
بدر الباز
في إحدى الليالي، كنت ساهرا في مقهى، جالسا مع مجلسي المفضل (سيجارة، قلم، ورقة، كتاب، قهوة)، فبينما أنا تائه في النقاش وتنظيم الحوار بين أعضاء مجلسي الراقي، التفتت عيني إلى فتاة تحمل سيجارة في يدها، وغيوم السحاب على وجنتيها، وغدر الزمان على كتفيها، لم اهتم بالأمر وسايرت الحوار مع مجلسي الموقر إلى حدود الساعة الثالثة صباحا.
عندها سمعت صوت فتاة يخاطبني، بنبرة سحرية، ومقامات موسيقية، نظرت إليها بسرعة قد تكون ضوئية، فاكتشفت في وجنتيها حربا مخفية، وتأكدت على أن وظيفتي ستتحول الى مهمة نفسية، استقبلت نداءها بابتسامة مزهرية، وبتحية أخوية، ردت التحية بالتحية وسألت سؤالا مسرعا ومتسرعا يعكس استغلالها بكل همجية. كيف لك يا هذا الا تخاطبني رغم اننا لوحدنا في المقهى سويا؟ أجبتها بلطف على ان مقامي يعرف نقاشا قويا وعلى ان سيجارتي تحاضر في الشرف، وان قلمي يوثق أفكارها توثيقا رسميا، وان ورقتي بالمداد حملت قضية، وان قهوتي السوداء تساعدني في إيجاد حل لمشاكل الرعية.
أعجبت بالجواب، وقالت: هل لي في مجلسك المفضل مقام ولو ضيفة لثانية؟ قلت لها مرحبا، فمجلسي متسع لسعات وسعات ولكل صوت جميل يعكس نسيم الليل وسحر نجوم سجية.
تبسمت حتى غاب الظمأ عن وجهها، وحتى انشطر النور من عينيها، واقتربت بلطف ولطف. حيث وضعت لها مكانا في مجلسي، وشرفتها بمعرفة قلمي وكتابي، وأردت تعريفها بسيجارتي، فقالت: ويحك لا تبالي فهي صديقتي المفضلة.
بدأ الحديث بعفوية وانصهر وطال بكل تلقائية، الى حدود الساعة الرابعة والنصف صباحا، حيث بدأت تحكي عن قصتها المزرية وعبرت عنها بمقامات شعرية:
انا بنت رجل “حقوقي”، تخشى الدولة منه الاتصال بمنظمات نسائية؛
انا ضحية لأسرة مفككة مثل سيارة منسية:
انا انقطعت مبكرا عن دراستي، وأخذت الشارع درسا قويا:
انا فقدت العطف والحنان وسرت للإحساس منسية؛
انا عاهرة وفي جسدي أسست علامة تجارية …
بصراحة لم أقدر على سماع ألمها، ولا عيش قصتها، مما جعلني ملزما بمواساتها، والقول لها بانها انسانة عظيمة، وأنني احترمها احتراما شديدا، وأنها أختي الأولى في الإنسانية. نظرت في أعيوني بنظرات سجية، وقالت: إنى فقدت الثقة في كل شيء وأتمنى ان تكون رجلا وفيا. وعدتها بكل تلقائية، وأقسمت لها على ان عهدي لها محقق بلا عهود، وتعاطفي معها ليس له حدود.
استمر عهدنا وصداقتنا ، التي لم ولن تتجاوز الحدود ولو بكلمة ساقطة او نظرة خفية ، الى مدة ثلاثة اشهر ،حيث انقطعت أخبارها ولم تعد تسأل عني ولو برسالة نصية، مما جعلني ملزما بالبحث عنها ، اذ اتصلت بشخص كان يعرفها ،واخبرني على انها ماتت بطريقة غير عادية ؛ حيث اشتد رأسي ألما وقلبي ضغطا وسألته ؛ ما المقصود بطريقة غير عادية ؟. قال: انها ذهبت مع جندي الى منزله في مجموعة سكنية ، وانه ترك الباب مقفلا عليها لمدة 3 ايام ؛ مما جعلها تهرب من النافذة، وتسقط من الطابق الرابع، ميتة بشكل قد يكون شبيها بسيناريوهات هوليودية .
أصبت عندها بنوبة فكرية لما آلت إليه الأمور، وحزنت حزنا شديدا على حالها، واستمر الوضع هكذا كلما تذكرتها، وفي يوم من الأيام عند حضوري إلى ندوة علمية بمحكمة الاستئناف ـ بتازة حول وضعية المرأة المحامية بين المرجعية الدولية لحقوق الإنسان والتشريعات الوطنية، وجدت والدها ينتقد المرجعية الإسلامية ويتغنى بالصكوك الدولية ـ قاصرا ومعتوها وفاقدا كل مقومات ـ ضمير الإنسانية. تمالكت نفسي، وفكرت بعمق على انه لا يستحق الرد، وعلى انه في مزبلة التاريخ “رمزا” منسيا، كما أنني اقتنعت اشد الاقتناع، على ان مشكلتنا ليس في المرجعية الحقوقية ولا هويتنا الإسلامية، وانما في انعدام ضمير المسؤولية.










تعليقات
0