لا مناص من الاعتماد على الذات وتحقيق الاكتفاء من الأطر والمعدات وتوفيرها بشكل مريح للميزانيات العامة، وهذا طبعا هدف بعيد لا يمكن بلوغه بسرعة وبأقل تكلفة إلا بالاعتماد على كل ما هو محلي وتحسين الإنتاجية الوطنية في كل الحقول، غير أن حقل التعليم يحافظ على خصوصيته وذلك لكون هذا الميدان هو المزود الأساسي لباقي الميادين بالأطر والتجربة العلمية القادرة على تحقيق الإبداع والخلق.

 (°) مفتش تربوي بمديرية خنيفرة
تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image