إدارة النشر
الخميس 26 نوفمبر 2020 - 21:35 l عدد الزيارات : 25996
عبد السلام الرجواني
اخيرا تنجلي حقيقة الأطماع الجزائرية في الصحراء المغربية والدوافع الحقيقية التي جعلت حكام الجزائر يحشرون انوفهم في قضية لا تعنيهم اصلا، فسخروا كل جهودهم على امتداد عقود، لخلق حركة انفصالية ودعمها عسكريا ودبلوماسيا في حربها ضد المغرب ووحدته الترابية و سيادته الوطنية. في الأصل لم تكن حركة البوليساريو سوى جماعة من الشباب الصحراوي المتعلم بالجامعة المغربية والناشئ في مدن مغربية وأسر صحراوية مندمجة اجتماعيا وثقافيا في المجتمع المغربي المتنوع الثقافات والمتعدد الروافد،؛جماعة نادت في البلدية بتحرير الصحراء من الاستعمار الاسباني وعودتها الى احضان الوطن الام، ولولا اخطاء السلطات المغربية التي قمعت مظاهرة طانطان التي اطرها أولئك الشباب وهم يحلمون الاعلام الوطنية، واستغلها النظام الجزائري بتنسيق مع نظام معمر القذافي لما كانت البوليساريو. لكن يبدو ان النظام الجزائري كان سيبحث عن حصان طروادة آخر كيفما كان، وبأي مبرر كان، لمعاكسة المغرب في تحرير صحرائه واستكمال وحدته الترابية؛وذلك لاعتبارات استراتيجية مرتبطة بعقيدة الحكم العسكري الجزائري ونزوعاته التوسعية. هكذا ناصب حكام الجزائر العداء للمغرب منذ الانقلاب على بن بلا، وتنكروا للتاريخ الكفاحي المشترك ضد الاستعمار ولكل الروابط الاجتماعية والثقافية الموصولة بين الشعبين، وأعلنوها حربا شعواء ودائمة ضد المغرب تحت ذرائع اديولوجية احيانا ولاهداف توسعية ثابتة لم تنل منها التحولات العميقة التي شهدتها العلاقات الدولية بعد انهيار جدار برلين ونهاية الحرب الباردة. وعل نفس النهج العدائي سار جنرالات الجزائر عندما انخرط المغرب في معركة استرجاع أقاليمه الصحراوية، فعبؤوا كل إمكانات الجزائر الاقتصادية والمالية والعسكرية وعلاقاتهم الدولية في افريقيا والعالم لدعم حركة انفصالية صنعوها صنعا في مطبخ المخابرات الجزائرية والليبية. على امتداد النزاع المفتعل كان حكام الجزائر لا يتوقفون عن ترديد لازمة لم يثق فيها سوى الحكام انفسهم، مفادها ان دعمهم البوليساريو موقف مبدئي اتجاه شعب يسعى لتقرير مصيره وتحرير وطنه المحتل من قبل الجيش المغربي. انها الأطروحة الأساسية التي اعتمدتها الجزائر لتبرير موقفها من جهة، ولتعبئة دول اخرى لنصرة قضية ” الشعب الصحراوي” في المحافل القارية والدولية. وهي الأطروحة التي اعتبرناها دوما اطروحة زائفة، ما انفكت الدولة الجزائرية تتستر من خلالها عن نواياها الحقيقية المرتبطة بروح الهيمنة التي سكنت حكام الجزائر الذين اغرتهم عائدات النفط الضخمة ببسط نفوذهم على المنطقة الى حدود المحيط الاطلسي والى أعماق افريقيا حتى جنوبها، وهو هدف لا يمكن بلوغه الا بتطويق المغرب البلد المؤهل لمنافسة الجزائر حسب حكامها.
