أنوار بريس
الجمعة 13 نوفمبر 2020 - 23:18 l عدد الزيارات : 23687
عبد السلام المساوي تتميز المجتمعات الحديثة ، بتعدد التيارات السياسية المعبرة عن تطلعات أي مجموعة بشرية داخل دولة معينة . وقد أصبحت هذه القاعدة بمثابة بديهية لا تحتمل أي نقاش . إلا أن الملاحظ هو أننا في القرن الواحد والعشرين ، لكننا لا ولنا نعثر في الحياة الدولية على نماذج ترجع الى عهود بائدة . فهل يمكن أن نتصور أن هناك مجتمع ينتمي بأكمله الى تيار سياسي واحد ؟! نعم يحدث ذلك في إطار ما يسمى ” البوليزاريو : الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب ” ، ورغم أنها جبهة ، فلا تضم الا تيارا واحدا ينادي بالأطروحة الانفصالية . فهل يمكن تصور مجتمع كامل يؤمن بنفس الفكرة ؟ وهل هذا ” الشعب الصحراوي ” لا يعرف وجود اشتراكي واحد ، ولا شيوعي واحد ، ولا اسلامي واحد …؟!!! وبالتالي ، هل يتعلق الأمر بحركة تحرر حقيقية نحن ملزمين بالتفاوض معها ،أم ان الأمر يتعلق بتجربة لا مثيل لها في الحياة الدولية ؟ ذلك ما سنبحث فيه من خلال هذه المقالة . تمهيد كثيرا ما يصرح المسؤولون الجزائريون والأطراف المعادية للمغرب، على أن قضية الصحراء المغربية ينبغي أن تعالج في إطار ” تصفية الاستعمار “، وأن ذلك يستلزم مفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة ” البوليزاريو “، لكنهم يقفزون على العديد من الحقائق التي طبعت مسيرة حركات التحرر الوطنية التي قادت شعوبها الى الاستقلال بدعم من المجموعة الدولية . لذا ، فإن هذه المقالة ، ستحاول أن تبين ان الأمر يتعلق هنا بحالة لا يمكن معها ان تطبق المعايير الدولية لاجراء مفاوضات بالمعنى المتعارف عليه . تذكير بالحالات العادية ان الاستناد إلى التجارب الدولية ، يبين بوضوح أن تصفية الاستعمار لا تعني دائما الاستقلال . وقد سبق للأمم المتحدة أن نظمت استفتاءا في الطوغو البريطاني سنة 1956 قرر السكان من خلاله الاتحاد مع دولة غانا ؛ كما أن الاستفتاء الذي أجري في الكاميرون الجنوبي خلال سنة 1961 أدى إلى الانضمام إلى جمهورية الكامرون ، وأن الاستفتاء في الكامرون الشمالي خلال نفس السنة أدى إلى الانضمام إلى فدرالية نيجيريا . وهذا يدل على أن القاعدة الأولى لأية مفاوضات ينبغي أن تستحضر هذه المعطيات ، والا فان الأمور لا تعدو أن تكون مضيعة للوقت . أين هذا من ذاك تبعا لما سبق ، فإنه حتى إذا سلمنا نظريا أن الأمر يتعلق بقضية الصحراء ، فإنه ينبغي أن تتوفر في الطرف الذي سنتفاوض معه بعض الخصائص ، أو على الأقل حد أدنى مما كان لدى حركات التحرر الوطنية التي فرضت نفسها من خلال مصداقيتها ، واليكم بعض الأمثلة : أولا : أين ” البوليزاريو ” من حركة سوابو في ناميبيا ؟ ان الجبهة الشعبية لتحرير جنوب غرب أفريقيا ( سوابو ) التي قادت ناميبيا الى الاستقلال ، لم تتمكن من ذلك الا ظل شرطين أساسيين : اجماع المنتظم الدولي ( دولا ومنظمات دولية ) على عدالة قضية ناميبيا من جهة ، ومصداقية حركة سوابو التي كانت الممثل الشرعي للشعب الناميبي ليست كحركة تحرير وحيدة فرضت نفسها على الساحة، ولكن كجبهة تعمل ضمن تعددية حزبية . لقد كانت ناميبيا تتوفر على 11 حزبا سياسيا ( الحزب الفدرالي ، الحزب الوطني ، الحزب الليبرالي ، جبهة تحرير الشعب الناميبي ….) ولكن الشعب الناميبي اختار حركة سوابو ودعمها لتكون بمثابة الناطق الرسمي دون وصاية من أية جهة . فأين ” البوليزاريو ” من هذا ؟!!!! حركة وحيدة ، تفرض نفسها على السكان ، ولا تترك لهم حرية اختيار من يدافع عن. مصالحهم . ثانيا : أين “البوليزاريو ” من جبهات تحرير أريتيريا ؟!!! بنفس المنطق السابق ، نقول ان أريتريا ، رغم عدالة قضيتها ، والاجماع الدولي الذي حصل حولها ، فإن استقلالها تم وسط تعددية حزبية ( الحزب الوحدوي ، حزب التجمع الاسلامي ، الحزب التقدمي الليبرالي ….) ومن خلال نضال جبهة تحرير أريتريا والجبهة الشعبية لتحرير أريتريا . ومرة أخرى ، يتبين أن الشعب الأرتيري لم تفرض عليه بدوره أية وصاية من أية حركة وحيدة مثل ما يفعله ” البوليزاريو ” . صعوبة فرض وصاية على الشعوب لن تعدد الأمثلة ، ولكن يكفي أن نقول أنه لم يعد من السهل الان فرض جبهة او حركة أو حزب واحد على شعب بأكمله . ولنا في القضية الفلسطينية ( دون أية نية في المقارنة ) نموذجا للشعب الذي يخضع لاستعمار استيطاني عنصري صهيوني / ومع ذلك لم تستطع أية حركة أو جبهة فرض نفسها كوصي على الشعب الفلسطيني : فمن خلال حركة ” فتح ” , والجبهة الشعبية ، والجبهة الديموقراطية ، وحركة حماس …يعبر الفلسطينيون عن تطلعاتهم ، ولم تكن هناك من إمكانية لفرض أية ” جبهة ” الا من خلال التوافق حول منظمة التحرير الفلسطينية . المكانة الحقيقية البوليزاريو ان النماذج السابقة ، تخلص بنا إلى قاعدة تعدد الهيئات المعبرة عن تطلعات أي مجتمع ، فلماذا تصر بعض الأطراف على ضرورة التفاوض مع البوليزاريو لوحده ؟ بل لماذا لا نسمع الا عن حركة ” يتيمة ” تفرض نفسها على السكان جبرا ؟ ولماذا لا يسمح ” البوليزاريو ” للسكان الصحراويين بحرية الرأي والتنظيم ؟ أعتقد أن هذه الحركة ، ليست الا فصيلا من الحركة الوطنية الأم ، فلا يمكن والحالة هذه التفاوض الا مع مجموع هذه الحركة وليس مع جزء منها . ان أي تفاوض حول مستقبل الصحراء لا بد وأن يتم مع حزب الاستقلال ، والاتحاد الوطني / الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، ورثة حزب الشورى والاستقلال والحزب الشيوعي المغربي . ان هذه الأحزاب هي التي تتشكل منها الحركة الوطنية المغربية التي كانت تناضل ضد الوجود الاستعماري الفرنسي والاسباني معا ، فلا يمكن بتاتا أن يتحكم الجزء في مصير الكل . لا يمكن أن يتم التفاوض مع ” البوليزاريو ” لأن رأيه لا يمثل الا رأي أقلية قليلة يجب عليها الانضباط لاختيار الأغلبية الساحقة التي قالت كلمتها ولا زالت متشبثة بها .
تعليقات
0