الوحدة الترابية في اتجاه الحسم النهائي..

أنوار بريس الجمعة 11 ديسمبر 2020 - 21:24 l عدد الزيارات : 24841

عبد السلام الرجواني

تتوالى الانتصارات المغربية على المستوى الدولي سياسيا، وتترسخ الوحدة الوطنية والإجماع الوطني بخصوص القضية الوطنية الاولى. على المستوى الأول جاء اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء واعتبارها الحكم الذاتي الحل الممكن والوجيه لنزاع مفتعل لا معنى له سوى إعاقة التنمية وتهديد السلام في منطقة شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، جاء هذا الاعتراف ليتوج مسارا ديبلوماسيا ناجحا للدبلوماسية المغربية كان من تجلياته افتتاح العديد من الدول الوازنة، عربيا وافريقيا، تمثيليات لها بالعواصم الجهوية للمناطق الجنوبية. في المقابل يعيش حكام الجزائر تخبطا لم يعيشوه من قبل، في ظل ازمة سياسية داخلية، حاولوا تجاوزها من خلال افتعال توتر مع ” العدو الكلاسيكي” حسب تصريحات الجنرال شحرنيقة، لما حاولوا عرقلة حركة المرور بمعبر الكركرات الحدودي والدفع بحفنة من المغرر بهم من نزلاء تندوف الى تنفيذ مخطط لم يحسبوا انه سيضعهم في مأزق لا مخرج منه سوى التخلي عن اوهام الهيمنة والاستجابة الى طموحات الشعبين المغربي والجزائري لاعادة الجسور بينهما، والعمل المشترك لبناء المغرب العربي الكبير على اسس وحدوية/ ديمقراطية تخدم النماء والتكامل الاقتصادي والاندماج الثقافي… والحقيقة ان مغامرة الجزائر وازلامها كان هدفها الابعد ليس عرقلة المرور بالمعبر وانما كان هو كبح جماح الديبلوماسية المغربية وتغيير اتجاه الصراع الذي صار في صالح المغرب وإرجاع عقاربه الى الوراء. ولان مراكز القراربالمغرب كانت مدركة لآبعاد المخطط الجزائري، جاء الرد المغربي قويا وحازما لم تدر الجزائر ولا البوليساريو كيف تتعامل معه دبلوماسيا وميدانيا، وربما لم يتنبآ ابدا به، وبالتأييد الذي حضي به من قبل الراي العام الدولي. فلم يبق لحكام الجزائر سوى اطلاق حملة دعائية كاذبة ومسعورة،و القت بكل ويلاتها وازماتها على المغرب، وهددت باحتلاله في رمشة عين، ولم يبق للبوليساريو سوى التغني بانتصارات وهمية ل”الجيش الشعبي الصحراوي”.
حينها اعتبرنا ان لواقعة الكركرات ما بعدها، وأنها بمثابة بداية العد العكسي لإنهاء خرافة الجمهورية الوهمية وطي صفحة لم تعد تتسع لمزيد من الخربشات الجزائرية والأوهام الانفصالية. ولعل الإجماع الوطني حول ضرورة الحسم، فضلا عن سياق دولي وإقليمي لصالح المغرب، ساعدا على المضي قدما في اتجاه الحسم.
في هذا السياق، شكل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء ضربة موجعة لمشروع الانفصال وتحولا نوعيا في موقف اقوى دولة في العالم، سيدفع لا محالة بكثير من الدول المترددة الى التسليم بمغربية الصحراء، وبدول اخرى الى سحب اعترافها بالجمهورية الوهمية. هذا لا يعني ان خصوم الوحدة الترابية قد أندحروا نهائيا ورفعوا الراية البيضاء، بل من المطلوب مزيدا من التعبئة الوطنية والاستعداد لأسوا الاحتمالات. فمن غير المستبعد ان تأتي ردود فعل متهورة من قبل جنرالات الجزائر، التي ان لم يتراجع حكامها الى الخلف لن يبقى لهم سوى الهروب الى الامام.
