الحج إلى الكركرات، والوقوف بالكثبان البيضاء

أنوار بريس الخميس 17 ديسمبر 2020 - 15:02 l عدد الزيارات : 56181

عبد الحميد جماهري

 

لحظة للتاريخ ولتصحيح الجغرافيا: هكذا بدت الكركارات، تحت وهج ذاك السبت من دجنبر، بالوفود التي تقاطرت عليها منذ صبيحة ذلك اليوم.

كانت الوفود تحتفل وتتراص ثم تتفرق.. ثم تنشد من جديد..

لا تدافع ولا زحام، أمام هذا الممر الذي صار شبه ملحمي، منذ أن أمن الجيش المغربي العبور من بوابته، باتجاه موريتانيا، ثم إفريقيا السمراء… أول ما رأيناه هو المعبر الذي تقف أعمدته شاهقة، كبوابة في هرم من حضارة منذورة للخلود“، الكلمات تلمع. كانت تشتهينا ونحن نطل من بين الكثبان وبين التلال الصخرية… بعد حين من الدهر، انتبهنا إلى أن هناك دكاكين ومقاه، ومحطة للوقود وفندقين..  كما لو أن المكان يأتي بعد المعبر.

وجدت نفسي وسط الوفود أنشد النشيد الوطني وأراوغ الشمس..

معبر الكركرات، بالبنط الأحمر الكبير، يبدو نظيفا، اللهم إلا من رمال هبت بها رياح الصحراء. المعبر الأول، الذي يقابل الزائرين، عامود هرقلي، عال ومتين، بوسطه باب حديدي للحدود، يتركنا المسؤول عنه، من قوات الأمن، ندخل إلى الجزء الثاني من المعبر عبر مسلك للراجلين، حيث مكتب بسيط للجمارك، Œالمعبر˜ مكتوبة، في اتجاه الوطن، نحن بداخل الساتر ، من هنا يمر العابرون إلينا، القادمون من أدغال إفريقيا وسبل الجوار الجنوبي  فيما الشاحنات، التي يتزامن مجيئنا مع وصولها، لها الطريق المعبد ، الذي تسوره الأسلاك الشائكة  عاليا أيها البرج، تحيط بالبلاد  هنا ولدت الملحمة، ومن هنا بدأت لحظة تاريخية، وولدت الجغرافيا معافاة .

أناشيد وطنية ترتفع بها الحناجر، وأصوات أغنيات حماسية تؤرخ للحظة، وتعيد للعاطفة حرارتها الوطنية.

سيارات متعددة تحمل أسماء الجمعيات، ذلك السبت وصلت سيارات تقل المسؤولين في الجهات، وبرفقتها سيارات جمعيات، رؤساء الجماعات ومجالس الأقاليم في موكب موحد.

وقفت الصفوف تنشد النشيد الوطني ثم تماوجت، مثنى وثلاث، لالتقاط الصور…

بالقرب مني السي محمد الملاحي القادم من واد لاو والسي بوعون، القادم من الجديدة، آخرون من أقاليم أخرى ليسوا من نفس الحزب 

تذوب الحدود، أثناء التقاط الصور  طريقة أخرى في العناق الذي منعه الفيروس 

شعرت بفخر إضافي، في هذا الوطن المترامي العواطف…

­هذا ليس ملك لحزبكم، بل هو ملك للوطن، يقول شخص ملثم لا أعرفه، عندما أراد أحد الحاضرين أن يميز في الانتماء،“

نحن كلنا ملك للشعب المغربي دعونا نلتقط صورا بالألوان كلها، إلا اللون الحزبي.

هنا لا تلتقط كاميرات الهواتف الذكية اللون الحزبي، يا الله 

معا

ثم معا جميعا 

حرارة الجو لا تفقد للمكان طراوته.

كل شيء هنا صلاة وطنية ودعاء ينبع من الإيمان العميق..

تغرينا كل الأفكار لتخليد اللحظة في قوتها الرمزية..

استعادة..من الدارالبيضاء إلى الداخلة

وصلنا الداخلة مساء يوم الجمعة، وفد الجهة والوفود الأخرى، حطت بنا الطائرة في الرابعة والربع، كانت الريح تهب في المطار، لكن الجو حار قليلا“، المدينة تسبح في قيظ قليل، وتنمو كما يحلو للمدن المتوسطة، التي لا تَرى حدود أطرافها.

في الطريق إلى الإقامة، تنتهي البنايات، وتفسح الداخلة للرمل والخلاء، بضع كيلومترات، حوالي 8 كيلومترات تفصلنا عن المطار، أي دقائق فقط بالسيارة. الفندق لا يشبه أي بناء رأيته عبر الوطن، أو قيض لي أن أراه، مجموعة شاليهات متحاذية، تنظر إلى البحر. سأكتشف من بعد أن فنادق الساحل، اعتمدت كلها هذه الهندسة، لا علو، سوى ما يعطيها مستوى الأرض فوق البحر. وجوه أجنبية، وشباب وشابات من شمال المغرب والبيضاء ومراكش وأكادير“، اللغة هنا تضاريس وورقة تعريف…

تم الاتفاق، للوهلة الأولى، على التاسعة صباحا للإقلاع يوم الغد، ثم تغير التوقيت ليلا إلى السابعة والنصف. انطلق الموكب، يتقدمني بنصف ساعة أو زد عليه قليلا، وكانت السيدة المشرفة قد أعدت لي سيارة للحاق بالرالي الجهوي والجماعي، ابتسم عندما يصل ˜محمدŒ، الشاب الصحراوي الذي اعتاد أن ينقل الراغبين في زيارة الكركرات دوما، يعرف الطريق والطريق تعرفه… كانت السيارة تنهب الطريق نهبا، والسائق يطويها طيا..

