انفراد.. امبراطورية الكيف في الشمال المغربي : مسار القنب الهندي من الزراعة إلى التصدير 

مسيلي أحمد الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 21:07 l عدد الزيارات : 73751

 

محمد رامي

 

” كانت البداية من بعض أحياء مدينة الدار البيضاء، أردت تتبع مسار المخدرات عبر أحيائها ودروبها، لعلني أكشف جزءا من هذه التجارة التي أدت بالبعض إلى السجن والبعض الآخر قفزت به إلى نادي البورجوازيين الجدد!

“أخطأت الهدف !” ، هكذا قال لي أحد صغار التجار بدرب مولاي الشريف وأنا أحاول معرفة مسار الحشيش من خلال حديثي معه•

أمر معقول ، لم أخطئ الهدف ، بل أخطأت في نقطة انطلاقة مغامرة كشف عوالم المخدرات بالمغرب•

كان يتوجب علي أن أجيب عن تساؤل منطقي وهو: كيف تصل هذه السلعة إلى المستهلك ؟ أظن أنه سؤال لا يحتاج إلى تفكير كبير للاجابة عنه، فكل شيء واضح للبيان مادامت التجارة منظمة والعناصر المتدخلة فيها متعددة ونافذة!

غيرت وجهتي واتجهت إلى الشمال المغربي علني أجد أجوبة لآلاف الأسئلة التي كانت تتبادر إلى ذهني•••

خلال زيارتي لمعابر الكيف بالشمال المغربي، كل من التقيناهم هناك كانوا يتحدثون عن أسماء وازنة، لها قسط من الربح من هذه التجارة•

لم يكن من السهل علي التسلل إلى عوالم تجارة المخدرات ، كما أنه لم يكن سهلا كسب ثقة متعاطيها أو المتاجرين فيها، للغوص في هذه المغامرة غير محسوبة العواقب•

فبعد أن أخبرت الزميل لحسن لعسيبي بنيتي في إنجاز تحقيق صحفي حول معابر الكيف بالشمال المغربي، تحمس للفكرة ونصحني بالتزام الحيطة والحذر وعدم الخوض في حديث غير ذي نفع لعلمه المسبق بتفاصيل مشروع تحقيقي ، وأيضا لأن لا أحد يمكنه التكهن بما يمكن أن يعترض مهمتي• 


في الطريق إلى “امبراطورية” الكيف بالشمال المغربي ! 


أمام تعذر اختراق “امبراطورية” المخدرات من مدينة الدار البيضاء ورغبتي في إنجاز هذا التحقيق، اتصلت بأحد الأصدقاء القدامى والذي ينحدر من تلك المناطق•

حددنا موعدا بمقهى في مدينة الرباط• لم يكن من السهل علي إقناعه، فهو يدرك تمام الإدراك أن هناك أباطرة فوق القانون! وأن ركوب هذه المغامرة قد يجلب المشاكل•

ألححت في طلبي مؤكدا له أنني لن أكشف أسماء المواقع التي سنزورها ولا الأشخاص الذين سنلتقي بهم ، فجدد رفضه• إلا أنه وعدني خيرا على أن يتصل بي لاحقا بعد أن يتدبر أمره•

لم أنتظر مكالمته الهاتفية، اتصلت بالزميل جواد الكلخة في مكتب الجريدة بمدينة تطوان، أطلعته على الأمر واقترحت عليه أن يكون مرافقي في رحلتي هاته، رحب بالفكرة وحددنا موعدا للقاء بمدينة تطوان، نقطة انطلاق الرحلة•

استقليت القطار باتجاه سيدي اليماني ثم إلى مدينة تطوان عبر الحافلة، وجدت الزميلين جواد الكلخة و عبد المالك الحضري في انتظاري، تناولنا وجبة الغداء ونحن نتحدث عن تفاصيل الجولة المرتقبة، بعدها قمنا بجولة في المدينة وعدت إلى غرفتي بالفندق للنوم مبكرا •

الساعة تشير إلى حوالي السابعة صباحا، تناولت الإفطار ثم غادرت والزميل جواد الكلخة الفندق في اتجاه شفشاون، أول محطة في رحلتنا داخل “امبراطورية” الكيف•

ركبنا سيارة أجرة، وانطلقنا• فضلت الإحجام عن الكلام في الوقت الذي انخرط مرافقي في حديث ودي مع باقي الركاب، على اعتبار أنه ابن المنطقة وسهل عليه الاندماج في الحديث•

الطريق تزداد ارتفاعا كلما تقدمت بنا سيارة الأجرة، انخرط الركاب في حديث مستفيض عن زراعة “العشبة”، كما اتفقوا على تسميتها بكل بساطة وكأنهم يتــحدثون عن زراعة الحــنطة أو الشعير•

مع تساقط الأمطار التي صادفت زيارتنا للمنطقة، استبشر “فلاحو” الكيف خيرا، فالغلة ستكون كبيرة هذه السنة•

انخرط مرافقي في حديث مع شيخ يجلس إلى جانبي حول انتشار زراعة الكيف بالمنطقة، أخذ يعدد أسماء المناطق التي بدأت تغزوها العشبة ،

ف “امبراطورية” الحشيش بالشمال المغربي تمتد بكل من باب تازة، الشرافات، لعناصر، باب برد، خميس اساكن، إيكاون، بني رزين ، تاركيست ، أوزكال ، باب جبح ، الكريحة ، باب زطوط ، الوحشيات ،واد التوت ، راس مرطاس ، يامناث ،تاغزوت ، بني عياش •• ومجموعة أخرى من المراكز والدواوير وعلى طول المسافة الممتدة مابين شفشاون، الحسيمة وتاونات•