فما الذي حدث حتى نطق حكام الجزائر الحاليين بالحق، وأعلنوا جهارا وعن طواعية عن طموحاتهم الحقيقية، وطالبوا ان يعاملوا كطرف معني بقضية الصحراء المغربية، وكشريك فعلي في اية مفاوضات مقبلة، لأن الامر يهم الامن القومي للجزائر ومصالحها الاستراتيجية؟ جوابا عن السؤال، وجبت الاشارة الى جملة من الحقائق التاريخية المرتبطة بالعلاقات المغربية الجزائرية التي خلقت لدى حكام الاوليغارشية العسكرية الجزائرية عقدة لم يقدروا على تجاوزها حتى الآن، وتتمثل في:
– المغرب دولة عريقة امتدت أطرافها الى بلاد السودان والى الاندلس، وضمت في فترات تاريخية نواحي من جزائر اليوم، وعاش الشعب المغربي حرا عزيزا موحدا، مما مكنه من الصمود في وجه كل محاولات الغزو الأجنبي سواء القادم من الجزيرة الايبيرية او من الإمبراطورية العثمانية. وحدة الشعب المغربي منحته هوية ثقافية واجتماعية متينة تميزت بتنوع تضاريسها وغنى روافدها. في المقابل لم تتشكل الهوية الجزائرية الا خلال حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي الذي احتل الجزائر لما يناهز قرنا ونصف قرن بعد استعمار عثماني استمر ثلاثة قرون. ومن المؤسف ان الحكام الجزائريين اختاروا ان يؤسسوا تلك الهوية على خلفية معاداة المغرب الذي غامر باستقلاله الوطني دفاعا عن الجزائر وخاض من اجل ذلك معركة ايسلي التي مهدت لعهد الحماية، كما احتضن الثورة الجزائرية وقدم لها كل الدعم رغم محدودية قدراته الاقتصادية والعسكرية بداية الاستقلال.
– حرب الرمال سنة 1963 عمقت لدى القيادة الجزائرية والنخبة الجزائرية الشعور بالدونية اتجاه المغرب الذي اكتفى في تلك الحرب برد العدوان ولم يستغل تفوقه لاسترجاع الأراضي المغربية الشاسعة الاطراف التي اقتطعها الاستعمار الفرنسي من المغرب وضمها للجزائر قبل استقلالها…
– رغم تواضع الموارد الاقتصادية للمغرب مقارنة مع مثيلاتها في الجزائر المالكة للنفط والغاز، استطاع المغرب، خاصة خلال العقدين الماضيين، ان يرسم لنفسه مسارا تنمويا واعدا، عماده بنيات تحتية حديثة، وميزته التنوع والمرونة والانفتاح، في حين ابان النموذج التنموي بالجزائر عن فشله التام في تحقيق تنمية متوازنة او في تحقيق الرفاه للشعب الجزائري الذي يعاني اليوم في ظل تراجع الريع البترولي من ظروف صعبة..
– فضلا عن ذلك استطاع النظام السياسي المغربي ان يطور ذاته وان يتحول تدريجيا من ملكية مطلقة وحكم فردي مستبد الى ملكية ديمقراطية عصرية تحكمها مؤسسات وتؤطرها قوانين تستلهم حقوق الإنسان وتلتزم بمواثيقها الكونية. انه التطور الذي ضمن للمغرب استقراره السياسي ومنحه القدرة على الصمود اتجاه التقلبات الكبرى التي عاشتها أقطار عربية زمن خريف حسبه البعض ربيعا عربيا، كما مكنه من مواجهة الإرهاب والتطرف. في حين ادى نظام الحزب الواحد بالجزائر الى خنق الحياة السياسية ووأد التعددية السياسية، وبالتالي الى انفجار دموي للتناقضات الاجتماعية التي لا يخلو منها اي مجتمع؛ فعاشت الجزائر عشرية سوداء لم تكن كافية ليأخذ جنرالات المرادية ما يكفي من دروس وعبر لتحقيق الانتقال الديمقراطي والمصالحة الوطنية مثلما حدث بالمغرب بعد سنوات الجمر والرصاص.