مهما تكن اسباب التحول في الموقف الأمريكي واغراضه، لا يمكن للمغاربة سوى تثمينه وتقديره حق قدره باعتباره مكسبا سياسيا استراتيجيا سيعزز موقف المغرب في المحافل الدولية والمنظمات الاممية، كما سيكرس الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة على المستوى الاقتصادي والعسكري والأمني. ومن المؤكد ان دول الاتحاد الأوربي لن تتأخر كثيرا في تغيير موقفها لصالح مغربية الصحراء.
بعض الأوساط السياسية والمنابر الاعلامية بالداخل والخارج اعتبرت ان ثمة مقايضة للموقف الأمريكي الجديد من الصحراء المغربية بتطبيع مرتقب للعلاقات المغربية الإسرائيلية، وان في ذلك تنكر للقضية الفلسطينية التي كانت وما تزال من ثوابت السياسة المغربية، وقد ذهب البعض الى الحديث عن ” خيانة” ما وعن ” وصمة عار”. مثل هذا الربط الميكانيكي والاختزالي لا يساعد على تمثل الموقف الامريكي في كل ابعاده الاستراتيجية والاقليمية، ولم يزن القرار الأمريكي بميزان المصالح المشتركة والمتبادلة التي تعتبر العملة الحقيقية في صياغة العلاقات الدولية، ولا يرتب على نحو عقلاني الاولويات بالنسبة لكل دولة ذات سيادة، ولم يستوعب التطورات الطارئة على الساحة الفلسطينية نفسها.
لذلك وجب التوضيح:
١) العلاقات الأمريكية المغربية عريقة وقوية ومتشعبة، وقلما كان الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي عنصرا مؤثرا سلبا على تلك العلاقات. وقد استثمر المغرب مرارا متانة علاقاته بالولايات المتحدة الأمريكية للدفاع عن حق الشعب الفلسطيني المشروع في بناء دولته الوطنية الكاملة السيادة وفق المشروعية الدولة، وهو الحل الذي أقرته الأمم المتحدة وقبلته منظمة التحرير الفلسطينية والجامعة العربية. انه الموقف المبدئي والثابت الذي أكد عليه بلاغ الديوان الملكي.
٢) المغرب بلد ذو سيادة، ومن حقه ان يرسم لنفسه نهجه الخاص في مقاربة الإشكالات الكبرى التي تشغل الراي العام الدولي ومن ابرزها حق الشعب الفلسطيني في إنشاء دولته الوطنية المستقلة. وقد دعت الدولة المغربية، مبكرا الى البحث عن حل سلمي ومتفاوض عليه للصراع العربي الإسرائيلي يقوم على وجود دولتين، ودافع المغرب داخل الجامعة العربية عن تصوره لحل واقعي يراعي موازين القوى الفعلية على عكس كثير من الزعامات العربية الداعية لتحرير فلسطين، كل فلسطين، وتدمير دولة اسرائيل. وقد ابانت التطورات الدراماتيكية للقضية الفلسطينية وجاهة الرؤية المغربية مقابل تهافت شعارات من قبيل ” خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سيعود”. انه الموقف نفسه الذي ما زال المغرب يترافع من أجله دون مزايدة ولا تفريط، وفي انسجام تام مع القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني.