تتوالى الأسماء التي ألفتها الأذن: العركوب، امليلي، أوسرد شرقا، الجبال.. الكركرات… في لحظة ما تشعر بميل إلى النشيد الخفي  هذا الحجر، هناك مغربي، وتلك النفحة من الهواء مغربية وهذا الموج لي

نحث العجلات على مزيد من السرعة للحاق بالذين سبقونا،Œ السي محمد السائقŒ، شاب هادئ، بسمرة وسيمة، وضحكة تبدو كمياه الصخر  يحب الموسيقى، بتنويعاتها، بفعل المهنة…

تستهويني أغان بالحسانية، لأم كلثوم الموريتانية، ديمي منت أبا وهي تغني : قل للمليحة بالخمار الأسود ، ماذا فعلت بالناسك المتعبد

ويسهب الشاب الصحراوي في الإعجاب بها، هذه المغنية الموريتانية، واسمها الحقيقي لولة منت سيداتي ولد آبا ، والدتها مغنية، منينة منت ايدة. غنت أم كلثوم الصحراء، التي يتغنى بنشيجها كل الصحراويين في كل القارة الإفريقية، لزوجها الملحن والمطرب Œسيمالي ولد همدفال˜ أغانيها الأشهر على المستوى الوطني

ريشة الفن،

، وتقول سيرتها إنها اعتبرت دوما ديمي سيمالي معلمها الأول وصانع ألحانها النادرة وعازفها الذي استلهمت منه الكثير وقد أنجبت منه ولدا هو العازف ولد امني ولد سيمالي وبنتا هي الفنانة فيروز منت سيمالي بعد ذلك تزوجت ابن خالتها الفنان الخليفة ولد ايدة�� حياة بين الفنانين ونسل الفن… أثار الشاب الصحراوي إعجابي بثقافته وإلمامه بالأهل والناس، كأهل الصحراء، عندما ذكرت اسم صديقي ورفيقي علي سالم الكشاف، علق قائلا: ايه ، هو من ولاد دليمŒ

وتنقلنا بين الذين أعرفهم من أهالي الصحراء، ووجدته على اطلاع واسع بالقبائل والأفراد، والحياة السياسية للكثير من الأسماء المعروفة وطنيا، يبدو ˜مسيساŒ النسبة لسائق ودليل سياحي، ومرتبط بالتطورات في الصحراء وفي الدول المجاورة. كان ينبهني في الطريق إلى ما يميز المسافة بين الداخلة والكركرات، وطريق الاولياء ،الصالحي، والتجمعات السكانية. وصلنا العرقوب، فاستفاقت أغنية جيل جيلالة، وثار في الصوت الهائل لمحمد الدرهم يا رمال العركوب“ ويا جبال كركر. هنا تتخذ الأغنية شكلها الجسدي، ويذوب الفني في الترابي، وتتحلى العاطفة بكل عناصر الوجود

هواء وتراب وشمس …

على طول الطريق، كان خطان متوازيان يرافقاننا. سلسلة كثبان رملية، تتوازى مع سلسلة جبال كركر التي تمتد إلى عمق الصحراء وإلى شمالها… مكان ثابت وآخر متحول، ما بين التضاريس الصحراوية� هنا اسم كركر، أمازيغي باتفاق الفيلولوجيين، وفقهاء اللغة والبحث الإثني .. ومنهم عبد الله بوشطارت، الذي كتب يقول بأن Œأ.ر.ر هو اسم مكان أمازيغي يطلق على المرتفع الصخري، الذي يوجد جنوب مدينة الداخلة، وهي المنطقة الشاسعة المطلة على الأطلسي، وتعج بأسماء أماكن أمازيغية، مما يدل على أنها كانت مواطن استقرار صنهاجة الصحراء، إيزناسن.

مثلا أمليلي وهي منطقة يوجد بها ميناء تقليدي، وكذلك بير كندوز، تم إضافة كلمة بير للاسم الأصلي، ثم منطقة أمهيريز، وكلها توجد ما بين الداخلة والكركارات  بما فيها أوسرد، ومنطقة الكديلية أكدال بضواحي مدينة الداخلةŒ. وكذلك كان لنا هذا الانطباع، بالفونيم الأمازيغي الذي يتراص فوق الأرض وفي متون اللغات، الحسانية والأمازيغية والعربية“ إلخ. في بير كندوز، نتوقف قليلا ليزيد الشاب محمد قليلا من الوقود، كي يتسنى لنا الإسراع للوصول في الوقت المناسب، كانت السيارة قد بدأت تعطي الحرارة، وخفنا من وقوع عطب يحرمنا من الجمع الوطني الوفي..

واصلنا، إلى أن وصلنا… عود عل بدء أيها المكان الجليل، هنا تتنزع عنك الكلام السياسي والجغرافيا الوحيدة، هي تضاريس القلب ونبه “ هنا لا شيء سوى العنصر العاطفي، يدمج الكيان في العناصر الحارة..

هنا أنت أيها المكان الجليل، حيث نحج لزيارتك، لا للسياسة وحدها بل، لكي نقيس كم نحن بحاجة إلى الهواء المقيم هنا، لكي نعيش في كل أرجاء العالم… هنا الشكل الوحيد للسياسة“هو الحب.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image