وقفنا عند هذه الحقائق، اقتناعا منا، انها العوامل الأساسية التي يمكن ان تساعد على فهم الموقف العدائي الدفين لحكام الجزائر من المغرب. انهم يرون في النموذج المغربي، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، نقيض وجودهم، وتسفيها لاختياراتهم، وشاهدا على فشل نموذجهم. ولنعد الى طرح السؤال: ما الذي جعل المسؤولين الجزائريين يبوحون بحقيقة اطماعهم وصدق نواياهم بعد محاولة التخفي وراء شعار ” تقرير المصير” لما يناهز نصف قرن؟
في الواقع، لم تكن واقعة الكركرات سوى القشة التي قصمت ظهر البعير الجزائري، وأخرجت الفأر من جحره. فمن الواضح أن البوليساريو، ومن ورائها، حكام الجزائر الجدد، ارتكبوا خطأ تكتيكيا لم يتصوروه ان يتحول إلى خطإ استراتيجي قاتل. فهم لم يحسنوا الحسابات كلها، بما فيها التحول النوعي للراي العام الدولي من النزاع، المتمثل في اعتبار العواصم الكبرى وكثير من دول العالم، لا سيما في افريقيا وأمريكا اللاتينية، ان الحل الواقعي والممكن لا يخرج عن مقترح الحكم الذاتي وان تقرير المصير صار نسيا منسيا وخرافة قديمة امام الاندماج الكلي لسكان الصحراء في المجتمع المغربي بكل مجالاته ومؤسساته، وبفضل المسار التنموي الناجح بالجهات الجنوبية للمملكة. ولم تكن حسابات الجزائر وأداتها البوليساريو على المستوى العربي والإفريقي موفقة، وربما يكون مسلسل افتتاح قنصليات لدول إفريقية وعربية وأزنة بالعيون والداخلة استفزت العدوانية الكامنة في البنية النفسية والاديولوجية العميقة لحكام المرادية فاختاروا الهروب الى الامام. ونسي او تناسى حكام الجزائر ايضا ان المغرب لم يعد قادرا على السكوت على استفزازات البوليساريو بمعبر الكركرات وعلى مختلف خطوط المواجهة، وأنه عازم العزم كله، ملكا وحكومة وشعبا، على حسم النزاع سياسيا اولا وعسكريا ان اقتضى الامر، وأنه مد يده مرات ومرات لبحث حلول واقعية لو استجاب اليها الخصوم لخطونا خطوات نحو الاندماج المغاربي ضمن مشروع سياسي وتنموي متكامل يستجيب لآمال الشعوب المغاربية قاطبة.
واقعة الكركرات ترجمة عملية لاستعداد المغرب والمغاربة لخوض المعركة الأخيرة وإنهاء النزاع في سياق دولي وافريقيا وعربي ملائم، وعزمه على طي صفحة ما سمي ب” قضية الصحراء” والتخلص نهائيا من ابتزازات الجزائر وصنيعتها البوليساريو الذي انكشفت عمالته وانفضحت ارتزاقيته وتصدعت صفوفه.
ولان رهان الحرب الشعبية لم يعد ممكنا في ظل موازين القوى العسكري، وان خطر انشاء دويلة عميلة للجزائر في الصحراء صار في خبر لا مبتدا له، اضطرت الجزائر ان تكشف عن حقيقة نواياها واهدافها الحقيقية ذات الصلة بمصالحها الاقتصادية وامنها القومي. وتلكم هي الحقيقة. انها المرة الاولى التي نطقت الخارجية الجزائرية صدقا وابانت عن شجاعة وواقعية في تحديد المشكل وكشفت بدقة عن مسؤوليتها في افتعاله وادامته، وعبرت عن إرادتها في ان تعامل باعتبارها طرفا معنيا بالنزاع وليس باعتبارها مراقبا للمفاوضات …
اعتقد ان تصريحات المسؤولين الجزائريين في هذا الصدد إيجابية في حد ذاتها لاعتبارات ثلاثة، اولها انها اعلان صريح وواضح عن الأسباب الحقيقية للنزاع بدل التخفي وراء شعارات ” تقدمية” زائفة، والتشخيص الصائب لاي مشكل يمثل نصف الحل، وثانيهما ان الجزائر من خلال هذه التصريحات تعبر عن ياس ما اتجاه مشروع الانفصال وإقامة الدولة على ارض الصحراء، وثالثها ان المغرب لم يقفل الباب ابدا امام بحث مقاربة أجدى وأنفع للبلدين الشقيقين تحفظ لهما معا مصالحهما الاستراتيجية وامنهما القوميين، ويؤسس لمستقبل مشترك افضل.
تعليقات
0