رحلة جوية استثنائية ما بين الدار البيضاء وباريس في أحضان وباء كورنا

إدارة النشر الأربعاء 2 سبتمبر 2020 - 09:30 l عدد الزيارات : 19913

باريس : يوسف لهلالي

وصلت الرحلة الاستثنائية القادمة من الدار البيضاء  إلى باريس في الوقت المحدد لها وهو 17 و45 دقيقة دون تأخر، إلى  مطار شارل دوغول شمال باريس، الذي يفاجئك بهدوئه المثير والغير عادي، لقلة الطائرات الوافدة إليه أو التي تغادره وكذلك عدد المسافرين في بهو المطار.  وكذلك الأجواء داخل المطار حيث ينتابك إحساس غريب، وكأنك تتجول في مستشفى وليس في فضاء للسفر، كل شيء يذكرك بخطر الوباء القاتل الذي يتربص بالجميع. وهو خطر غير مرئي لا يكاد يصدق. هذه الفضاءات المغلقة التي كانت مخصصة للترفيه او للشراب او للأكل او للتبضع  بعضها مغلق والبعض الآخر خال من الزبناء. وكأنك تزور فضاءا يفتح من جديد بعد حرب أو كارثة كبرى.

كنت أقول مع نفسي والطائرة تتجه نحو ممر الوقوف المخصص لها، علي التأقلم والتعايش مع وباء كورونا سواء خلال العمل أو خلال السفر. عندما توقفت  الطائرة فتحت هاتفي، نفس الاخبار تتردد  و أغلبها  كالعادة مند خمسة أشهر هي حول تطور وضعية الوباء، الأرقام كانت مقلقة في المغرب من حيث ارتفاع الحالات المصابة، فرنسا هي الأخرى تتجه  نحو نفس المنحى،اليوم الخميس 27 غشت تميز بارتفاع   كبير في عدد الإصابات  بفرنسا التي تجاوزت عتبة خمسة آلاف حالة، والحكومة تقرر فرض الكمامة في شوارع باريس وضواحيها وفي أكبر المدن الفرنسية،  لوقف هذا الانتشار ووقف التراخي الذي ساد بين الناس أثناء فترة العطلة التي يتنقل فيها الناس بكثرة.

هي أخبار غير سارة وربما ندخل إلى موجة  ثانية  من هذا الفيروس القاتل والذي خرب اقتصاد العالم سواء في البلدان الغنية أو النامية.  وأنا أتابع هذه الاخبار  في هاتفي، وجدت نفسي امام  شرطة الحدود، صف الانتظار كان صغيرا، وتمت الإجراءات بسرعة وهي طلب الجواز  وبطاقة الإقامة، بعدها وجدت نفسي  في مكان سحب الأمتعة، وطاولة  يوجد بها ممرضون  مكتوب عليها ” لمن يريد إجراء اختبار حول وباء كورونا” الأمر غير إجباري، و لا أحد طلب مني  شهادة الخلو من  وباء كورونا  التي كنت أحملها معي والتي أخذت مني يومين تقريبا  في المغرب من البحث عن  مختبر معترف به، وأداء ثمن  هذه الخدمة التي تعادل بطاقة طائرة في  الشركات ذات التكلفة الرخيصة.

أغلب المختبرات الطبية لم يكن ممكنا إيجاد موعد بها. أحد المختبرات بشارع عبد المومن بالدار البيضاء،  طلب مني بعث رسالة الكترونية أوضح فيها  توقيت السفر و طلب تحليل مستعجل. في البداية اعتقدت أن الأمر جدي، وبعث بالرسالة كما طلب مني مرفوقة بالمعلومات المطلوبة. لكن حتى اليوم مازلت انتظر جوابا على رسالتي الالكترونية التي بعثتها يوم الاثنين 24 غشت سواء بشكل إيجابي أو سلبي.  من حسن حظي تتوفر مدينة الدار البيضاء على معهد باستور الذي  كان فعالا، والذي أرشدني إليه أحد الزملاء مشكورا، وله فريق عمل  دو كفاءة عالية، قمت بالتحليلة  الطبية في الصباح وحصلت على النتيجة في المساء، وكان بإمكاني  أيضا الحصول عليها عبر البريد الالكتروني.

لكن كم كان الإحباط كبيرا عند صولي إلى مطار باريس  لأن السلطات الصحية  الفرنسية لم تطالب بهذه الشهادة  أي مسافر في الرحلة التي كنت بها،  على عكس ما أعلنته السفارة الفرنسية بالرباط حول اجبارية الحصول على كشف كوفيد أو  ما أعلنه الوزير الأول الفرنسي جان كاسطيكس  الخميس الماضي، يوم سفري، أمام الصحافة، أن هناك مراقبة بالمطارات الفرنسية، لكن يبدو أن هذه المراقبة  تتم بشكل عشوائي ومن حين لأخر. لهذا سيبقى على المسافرين القادمين من المغرب  التوفر على هذه الشهادة المخبرية التي تتبث عدم الإصابة بالوباء. قلت مع نفسي إن غياب المراقبة ربما  يعود  إلى أن وزراة الصحة الفرنسية لا تتوفر على العدد الكافي من الأطر للقيام بهذه المراقبة في المطارات، أو لأن أغلب هذه الأطر هي منهمكة في خوض المعركة ضد الكوفيد 19 الذي  أخد  يرتفع بفرنسا وأوربا.

