محرقة الكتب بباب دكالة تعيد إلى الواجهة محنة الكتبيين بمراكش
إدارة النشر
الأربعاء 24 يونيو 2020 - 02:00 l عدد الزيارات : 21145
مكتب مراكش: عبد الصمد الكباص
رفض مثقفون و فاعلون جمعيون يعنون بالتنمية بمراكش، أن يطلق على حادث اندلاع النيران في مجموعة من محلات بيع الكتب المستعملة بسور باب دكالة، تسميةحريق، مصرين على أن الأمر يتعلق بمحرقة، بكل ما يتضمنه هذا اللفظ من رمزيةو معاني مأساوية تشير إلى محنةالكتاب و الكتبيين بالمدينة الحمراء. و اعتبروا أن الحريق الذي نشب صباح الاثنين الماضي، والذي آتى على الآلاف من الكتب و منها نسخ نفيسة لطبعات قديمة، يجسد استكمالا لمسلسل التنكيل بالكتبيين منذ القرار البلدي المشؤوم الذي اتخذ في نهاية السبعينات من القرن الماضي و القاضي بطردهم من مكانهم الأليف ساحة جامع الفنا، لتنطلق منذ ذلك الحين دوامة من التشريد و الاستهتار و التلاعب تقاذفت فيها الكتابَ و الكتبيين أقدارُ متضاربة و مصائر تراجيدية.
حريق باب دكالة، الذي لم يُعرفبعد إن كان مدبرا أو مجرد حادث، أعاد إلى الواجهة محنة باعة الكتب المستعملة، و أجج من جديد استياء ظل يعتمل في نفوس الغيورين على الروح الثقافية للمدينة الحمراء منذ سنة 1979 حيث اتخذ رئيس المجلس البلدي حينها قرارا بترحيل الكتبيين من ساحة جامع الفنا إلى تخوم مقبرة بالقرب من مسجد الكتبية، و بعدها بثلاث سنوات يصدر قرار آخر بترحيلهم إلى حديقة عرصة البيلك، و بعدها بسنة يُطردوا من جديد إلى سوق الازدهار خلف المحطة الطرقية لباب دكالة، إلى أن جاءت الجرافات و دكت السوق الذي تحول إلى موقف لسيارات الأجرة، لينقلوا إلى حيث يوجدون اليوم بجانب السور بنفس المنطقة. و في هذا الطريقالملئ بالتنكيل و التلاعب واصل الكتبيون نضالهم دفاعا عن مطلبهم المشروع بإعادة الكتاب إلى ساحة جامع الفنا، و منهم من مات كمدا على هذا المصير المحزن لأعز ما يُطلب،و منهم من يواصل نضاله المستميت إلى اليوم أملا في أن يوجد مسؤول ذات يوم يحتفظ للكتاب في روحه بقليل من الاعتبار.
و ظل هذا التعامل المسيء للكتبيين من قبلمسؤولي مراكش مبعث تساؤل مقلق حول السبب الدفين في هذا الحقد المتوارث على الكتاب، و هذه الرغبة المتواصلة في الزمن منذ أربعة عقود لتعقبه و تهميشه و تبخيس قيمته، كما لو كان الشيء الوحيد الذي لا يُحتمل حضوره بساحة جامع الفنا بعد أن سمحوا بأن يستفحل كل شيء مهما بلغت درجة ابتذاله إلا الكتاب.
و علق الشاعر و الإعلامي و الفاعل الجمعوي مصطفى غلمان على محرقة الكتببباب دكالة قائلا ” عمليات الحرق بدأت من تسعينيات القرن الماضي٬ بلغات التعنيف الرمزي٬ والتهديد بالاقفال وسحب الرخص البلدية. وأحيانا كثيرة ابتدعت ماكينة السلطة المحلية أساليب جديدة لاحتقار المكتبات التقليدية٬ التي كانت ولا تزال جزءا من النسيج الثقافي والحضاري للمدينة الحمراء..عملية الحرق الجديدة ليست مفاجئة٬ وهي صورة مصغرة لمجموع آليات التقتيل المبرمجة للكتاب والمكتبات المتنقلة لبيع الكتب المستعملة بمراكش٬ طيلة ثلاثة عقود ونيف.”
و أضاف الشاعر مصطفى غلمان إذا عرفت الأسباب بطلت كفايات التعجب واستنزاف العقل. فمسؤولو المدينة سرعان ما يعودون لتقطيع المواجع الساكنة بالباراشوت٬ ذلك القفز المأسور بفعل الإغواء والتدافع خارج سياقات التاريخ والبشر والحجر..وللذين يشككون في مآلات هذا الجحود المروع لبلاد العلم والعلماء ٬ أن يطلعوا على كرونولوجيا التشتيت المبرمج لمنصات الثقافة٬ بدءا بالساحة الشهيرة جامع الفنا٬ مرورا بموقع الكتبية٬ وانتهاء بباب دكالة..”
لم تكن محلات الكتب المستعملة بباب دكالة مجرد فضاء للاتجار بالكتب، و أنما تكرست في العقود الأخيرة في وجدان أجيال متلاحقة من المثقفين و الطلبة، برمزية دافقة كما لو كانت تجسيدا صغيرا لسور الأزبكية بالقاهرة، و ما يحفل به من حياة ثقافية، إذ ظلت هذه المحلات رواقا مفتوحا لملتقى ثقافي متواصل ،تتبادل فيه الكتب و تتم الاستشارات بين الطلبة و المثقفين، و يعثر فيه متعقبو النفائس من الطبعات القديمة على ضالتهم. إنه قلب حقيقي ينبض لاستدامة الحياة العقلية للمدينة.
و سواء كان هذه الحريق ( الذي يحمل في ثناياه مضامين محرقة رمزية للاعتبار اللازم للكتاب في قلب المدينة) فعلا جبانا وراءه روح خبيثة لا تستسيغ الضوء المشع للتنوير، أو مجرد حادث عرضي نتجت عنه كارثة ثقافية مؤلمة، فما يأمله المثقفون و الأصوات الحرة الغيورة على مراكش، هو أن يكون ناقوسا يدفع المسؤولين بالمدينة إلى العودة إلى جادة الصوابو التكفير عن الأخطاء القاتلة التي استهدفت حياة الكتاب بها، بالتدشين السريع لمشروع يعيد الاعتبار للكتبيين و الكتاب في فضاء يليق بالرمزية الكبيرة و القيمة المؤسسة التي يحظى بها عالم الكتب، صيانة لوجه المدينة المشرق الذي أثقلته القرارات الفاذحة بالندوب و الجراح.
تعليقات
0