كنا نلاحظ في مناطق كثيرة على جنبات الطريق نبتة القنب الهندي وهي تتوسط حقول الحنطة والشعير ولاتستطيع التمييز بينها إلا من خلال لونها، فهي أشد اخضرارا من غيرها من المواد الفلاحية الأخرى•

في كل مرة كان مرافقي يشير إلي بالنظر من خلال زجاج السيارة إلى (العشبة) ، كانوا يتحدثون عن أشخاص استطاعوا في زمن قياسي الاغتناء عبر الاتجار في (العشبة) وعن مسؤولين كانوا حديث الساعة نظرا للشبهات التي كانت تحوم حولهم في علاقتهم بكبار تجار المخدرات ، وعن طرق تنقلها وأشياء أخرى •

وصلنا مدينة شفشاون، كان يوم جمعة، انتظرت وزميلي في المقهى أحد معارفنا الذي دعانا لنتناول طعام الغداء• وطيلة وجبة الغداء كان الحديث عن موضوع الكيف وزراعته محور الجلسة وكان مضيفنا يتحدث عن المشاكل التي يعاني منها الفلاحون المتعاطون لهذه الزراعة على اعتبار أن المستفيدين الحقيقيين منها هم العطارة وكبار التجار وبعض المسؤولين المحليين الذين يوفرون الحماية للمتعاطين لهذه التجارة•

اتصل مضيفنا بأحد المعارف لعله يقدم لنا يد المساعدة، خاصة وأنه شخص جد معروف في المنطقة، التحق بنا لتناول طعام الغداء، أخبره مضيفنا بالهدف من زيارتنا وطلب منه تقديم يد المساعدة لنا• لم يمانع، بل تحمس للفكرة ، شريطة عدم ذكر أسماء المناطق بالتحديد حتى لا نتسبب في مشاكل لمزارعين مغلوبين على أمرهم!


اختراق عوالم الكيف ! 


بعد وجبة الغداء، توجهنا نحو إحدى القرى بمنطقة باب تازة، الطريق تزداد ارتفاعا وحقول الكيف تجاور حقول الحنطة بشكل لافت، لا تميز فيما بينها إلا بشدة اخضرارها• وصلنا إلى منزل منزو في منطقة فلاحية • تركنا مضيفنا مع بعض معارفه ، الذين كانوا في انتظاره، خرجت ومرافقي في زيارة استكشافية للمنطقة رفقة أحد أبناء الدوار ، الذي كان يتحدث إلينا عن المنطقة والنشاطات الفلاحية التي تنتشر بها ، بالرغم من غلبة الطابع الجبلي عليها• ومن ضمن هذه الأنشطة نجد حقول الكيف المنتشرة بالمنطقة• قمت بأخذ صورلأحد الحقول مما استرعى انتباه أحد الشباب الذي كان يشتغل في أحدها • فر مذعورا ليخبر معارفه بما حصل، ظانا بأن الأمر يتعلق بمخبرين سريين• تابعنا جولتنا في انتظار أن يتكلف مضيفنا بترتيب لقاء مع أحد المزارعين و أحد المصنعين• انتشر خبر وجود غرباء عن المنطقة بسرعة بين أبناء القرية، أرسل مضيفنا في طلبنا، التحقنا بالمنزل فنبهنا إلى أننا أثرنا ، خلال جولتنا، شكوك الساكنة التي تحتاط كثيرا من زيارة الغرباء • استمرت جولتنا إلى أن بدأ الليل يرخي سدوله، أقفلنا عائدين إلى منزل مضيفنا، كان في انتظارنا رفقة صاحب الحقل الذي كنا قد أخذنا صورا له من قبل• قبل الحديث إلينا عن هذه الزراعة بعد أن طمأنه مضيفنا بأنه لن يمسه مكروه، وشرع في حديث مسترسل عن أطوار زراعة القنب الهندي ومراحل نموه• أخبرنا بأن عملية إعداد الكيف وتهييئه ليصبح قابلا لأن يشتق منه الحشيش تمر بثلاث مراحل : مرحلة الحرث (مرتين) ومرحلة التنقية، عندما تجتث النبتة من الجنس الذكر، أما المرحلة الثالثة فهي عملية الحصاد• وتدوم كل مرحلة في المتوسط شهرا وأكثر مما يتطلب معها توفير يد عاملة مقابل أجرة يومية تتراوح ما بين 50 و100 درهم • هذا في ما يتعلق بعملية الزرع والقلع والتنقية • حاجة المنطقة إلى اليد العاملة تكون أكبر خلال الأشهر الأولى من كل سنة ، حيث يتم إعداد الحقول وقطع بقايا الغابة أو ما يسمونه ، حسب التعبير المحلي “أخلوف” و”تثنية” الارض وتنقيتها من الأعشاب ثم حرثها، وزرع بذور نبتة الكيف والتي يتم تسويقها محليا بسعر يتراوح مابين ألف وألف وخمسمائة درهم للقنطار• محاورنا أخبرنا أن زراعة “الكيف” تبدأ في أواخر فبراير ومطلع مارس ، حيث يتم حرث الارض مرتين أو أكثر ويتم زرعها ببذور الكيف بعد أن يضاف إليها السماد، يقول محدثنا، هناك زراعة بورية تسقى من خلال التساقطات المطرية، وهناك الزراعة السقوية التي تنتشر بجانب الأنهار والأودية ، ويتم سقيها بواسطة السواقي• بعد أن تكبر نبتة “الكيف” وتخرج منها زهرتها، يقوم المزارعون باقتلاع النبات الذكر • هذه النبتة تكون “مهمتها” قد انتهت بعد إطلاقها غبار التلقيح على النبتات المؤنثة، فبقاء النبتات الذكر بالحقل يؤثر على المردودية ويحد من نمو النبتة الأنثى • كان في كل مرة يؤكد أن صغار الفلاحين هم المتضررون من هذه الزراعة ولايجنون منها إلا المشاكل والتهم ، أما المستفيدون الحقيقيون فلا تطأ أقدامهم هذه الأرض على حد قوله “••يالاه كانتكافاو مع لخلاص ديال الخدامة والمصاريف ديال السماد وزيد أوزيد ما كايبقا لينا غير باش نتكافاو مع الزمان، واش هادي حالة واحد مريش من الحشيش؟ راحنا عايشين خايفين أوصافي ••”! بالفعل فحالة هذا المزارع لاتدل بأي حال من الأحوال على أنه ممن اغتنوا من هذه الزراعة• انصرف محاورنا وبقيت أنا وزميلي جواد نهيئ مسار رحلة يوم الغد• اتصلت بصديقي فكانت المفاجأة أن أخبرني بأن شقيقه سيكون في استقبالي متى شئت ، شريطة ألا أكشف عن هويتي وأن أقدم نفسي على أني صديق الدراسة فقط• تنفست الصعداء ، فمعابر الكيف تنطلق من منطقة كتامة واختراقها يعني بداية الرحلة الحقيقية في “امبراطورية” الحشيش •