في رحلة الذهاب  من باريس نحو الدار البيضاء، السلطات المغربية طلبت شهادتين للخلو من  كوفيد 19 وهما شهادتان تم التأكد منهما سواء عند القيام بإجراءات الحجز لدى الخطوط الملكية المغربية  أو عند الوصول إلى مطار الدار البيضاء مع مراقبة  درجة الحرارة، وهي إجراءات جدية بالمطار تبعث على الراحة والثقة.  وذلك في ظل أجواء الرحلة الجوية التي كانت لا تشبه الرحلات السابقة، في سفر الذهاب  كانت  ترافقني  فرحة لقاء  العائلة  والأصدقاء وزملاء العمل بالدار اللبيضاء أو الرباط. لكن  أجواء وباء كورنا فرضت وضعا جديدا،  غياب  التحية الحارة والعناق  والقبل والتي ستبقى مؤجلة إلى  حين القضاء على  هذا الوباء القاتل.

عندما ترتدي الكمامة طوال الرحلة  بين باريس والدار البيضاء  لا يمكنك الحديث بسهولة مع  الشخص الذي يجاورك في المقعد بالطائرة، ولا يمكنك طلب كأس ماء من المضيفة  التي تضع قناعا  يحجب ابتسامتها أو ربما غضبها على العمل في هذه الظروف.أثناء فترة الغداء على مثن الخطوط  الملكية المغربية  غابت الوجبة الغذائية اللذيذة وما يرافقها من مشروبات  وتم  تعويضها بسندويتش خفيف،  وحتى تبادل أطراف الحديث لم يكن تلقائيا بين المسافرين، وضع الكمامات يذكرنا  جميعا أن الوباء مازال منتشرا، بل يزداد انتشاره في الأيام الأخيرة سواء بالمغرب أو بفرنسا.

خلال هذه الرحلة  الاستثنائية رافقني كتاب ” تاريخ الاوبئة  والمجاعات  في القرنين الثامن عشر  و التاسع عشر” للباحث الجامعي الراحل  محمد الأمين البزاز الذي صدر سنة 1990 عن جامعة محمد الخامس  بالرباط. الذي انجز دراسة قيمة حول تاريخ المغرب في هذه الفترة ، وكيف عاش أجدادنا هذه الفترة العصيبة، وعرفوا  قبلنا ما هي الأوبئة والعزل الاجتماعي، والتباعد وإغلاق المدن من أجل وقف إنتشار الأوبئة مثل الطاعون والكوليرا، ووضع الحجاج القادمين من مكة في  مكان مخصص للعزل الاجتماعي” الكرنتينا”  إذا كان بينهم مرضى بأحد الجزر بمدينة الصويرة. قلت مع نفسي، لو تم إيجاد شخص مصاب  بهذا الوباء في هذه الرحلة هل سيتم تحويل وجهة الطائرة نحو مدينة الصويرة. أحيانا ننسى، لكن التاريخ هنا ليذكرنا أن ما نعيشه اليوم  عاشه أسلافنا وفي ظروف أصعب بل إن توالي هذه الكوارث على المغرب  أفقده السيادة في بداية القرن العشرين. هل تغيرت أشياء  كثيرة أم لا ؟ أو ربما ما تغير أنني اليوم  اقرأ هذه الدراسة على لوحة الكترونية بدل  الكتاب الورقي وتصل أخبار العالم عبر الهاتف المحمول؟

أجواء السفر في الطائرة وفي هذه الظروف الاستثنائية كان يطبعها الخوف والقلق، لكن الغياب عن البلد لمدة  6 اشهر كان قاسيا وغير محتمل، ولا بد من العودة لصلة الرحم، لكن كل شيء تغير،  والقارات بما فيها السفر والتنقل تخضع  لتطور الوضع الوبائي،  كنا ننتظر عودة الرحلات العادية في بداية شهر غشت، لكن  تم تغيير الرحلات العادية بالرحلات الاستتنائية. مكان الرحلة تحول  من اورلي الى رواسي، وكذا توقيتها، بطاقتي لسفر تحولت من بطاقة عادية الى بطاقة سفر استثنائية. في المطار، وعند الحجز طرحت علي أسئلة غير عادية، “هل انت مغربي” هل لديك بطاقة تعريف وطنية” هذه الأسئلة لم اكن  متعودا عليها ثناء عملية الحجر  وتسليم الامتعة.

المهم رغم حالة الاستثناء ورغم الظروف الخاصة للوباء، زرت  بلدي المغرب، رأيت العائلة والأصدقاء والزملاء وتمكنت من العمل وقضاء اغراضي في ظل هذه الظروف. ولمست  واستمتعت ببحر الطفولة الشاطئ الأطلسي الذي  يتميز بالدفئ في شهر غشت  وتمتعت به رفقة الأصدقاء والعائلة. وتعلمت درسا جديدا، وهو العيش والعمل والسفر في ظل أجواء كورنا  التي اصبحت واقعا يجب التعايش معه في انتظار إيجاد  دواء للقضاء على هذه الجائحة التي غيرت مجرى العالم الذي نعيش في كنفه.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image