٣) من جهة اولى، علاقات المغرب بالمغاربة اليهود الذين هجروا الى اسرائيل على مراحل، وتجنسوا بالجنسية الإسرائيلية، هي علاقات تاريخية لم تنمح وغير قابلة للإنمحاء، على غرار جاليات يهودية من أصول مغربية في مختلف بقاع العالم. ارتباطهم العميق بالمغرب ثقافيا واجتماعيا يمنحهم الحق في زيارة بلدهم الاصلي وفي حق العودة حتى. ومن جهة ثانية، لم تخف الدولة المغربية ابدا وجود علاقات إتصال مع قيادات إسرائيلية على أعلى مستوى، وليس خاف على احد توافد رجال أعمال وسياح إسرائيليين على المغرب وحضور وفود إسرائيلية لمنتديات عالمية احتضنها المغرب. لكن من الجدير بالإشارة ان انفتاح المغرب على اسرائيل دولة ومجتمعا ليس اكثر من انفتاح الفلسطينيين انفسهم على اسرائيل، ولم يبلغ ما بلغته خطوات التطبيع بين إسرائيل والدول العربية المعنية مباشرة مثل مصر والأردن ودول الخليج، ومع تركيا راعية الاسلام السياسي والحركات الإخوانية بالوطن العربي. والأهم ان المغرب سخر علاقاته باليهود المغاربة وبعض المسؤولين الإسرائيليين لصالح القضية الفلسطينية. وبهذا الصدد يمكن القول أن ما قدمه المغرب للقضية يتجاوز بكثير ما قدمته بعض ما سمي بدول الممانعة وجبهة الصمود والتصدي، وما يمكن ان يسديه اليوم وغدا للشعب الفلسطيني من موقع الشراكة المغربية الأمريكية قد يكون افيد من كل بيانات الشجب والادانة لتطبيع لم يحدث بعد.
٤)الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء املته المصالح المتبادلة والمشتركة بين المغرب والولايات المتحدة، وهو محدد اساسي للعلاقات بين الدول زمن العولمة وخفوت الاصطفاف الأيديولوجي الذي كان محددا قويا حين الحرب الباردة. فمن الواضح أن للبلدين معا انشغالات مشتركة ابرزها مواجهة الخطر الإرهابي في منطقة الساحل وحفظ الاستقرار في شمال أفريقيا والشرق الأوسط ناهيك عن التبادل التجاري والتعاون العسكري. مؤشرات كثيرة، من أهمها مشروع الربط القاري عبر مضيق جبل طارق وانشاء الطريق السيار نحو افريقيا واحداث أنبوب تصدير الغاز الى أوربا عبر التراب المغربي، وانشاء حقل انتاج الطاقة الربحية بالصحراء المغربية، تفيد ان المغرب مرشح فوق العادة ليكون الجسر المكين بين أوربا وافريقيا، وبالتالي القادر على تعزيز نفوذه الاقتصادي والتجاري في الاتجاهين.
٥) الحديث عن مقايضة بين الصحراء وفلسطين حديث لا يستقيم لأكثر من اعتبار. فالمغرب اولا ليس وصيا على الشعب الفلسطيني ولا يحق له ان يقايض في شيء لا يملكه، وثانيا الأوطان ليست سلعة للتبادل والمقايضة مع العلم ان السياسة مساومات وتفاهمات وتسويات تحكمها اولا واخيرا موازين القوى واستراتيجيات فض النزاعات والمصالح الاستراتيجية للدول.
بناء على فهمنا هذا نرى ان الموقف الامريكي، الذي يعد موقفا تاريخيا، من شأنه التسريع بالحل النهائي لنزاع مفتعل عطل لعقود قطار الوحدة المغاربية وعرقل الدينامية التنموية بالمغرب والجزائر. وعلى الدولة المغربية ان توظف تمتين علاقاتها بالإدارة الأمريكية لصالح الحل العادل للقضية الفلسطينية التي دأب المغرب، ملكا وحكومة وشعبا، على اعتبارها قضيته الثانية، رغم ان كثيرا من القوى السياسية الفلسطينية عاكست حق الشعب المغربي في توطيد وحدته الترابية وانحازت الى أطروحة الانفصال وخلق كيان وهمي بالصحراء المغربية. بقي ان نضيف انه من حق القوى السياسية المغربية ان تتبنى منظورات مختلفة للصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي تنسجم مع مرجعياتها الاديولوجية، مع مراعاة المصالح العليا للوطن.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image