 

بين حقول العشبة ! 


غادرنا المنطقة في صباح اليوم الموالي ، توجهنا إلى باب تازة، تناولنا الشاي هناك، غادرت باب تازة باتجاه باب برد • الطريق ملتوية، السائق يقود بسرعة جنونية• وصلنا إلى باب برد حيث كان بانتظاري أخ صديقي، تناولنا وجبة الغداء بالمركز، وكان حديثنا منصبا على طريقة اشتغالي وعلى التهميش الذي تعرفه المنطقة ، قال لي : “•• يتحدثون عن محاربة زراعة المخدرات والاتجار فيها ويتحدثون عن الزراعة البديلة ، لكن مالايدركونه هو أن هذه التجارة والزراعة هي التي حافظت على وجودنا كبشر، فلولاها لكنا الآن في وضع اقتصادي واجتماعي كارثي ، نتيجة الحصار الذي ضرب علينا هنا ••” • واسترسل بدوره في الحديث عن المشاكل التي تعيشها المنطقة وكيف أن البعض أدى لوحده كل مصاريف الكهربة القروية بمناطق الإقليم بالرغم من أن التكلفة كانت تقدر بملايين السنتيمات• وصلنا إلى المنزل ، كان الوالد وباقي الإخوة في استقبالنا، تناولنا كوب شاي ، تحدثت مع رب العائلة في كل شيء إلا زراعة نبتة الكيف وصناعتها• كنت في كل مرة أحاول جره للحديث عنها ، لكنه كان يغير مجرى الحديث• فهمت أنه يتحاشى الموضوع • الساعة تقارب الخامسة مساء ، خرجت ومضيفي في جولة بين الحقول ، بساط أخضر نادر يكسو المنطقة • الأشجار منتشرة هنا وهناك وحقول الكيف أو القنب الهندي تحتل مساحات كبيرة وسط باقي الحقول • بعض العاملين يقومون بالتنقية • صادفنا مجموعة من الشباب، قدمني مضيفي لهم على أساس أنني زميل أخيه في العمل، رحبوا بي مازحين معي إن كان سبب الزيارة هو الحصول على “الحشة” من منابعها! في اليوم الموالي جلسنا نتجاذب أطراف الحديث مع مجموعة من الشباب، لم يخفوا تذمرهم من الواقع الذي يعيشونه والذي تعيشه المنطقة بأسرها! أغلب الشباب يتوقف عن الدراسة بمجرد الحصول على شهادة الباكالوريا أومتابعة الدراسة الجامعية سنة أو سنتين على أكثر تقدير والسبب بُعد المدن الجامعية ، ومن لم تسعفه الظروف للهجرة يعيش حالة من البطالة• الجميع يتحدث هنا عن أشخاص أصبحوا بقدرة “العشبة” من أصحاب الملايير وآخرين هاجروا إلى أوربا لتأمين مستقبلهم• التحق بنا أحد المزارعين يدعى حسن، شاركنا أطراف الحديث• سألت عن هؤلاء الذين يشتغلون في حقول الكيف من أين جاؤوا وكيف يتم تشغيلهم؟ أخبروني أن المنطقة تعرف نزوحا كبيرا لآلاف اليد العاملة الآتية من مختلف مناطق المغرب بحثا عن العمل في حقول الكيف في موسم الحرث أو الحصاد• زائر المنطقة يصادف المئات، بل الآلاف من الشباب “بالموقف” بمنطقة اخلالفة أو اخميس إساكن ، إكاون ، وبكل المراكز على طول طريق الوحدة، ينتظرون فرصة العمل بأحد الحقول• بعضهم يقضي أياما على تلك الحالة ويطول انتظاره، والبعض الآخر يجد فرصة العمل بسرعة من دون أن يتعب في البحث ، وهذا الأمر ينطبق على أولائك الذين يأتون كل سنة بشكل منتظم للإشتغال فيصبحون معروفين لدى المزارعين• الملاحظ أن هؤلاء الباحثين عن شغل في هذه الحقول يأتون على شكل مجموعات ولكل مجموعة رئيس يفاوض باسمها مع “الباطرون” بخصوص الأجر ، والذي يخضع غالبا لقانون العرض والطلب• وتلعب النساء دورا محوريا في زراعة الكيف ، وذلك بتنقية الأراضي من الأعشاب والكلأ، والقنب الهندي من النبتة الذكر مقابل أجر لا يتعدى 30 درهما في اليوم في أحسن الأحوال• ويخلق تدفق اليد العاملة خلال هذه الفترة من السنة أزمة حقيقية في النقل ، خاصة في مدن العبور كتاونات والحسيمة، وهو الأمر الذي يدفع بالبعض إلى قطع مسافات طويلة مشيا على الأقدام عبر الوديان للوصول إلى أماكن العمل في الحقول•

