الوطن بين المواطنة والوطنية

أحمد بيضي الأحد 6 ديسمبر 2020 - 14:21 l عدد الزيارات : 40997
  • د. عبدالإله حبيبي (°)

كان هذا العنوان موضوعا لندوة أشرفنا على تنظيمها، بخنيفرة، بمناسبة الاحتفال ب “اليوم العالمي للفلسفة”، رفقة ثلة من أساتذة المادة بهذه المدينة العاشقة للحكمة الذين أحييهم تحية تقدير، وفي مقدمتهم الصديقان مصطفى تودي وحوسى أزارو وآخرون…، كان الزمن مناسبا لطرح قضايا الوطن والمواطنة على مائدة التفكير الفلسفي لضبط المفاهيم، وتقويم البوصلة التاريخية، وخلخلة بعض التصورات التي ترسبت في الخيال الجمعي لتترسخ كبديهيات يتلفظها العام والمتعلم في جهل تام بخلفياتها المعرفية ورهاناتها السياسية والإيديولوجية..

كانت ندوة أعيد فيها ترديد نشيد الطفولة الوطني، حيث حضرت الفكرة ومعها الحماس، السؤال ومعه الوطن واقفا يتملى بعض أبنائه البررة وهم يزورون متاحفه المنسية وذكرياته الملفوظة في الذاكرات الباردة، وبطولاته المتوارية خلف المخطوطات المهملة… لحظة اتقد فيها جمر الحب النابع من ثدي أم مغربية علمت أبناءها عشق التعلق بشجرة الوطن والذود عنها حتى الممات

ارتأيت أن أعيد طرح الموضوع الذي لم تنته صلاحيته، ولم تطو راهنيته، لأن الوطن في يقظة مستمرة يحرس أطرافه ويعيد ترتيب أوراقه وهو منتصب القامة يراقب من عمق تاريخه ذاته والعالم حولهحيث الوطن مشتل الأحلام، منتجع الروح، حديقة الطفولة الأولى، أو بداية الأسفار في حكايات الجدات وطقوس الآباء، وسيرة الأبطال، ومعارك الشرف التي وثقت صلة الناس بالأرض وبالسماء حتى استقر الوجدان وألِف القلب المكان، وتشكلت ملامح إنسان إسمه المواطن الذي سيصبح الوارث الشرعي لكل تراث الوطن

أهم ميزة في الوطن الحاضن لقيم الانتماء والتجذر في الجغرافية والتاريخ هي نسيان الذات كثيرا مقابل سلامة وبقاء البلد حصنا يلف بدفئه كل القاطنين فيه، بل أهم ما يمنحه الوطن هو هوية كلية توحد كل الهويات الخاصة أو الجهوية أو الذاتية، كيان عام يجرد كل الانتماءات، يحررك من الكثير من الحدود والقيود الصغيرة التي قد تعرقل وعيك وتحد من ترقية مشاعرك لتصبح إبنا حقيقيا لتاريخ طويل وتضاريس تضرب عمقا في ملايين السنين من القدم والامتداد

ليس الوطن مكانا فقط تحده جغرافية بمعالم بيانية، وخرائط تمثيلية، إنه أكثر من ذلك بكثير، أرقى من كل التمثلات، أسمى من كل التعبيرات الهندسية، لا تجده في الكنانيش الضيقة، ولا في التعاريف النصية، إنه نبض حي يسري في دم كل أولئك الذين سقطوا شهداء في معارك الدفاع عن الشرف، الوطن شرارة حب تشع من نظرة بطل يستعد للموت من أجل أن يحيا الوطن، قطرة حلم في كف عامل ينطلق صباحا لشق طريق في جبل ليتدفق الماء والحياة نحو سهل قاحل، عبارة كرم في وجه سائل فقد القدرة على العثور على مكان لقضاء ليلة آمنة…

الوطن روح جماعية يشكلها الناس القابضين على جمرة ورثوها عن آبائهم وأقسموا أن لا يتركوها تخمد حتى ولو كلفهم ذلك منح حياتهم لتظل على قيد الحياة….الوطن استعارة كبيرة تعجز النصوص والأناشيد عن صياغتها بلاغيا، لأن اللغة تضع الحدود، والتنقيط، والتجزيء، في حين أن الوطن لا يجزأ، ولا يقبل الفواصل والقواطع والبدايات والنهايات

من هنا تشكت روح الوطن وأصبحت مفهوما يتجدد باستمرار في شخص الحامل لدلالته الأصلية الثابتة أي الرجل الوطني، وهو المفهوم الثاني المشتق من كل المعاني السابقة، والحامل لثقل الرسالة، وعمق الأصالة وكل المحمولات الحاضنة لتوليد ما لا يحصى من التوصيفات الحاضنة لمنطوق الوطن

الوطني هو الذي يحمل الوطن جمرة متقدة في روحه، هو الذي لا يشعر بالسعادة إلا إذا تأكد لديه أن الوطن بخير ولا يعاني من اي عطب، هو الذي وقبل أن يخلد للنوم يكون أول وآخر ما يفكر فيه هو سلامة الوطن وبقاؤه حيا منتصبا سليما معافى

الوطني الحقيقي هو من تحرر من أنانية الذات، وطلب اللذات الشخصية مقابل أن يرفل الوطن ككل في نعيم الرفاه والأمن والاستقرار، وهو الذي يعلم المواطن أسرار الوطنية وطقوس الحفاظ على جذوة صون هذه الشجرة المعطاء دون تقتير

لا يستمر الوطن شامخا إلا حينما ينهض الوطني بتلقين المواطن فلسفة الوطنية الحقة، وهي أن يقبل التنازل عن الكثير من الأحلام الشخصية مقابل أن يسود العدل والمساواة في كل ربوع الوطن، أي أن يتحلى بالحكمة والنبل والعفة لكي يسمح لكل أبناء الوطن من الحصول على حقهم من الوجود الشريف والكريم حتى يصبح حب الوطن عقيدة مكتسبة وليست نصوصا تقرأ وتردد في مناسبات معدودة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(°) باحث في علوم التربية والفكر الفلسفي، من أعماله الأخيرة: “نحيب الأزقة”، “سيرة الجندي المجهول”، “حوار العقل والروح”، Les Paroles de Mon Village…
تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image