 

نبتة ” الكيف ” 
تمتاز بسيقانها الكثيرة التفرع، حيث يصل طولها في أحيان كثيرة إلى مترين في الزراعة المسقية، وكما هو معروف، فإن نبات الكيف يكون أحادي الجنس، فهناك النبتة الذكر والنبتة الأنثى، وكل واحدة تنمو على حدة بشكل منفصل عن الأخرى• و بمجرد ماتظهر الزهرة في النبتة الأنثى حتى “تشن ” حربا على النبات الذكر ، بحيث يتم اقتلاعه لكي لايحد من نمو المحصول وهنا يبدأ موسم عمل الوافدين على المنطقة الذين ينتشرون في الحقول للقيام بعملية الاقتلاع• مدة نضج نبتة الكيف لاتتجاوز ثلاثة أشهر، على أبعد تقدير، إذ يتم الشروع في جنيه في أواخر يونيو، وذلك بقطف النبتات التي اصفرت في الحقل• علامة نضجه تظهر من خلال اصفراره يتم بعدها جمعه على شكل ربطات نعناع وتسمى كل ربطة أو حزمة بـ “الوسام” يتم بعدها نشره فوق سطوح المنازل تحت أشعة الشمس ليتم تيبيسه قبل أن يخزن في غرف خاصة بعد أن تنظف وتفرش فيها ألواح خشبية يوضع عليها ويرتب على شكل طبقات، وعندما تملأ الغرفة تغلق بشكل جيد لمنع تسرب الفئران إليها • كانوا يحدثونني عن مراحل زراعة الكيف وفي كل مرة كانوا يؤكدون لي بأنهم لايجنون منها في الوقت الراهن سوى المشاكل ، ففي سنوات خلت كانت الزراعة مربحة بالنسبة للفلاح عندما كان سعر القنطار الواحد من الكيف يوفر دخلا يتراوح مابين 10 آلاف إلى 20 ألف درهم، بينما لايتجاوز القنطار الواحد من القمح 250 أو 300 درهم في أحسن تقدير، أما الآن فإن المدخول يقل بكثير عن ذلك• نفس الأسطوانة منذ بداية الرحلة إلى نهايتها: الفلاحون لايجنون الربح من هذه الزراعة • إذن من المستفيد من هذا “النشاط الفلاحي” ؟! أخبرني حسن بأنه في بعض الأحيان تتم مصادرة نبات الكيف ليعوض بالنبات الذكر منه ويتم إتلافه على أن الأمر يتعلق بالفعل بنبات الكيف•• ! الآن عرفت لماذا يصر عدد من الفلاحين العاملين في زراعة الكيف على الاحتفاظ بالنبتة الذكر، فهي وإن لم تفدهم في استخراج الحشيش ، فعلى الأقل ستساهم في تضليل من لايحتاج إلى تضليل! خلال جولتنا صادفنا مجموعات تضم بعضها نساء يقمن بتنقية الحقول إلى جانب من يشرف على العملية • كان الأمر يبدو كما لو أنها خلية نحل• سألت حسن ” ألا تخافون أن تباغتكم السلطات المحلية أو دوريات الدرك هنا؟” أجابني بالقول ” في هذه المنطقة بالذات لايمكن ذلك، لكن في مناطق أخرى ممكن ، فالجميع يريد أن يشتغل في زراعة الكيف، إذ بالرغم من أن مدخوله ليس بالشكل الذي يتصوره البعض إلا أنه على أي حال أفضل من باقي الزراعات، وإذا استطعت أن تحصل على مظلة ما، فإنك ستجني الملايين منه إذا قمت بتصنيعه وإلا فستكتفي بانتظار قدوم العطارين لتبيع لهم البضاعة الخام• الآن زراعة الكيف امتدت لمناطق بعيدة عن موطنه الأصلي رغم أن جودته لاتضاهي جودة الكيف الكتامي غير أنه يزاحمه في السوق••” ! بالفعل ، وحسب معطيات استقيناها من إحصائيات رسمية ، فقد عرفت زراعة القنب الهندي (الكيف) زحفا متناميا لدرجة أضحت تغطي أكثر من 60 % من المساحات القابلة للزراعة بإقليم شفشاون ومناطق شاسعة من اقليم الحسيمة و تعاطتها مجموعة من القبائل بإقليم تطوان )بني حسان وبني ليث•••( ومناطق متفرقة من إقليم العرائش )بني عروس، بني يسف، تاطفت، بوجديان •••( • بل أكثر من كل هذا ، صارت تغزو أقاليم جديدة بعيدة عن محور الشمال والشرق مثل إقليم سيدي قاسم ومشارف إقليم القنيطرة • زراعة مجموعة من الفلاحين للقنب الهندي جعلت مستوى المعيشة يرتفع بالمنطقة، الأمر الذي يؤثر سلبا على الفلاحين المشتغلين في باقي الزراعات ولايتمكن مدخولهم من مسايرة الوضع المعيشي الجديد، وهو ما يدفعهم إلى تغيير نشاطهم الزراعي المعتاد• لم أفاجأ بعدد العاملين بالحقول في الأودية والجبال والذين كانوا يقومون بعملية إزالة ذكر الكيف لترك المجال للأنثى للإنتاج، كما لم أفاجأ بعدد الواقفين في الموقف بباب تازة في انتظار فرصة العمل، فمنذ مغادرة تطوان وجميع الذين صادفناهم أكدوا لنا أن المنطقة تعتبر سوقا للشغل بامتياز، يضيف حسن ” •• هناك عدد من الأجانب يأتون مرة كل سنة عند موسم “الحصاد” وتحويل النبتة إلى غبار حشيش، يقضون فترة قد تمتد إلى شهر أو يزيد يستمتعون بتدخين الكيف أو الحشيش ثم يعودون أدراجهم إلى بلدانهم ولايغامرون بمحاولة نقل المنتوج خارج المنطقة •••إنها سياحة الحشيش••” ! أغلب العاملين هنا من مستهلكي الحشيش والقلة القليلة يأتون للإشتغال لإعالة أسرهم• التقيت مع مجموعة من الشباب جاؤوا من مدينة قلعة السراغنة، يقيمون بالضواحي ويقدمون كل سنة للعمل هنا : ” نأتي للإشتغال هنا كل سنة، مشغلنا يعرفنا تمام المعرفة ولانقف في الموقف ، نلتحق به مباشرة• كل شيء هنا مبني على الثقة ولاشيء غير الثقة• نقوم بتنقية الحقول بالرغم من أن الأجرة اليومية هزيلة ، لكن مع موسم النفض و”البريسا” فلكل واحد أجرته بحسب طبيعة عمله••” • هكذا علق أحد العاملين • زرنا محلا لاستخراج الحشيش ، كان أكبر من ذلك الذي زرته أنا وزميلي جواد الكلخة بمنطقة باب تازة عندما استقبلنا أحد العاملين في زراعة واستخراج الحشيش وبين لنا طريق النفض وعرض علينا أكياسا ممتلئة بكل الأنواع ، كان ذلك بعد طول إلحاح من طرف مضيفنا •

فوجئ عندما التقطت صورا لي داخل الورشة وأنا أحمل كيسا صغيرا، فقال لي هذه الصور دليل إدانة لك على أنك من تجار الحشيش !! حاجة المنطقة إلى اليد العاملة تكون أكبر خلال الأشهر الأولى من كل سنة حيث يتم إعداد الحقول وقطع بقايا الغابة أو ما يسمونه ، حسب التعبير المحلي، “أخلوف” و”تثنية” الارض وتنقيتها من الأعشاب ثم حرثها، وزرع بذور نبتة الكيف والتي يتم تسويقها محليا بسعر يتراوح مابين ألف وألف وخمسمائة درهم للقنطار• أما بالنسبة لاستخراج مادة الشيرا ، أو ما يسمونه بعملية النفض ، فتتطلب يدا عاملة متخصصة تتراوح أجرتها مابين 100 و150درهما في اليوم• أما إعدادها على شكل عجين أو “البريسا” فأجرها يتراوح ما بين 200 درهم و 500 درهم لليوم بالقطعة من دون احتساب امتياز الأكل والمبيت •

ليس بمستطاع أي كان العمل في مراكز التصنيع ، والذي يتطلب بالإضافة إلى التجربة والمهارة ، أن يحظى العامل بالثقة لدى المشغل ، وغالبا ما يشتغل فيها أبناء المنطقة الذين يحصلون على أرباح طائلة من وراء ذلك نظرا لأن لهم خبرة في تصنيع أنواع الشيرا• ويخضع تحويل القنب الهندي إلى حشيش لتقنيات خاصة، فهناك طريقتان معروفتان يتم من خلالهما تحويل نبتة “الكيف” إلى حشيش• هناك طريقة “الطبيسلة” أو”البانيو” وهناك أيضا طريقة “الصندوق” أو “الهراوة”• الصندوق هو إطار حديدي مستطيل الشكل، يبلغ طوله مايقارب المتر والنصف، في حين يصل عرضه لحوالي متر، له أربع قوائم حديدية، يغطى إطاره بقطعة من البلاستيك الغليظ التي تلصق على جنباته، ويتم وضع ثوب شفاف يباع بشكل كبير في المداشر والاسواق بالمنطقة، هذا النوع من الثوب لايصلح لأي شيء إلا لعمليات النفض واستخراج غبار الحشيش بالمنطقة، ولايباع إلا للحرايفية• يقوم العمال بوزن قرابة الكيلوغرامين من نبات الكيف بعد استخراجه من الغرفة المظلمة والتأكد من أن الفئران لم تعبث به، هنا الحرص ينتج الجودة وكلما كان الحشيش من النوع الجيد كلما كان ثمنه غاليا• يتم وضع الكيلوغرامين فوق الثوب الشفاف، ويتم حجبه “بباش” غليظ ويلصق بجنبات الاطار لتبدأ عملية الخبط والنفض بواسطة العصي التي يجب أن تكون رقيقة ويستحسن أن تكون من شجر الدفلى• يتسرب غبار النبته نتيجة لهذا النفض عبر الثوب الشفاف إلى البلاستيك الاسفل حيث يجمع الحشيش، هذه العملية يقوم بها شخصان متقابلان وتسمى عملية النفض، تتم بعدها إزالة الأعواد والبذور المتبقية، تتكرر هذه العملية مرات عديدة حسب كمية “الكيف”، وفي النهاية يحتفظ بالبذور ويتم حرق “أعواد” السنابل • هذه العملية تتم ليلا كما هو الشأن بالنسبة لعمليات النفض بالنسبة لكثير من الحرايفية هنا• العمال الذين يقومون بهذه العملية أغلبهم رجالا ويشترط فيهم أن يكونوا يجيدون عمليات النفض للحفاظ على المنتوج ، ويتقاضون أجرة يومية تتراوح مابين خمسين وسبعين درهما، حيث ينفضون مابين القنطار و القنطارين من المحصول في اليوم الواحد ويستخلصون منه مابين أربعة إلى خمسة كيلوغرامات من غبار الحشيش الذي تختلف جودته ، فالنبتة البورية أكثر جودة من النبتة السقوية، وكذلك الأمر بالنسبة لكميات غبار الحشيش المستخلصة منهما • ثمن الكيلوغرام الواحد من الحشيش المستخلص بهذه الطريقة يتراوح مابين ألف و ألفي درهم يزيد عنها قليلا أو يقل بحسب قانون العرض والطلب•

من “السوبيرة” إلى “التشليلة” 
الطريقة الثانية التي يتم بها نفض الكيف تسمى بالبانيو، وهي معروفة جدا في منطقة خميس إساكن أو مايعرف بكتامة ، وهو أجود أنواع الحشيش ويناهز سعر الكيلوغرام الواحد منه حوالي أربعة آلاف درهم يزيد عنها أو يقل، وذلك لكون عملية الاستخلاص تتم من أزهار نبتة الكيف الأنثى اليابسة فقط من غير استعمال باقي الاوراق، والنتيجة حشيش من النوع الممتاز• أنواع الحشيش كثيرة بحسب جودته، فهناك الزيروة، ثم البروميانة، القسرية، الطبيسلة، الدوزيامة، الفريا، السوبيرة، هذه الأخيرة من النوع الغالي والممتاز من الحشيش ، وهي قليلة في السوق مثلها مثل البروميانة• ونجد أكثر أنواع الحشيش رواجا في الأسواق المغربية الدوزيامة وأكثرها استهلاكا في الأحياء الشعبية الفريا أو التشليلة ، والتي ليس لها من الحشيش إلا الإسم ! في هذه الأماكن يتم استخلاص مايسمى بزيت القنب الهندي من معجون الحشيش، وهو زيت باهظ الثمن يكفي أن يدهن المستعمل سيجارته به ليحصل على انتعاش كبير ! إنه زيت النخبة ، كما يعتبره البعض• بعد جمع غبار الحشيش يتم تجفيفه ويسخن ويوضع في البريسا ليتم ضغطه على شكل قطع متوسطة الحجم يتم تغليفه مع التركيز على أنه خلال هذه المرحلة يحتاط العاملون من إمكانية تسرب أي نوع من العطر إلى البضاعة لكي لاتفسد• هنا في خميس إساكن ، كما في باب تازة ومناطق أخرى من الشمال المغربي، لا تختلف طريقة زراعة الكيف واستخراج الحشيش وتصنيفه، بل تتم نفس العملية : البعض يشتغل نهارا ليقينه أنه في أمان والبعض الآخر يشتغل بعد منتصف الليل لكيلا يباغته أفراد الدرك تبعا لشكاية من مجهول! على حد قول حسن• كثيرة هي حملات مصادرة منتوج الحشيش أو إتلاف الحقول التي بوشرت بعد هذه الشكايات والتي لم يسبق لأحد أن عرف مصدرها، أحدهم علق بالقول “•• ليست هناك شكايات مجهولة ، كل ماهنالك أن المخزن “منين كايبغي يحمر فينا عينيه كايدير هاذ “القالب!!” واش كاتظن بأن شي واحد يقدر يبلغ علينا اهنا • كلنا خدامين في العشبة واللي مازعمش باش يزرع كاتلقا ولادو خدامين معانا كاينقيو ولا كاينفضو، كلنا عايشين من خيرو وحتى هاذوك راهم عايشين معانا من خيرو••”! خطرت في ذهني فكرة مفادها : ماذا لو نقلت بعض غبار الحشيش في حقيبتي و أحاول سلك نفس الطرق التي تقطعها مواكب الحشيش هنا عبر الوديان ؟”، أطلعت الزميل لحسن العسبي في الجريدة بالدار البيضاء باعتباره كان منسق الرحلة معي منذ البداية، هذه المرة لم يتحمس كما كان الأمر في المرة الأولى، بل طلب مني أن أقف عند هذا الحد ، مخافة أن أقع في ورطة ” إذ من سيصدق بالفعل أنك كنت تحمل الحشيش لإنجاز تحقيق صحفي وليس للاستهلاك أو الاتجار؟”•

 

“الحرايفية ” ونقل الحشيش عبر المسالك الوعرة !! 
الأيام التي قضيتها بالمنطقة كانت كافية بالنسبة لي لمعرفة جزء مما يجري ويدور هنا، ولكنها لم تكن كافية لتجيب عن كل التساؤلات التي حملتها معي• كانت رُفقة حسن جد مفيدة بالنسبة لي هنا، اندمجت مع المجموعة التي تعودت على رؤيتي بالمنطقة، لم يكن حديثنا يدور فقط حول المخدرات والتهريب ، بل كانت هناك لحظات كان يتحفنا فيها حسن بقطع غنائية باللهجة الريفية مصحوبة بإيقاعات القيتارة وبأداء جيد• لم يكن يدخن الحشيش ، كان يكتفي بتدخين السجائر في الوقت الذي كان البعض في المجمع يدخنون غبار الحشيش • بالنسبة لي كانت رائحة الدخان تصيبني بالغثيان وأحسست غير مامرة بالدوار والصداع في رأسي • كنت أجلس صامتا لاأفقه ما أقول فيبادر حسن بالقول ” هاصاحبنا تحشش من الهوا ” !!! بالنسبة لشحن مادة الشيرا فإنه يتم إما عبر المنتجين أنفسهم أو عبر وسطاء يطلق عليهم اسم “العطارين” ، يقومون بجمع المحصول والتكفل بنقله بأنفسهم• الكل يجمع على أن المستفيد من زراعة الكيف بالدرجة الأولى هم كبار المضاربين والوسطاء والتجار والسماسرة، أما الفلاحون الصغار فإنهم يقومون بالزراعة والحصاد ، منهم من يقوم بالنفض وفي أحسن الأحوال يقوم البعض بتحويل الغبار إلى حشيش “الشيرا” وينتظرون قدوم العطارين لنقلها• عملية تهريب المخدرات من المنطقة إلى باقي المدن المغربية ومنها إلى الخارج تتم عبر طرق وممرات يعرفها الحرايفية جيدا ، هذا النعت ” الحرايفية ” يطلقه الناس هنا على العمال الذين يقومون بهذه المهمة لصالح كبار المهربين• يقومون بعملهم ليلا لكي لايفاجؤوا بدوريات الدرك أو قطاع الطرق الذين يتصيدونهم في الفجاج والمنحدرات• عرفني حسن على أحدهم، بدأ في سرد حكايته مع عمليات نقل الحشيش عبر المسالك الوعرة بالجبال لإيصالها إلى أصحابها، يقول “•• في البداية كنا نحس بنشوة كبيرة ونحن نقوم بعملية نقل الكيف أو الحشيش عبر هذه المسالك، كنا نفرح بالمبالغ المالية المسلمة إلينا وكنا ننتشي بتدخين الحشيش طوال الرحلة، لكن كل شيء تغير الآن ، فالرحلة عبارة عن عذاب يومي أو بالأحرى عذاب ليلي نظرا لكون تنقلاتنا تتم ليلا فقط ••”• شباب وكهول يقطعون مئات الكيلومترات مشيا على الأقدام ويتعرضون لحملة مطاردة ويتم نصب كمائن لهم ليس فقط من طرف قوات الأمن والدرك، بل كذلك من طرف قطاع طرق الذين يسلبونهم بضاعتهم بعد مواجهات عنيفة قد تصل في أحيان كثيرة إلى حد وقوع إصابات خطيرة وأحيانا أخرى سقوط قتلى• الخوف من المفاجآت التي تحملها الطريق لهؤلاء يجعلهم يتحركون عبر مجموعات يحمل كل واحد منهم مايناهز الثلاثين كيلوغراما من البضاعة على ظهورهم، ينطلقون عندما يرخي الليل سدوله عبر ممرات يعرفونها حق المعرفة • قد يتيهون أحيانا لكن ليس دائما، يمرون في صمت عبر الدواوير ، لايوقدون النار حتى لايثيرون الانتباه، البعض منهم استطاع أن يربط علاقات مع بعض شباب المنطقة الذين يساعدونهم في توفير مكان هادئ لهم للنوم أو الراحة أو استطلاع الطريق وتأمينها والمقابل كمية من الحشيش للانتشاء أو الاتجار فيها بالتقسيط• يقول أحد الحرايفية “•• لانخاف من السكان هنا، إنهم يتعاطفون معنا ، فنحن نعمل على توفير لقمة عيش ولا أحد هنا يعتبر أن مانقوم به حرام أو غير قانوني، ننام مع بداية تباشير النهار كل مرة في مكان ، قد يكون منزلا مهجورا أو عند أحد أبناء المنطقة أو تحت الأشجار في أماكن مختلفة • المهم هو أخذ قسط من الراحة لاستكمال المشوار في اليوم الموالي ، لكن الأهم هو الحرص على سلامة البضاعة “• كم يتقاضى هؤلاء مقارنة بحجم المخاطر التي يتعرضون لها؟ لايتجاوز الأجر في أحسن الأحوال 800 درهم للرحلة، أجر زهيد مقارنة مع قيمة السلعة التي يحملونها : “•• ماعندنا مانديرو ، طرف الخبز هاذا ومالقيناش ما أحسن•• !!” حكايات النقالة كثيرة وكثيرة جدا ، وهم يسردونها يقطعون شريط الحديث بالقول “غير ربي اللي استر أو غير ربي اللي احفظ “!! لكثرة ماتعترضهم من مشاكل• يقول أحدهم ” •• مرة فاجأتنا مجموعة من قطاع الطرق ونحن نيام في منزل مهجور ، كنا أمام خيارين، إما تسليمهم البضاعة أو التصفية الجسدية• كانوا أكثر عددا منا • سلمناهم البضاعة على أساس إخبار رئيس المجموعة بالأمر ، لكن ما إن نزلوا الوادي وحاولوا تجاوز أحد الدواوير حتى اعترضتهم دورية للدرك الملكي فألقي القبض على ثلاثة منهم بينما لاذ الباقون بالفرار وحوكموا بالسجن بتهمة حيازة والاتجار في المخدرات ، أحد هؤلاء قطاع الطرق ، والذي تم التعرف عليه ، تم تلقينه درسا لن ينساه ، فبقاؤه على قيد الحياة لحد الآن يعتبر معجزة حقا “!! هناك نوع آخر من الحمالة، إنها البغال المدربة تدريبا متقنا والتي يتم عصب آعينها وتحمل بالبضاعة، يتم تركها تسير لوحدها عبر مسالك تعرفها جيدا نظرا لتعودها على ذلك وتتم مراقبتها عن بعد من طرف مجموعة من الحرايفية للتدخل عند وقوع طارئ ، خاصة إذا اعترض سبيلها قطاع طرق، أما إذا تعلق الأمر برجال الدرك ، فإنه إذا لم تكن الطريق قد أمنت من قبل يتم التخلي عنها وتتم مصادرة السلعة• طريقة النقل عبر البغال قلت كثيرا في الوقت الراهن ولاتستعمل إلا عندما تكون الطريق مؤمنة إلا من قطاع الطرق! هؤلاء الحرايفية ، شأنهم شأن الفلاحين بالمنطقة والمتعاطين لزراعة القنب الهندي ، لا تكون حصتهم من هذه التجارة إلا بالقدر الذي يساعدهم على العيش ويوفر لهم مصاريف سنة كاملة• لكن من هم المستفيدون الحقيقيون من هذه التجارة والذين يتحول الحشيش بين أيديهم إلى ملايين الدولارات، بل ملايير الدولارات في الأبناك أو الخزائن السرية؟ هكذا إذن يتدخل المزارع أو المنتج، و”العطار” و “البزناس” في عملية إنتاج الحشيش بدءا من الزرع إلى الجمع والنقل فالتحويل• فإذا كان عمل المزارع ينتهي مع عملية الحصاد والجمع ، فإن دور العطار يبدأ بشراء المحصول من الدواوير وتحويله إلى غبار حشيش ليتم بيعه إلى “البزناس “، حيث يتكلف العطارون ، وهم أشخاص ينتمون في الغالب إلى المدشر، ويشكلون صلة وصل بين المزارع و”البزناس” ويتلقون أموالا طائلة من هذا الأخير، يتكلفون بشراء المنتوج من الكيف وتحويله إلى حشيش ليسهل نقله إلى “البزناس” الذي يتكلف بعملية التهريب بعد تحويله بآلة “البريصة” إلى قطع صغيرة تزن كل واحدة منها ربع كليوغرام تقريبا ويتم تعليبها ووضعها في أكياس بلاستيكية لتسهل عملية حملها وشحنها• أغلب “العطارين” يقومون بعملية شراء وتحويل “الحشيش” و يحتفظون به في منازلهم أو منازل الأكثر ثقة من أصدقائهم ، قبل أن تنقل إلى منزل “البزناس ” الذي مول العملية منذ البداية ليتم تخزينه قبل تدبر أمر بيعه •لكن غالبا ماتكون البضاعة قد بيعت حتى قبل أن تصل• هناك طريقتان للتعامل في هذا الإطار، إما أن يشتري الزبون البضاعة في عين المكان ويتدبر أمر نقلها بمعرفته أو أن يتكلف البزناس بعملية نقل البضاعة إلى غاية الزبون ، سواء كان بالمغرب أو الخارج ، وكل شيء بثمنه!!! وهم لايتلقون ثمن بضاعتهم من الأموال إلا بعد مرور شهر أو شهرين عن التسليم• عاودتني فكرة مرافقة “الحرايفية” في طريقهم إلى تسليم البضاعة، لكن لم أتمكن من الظفر بخوض غمار هذه التجربة ، ليس خوفا هذه المرة، بل نظرا لكون لا أحد من هؤلاء قبل مرافقتي له • كما أن البعض منهم ارتاب في أمري مادمت لا أبحث عن نشوة الحشيش الجيد ولا عن المال ، فما هو سر تواجدي هنا؟ عقدت العزم على مغادرة المنطقة، أخبرت مضيفي بالأمر وشكرته وكل الشباب الذين استمتعت بمرافقتهم خلال هذه الفترة في “امبراطورية” الكيف والتي تنشط فيها هذه الزراعة وتشغل أزيد من 96 ألف عائلة بحسب ماورد في تقارير دولية حول منطقة شفشاون، تاونات، العرائش، الحسيمة ووزان، هذه المناطق التي تفتقر إلى أنشطة صناعية تمكن ليس فقط من ضمان عمل قار لآلاف الشباب هناك ، بل تساعد في تنمية الدخل لآلاف الأسر وتدفع باتجاه مزاولة نشاط فلاحي بديل• انتهت جولتي عبر مناطق زراعة الكيف بالشمال المغربي، لم أحظ بفرصة حضور طقوس الجمع والنفض ، فلقد كان الموسم خاصا بعمليات تنقية الحقول من النبتة الذكر ، ومع ذلك قام حسن بالعملية أمامي ليريني طريقة الاشتغال•

 

عود على بدء 
ودعت الجميع وأوصلني مضيفي إلى مركز اخميس إساكن، استقليت سيارة أجرة باتجاه مدينة تاونات ثم إلى مدينة فاس، في طريق العودة إلى الدار البيضاء • ملايين الدراهم ، إن لم نقل ملايير الدراهم يجنيها “البزناسة ” الكبار من هذه التجارة وتجد طريقها إلى المصارف الأجنبية أحيانا وتتكدس في خزائن خاصة بعيدا عن الأنظار أحيانا أخرى ، حيث يفضل البعض من هؤلاء التعامل “كاش” بعيدا عن وجع الرأس الذي تسببه الأبناك والتي قد تثار فيها أسئلة حول مصدر الثروة• تقسم مافيات المخدرات سوق الحشيش إلى نوعين، سوق داخلي وله باروناته والسوق الأجنبي والذي يصعب اختراقه مالم تكن هناك ارتباطات بمافيات المخدرات بالخارج وتكون مظلات الحماية على مستوى كبير من الدراية وإلا سيسهل السقوط في قبضة العدالة• وحسب مصادر متطابقة ، فإن كمية المخدرات الموجهة إلى الخارج تفوق بكثير الكميات الموجهة للإستهلاك الداخلي والمروجة بمختلف المدن المغربية، كما أن الإحصائيات الرسمية بأمن ميناء طنجة تفيد بأن الكميات المحجوزة من المخدرات سنويا يكون مصدرها مدينة الدارالبيضاء وأكادير و الرباط وسلا ، الأمر الذي يبين أن شبكات تهريب المخدرات في ترويجها للمنتوج لا تنطلق مباشرة من الشمال المغربي، بل من مدن لاتعرف مثل هذه الزراعة ، وهو ما يطرح أكثر من تساؤل حول الطريقة التي تصل بها إلى هذه المدن وأماكن تخزينها قبل شحنها إلى الخارج مادامت قد صنعت للاستهلاك الأجنبي! أغلب التقارير تفيد بأن إسبانيا هي القطب المحوري لعبور الحشيش المغربي أو الشيرا إلى أوربا وأن أغلب الشحنات الموجهة إلى السوق الأوربي تجد طريقها إلى الأسواق وأن القليل منها يتم حجزه، عملية الحجز هاته غالبا ماتلعب الصدفة دورا رئيسيا فيها ، إذ نادرا ماتتم المعرفة المسبقة لعملية التهريب من خلال وشاية نتيجة تصفية حسابات بين التجار أنفسهم•

تحقيق منشور بجريدة الاتحاد الاشتراكي

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image