الدكتور محمد جمال: تقويم قصيدة “أسطـورة أنت” للشاعرة خديجة بوعلي

أحمد بيضي الثلاثاء 28 مايو 2019 - 03:47 l عدد الزيارات : 31741

 

  • الدكتور محمد جمال (°)

 

تقويم قصيدة “أسطـورة أنت” للشاعرة خديجة بوعلي
 (وفيه ثلاثة مطالب)
 أسطورة أنت أيها
الجاثم على الصدر
أسطورة أنت . . . 
منذ بدء العمر
لازلت هنا رغم 
مرور الدهر
لازلت تتيه بي
في فيافي الليل
تَعْبُرُ بي الصحاري 
والوهاد دون أن أدري
ومع شهقة الصبح
يتلألأ جمرك
في باحة فكري
فتلهب هدوئي
وتزلزل صبري 
وتٌفْلِتٌ من يدي 
زمام أمري
تلون صفاء عيوني 
!
بالكدر . . .
مابك تلاحقني ؟ألا تدري؟
أنني منك بت أفر
وأجري . . .
رغم إصرارك
لن تكون قدري
لن أتركك تئد ماتبقى
من عمري . . .
ساتمرد عن أرق
يكتم صهيل فجري
سأتحداك . . .
يا أسطورة تجتث
ما أينع حول الروح
من زهر . . .
==========================

 المطلب الأول:  موقع المنحى الشعري للشاعرة خديجة بوعلي من غيره

     من القواعد المقررة عند أهل التحقيق في مختلف العلوم والفنون، أن الشاعر الحق، كما المفكر الحق، والمبدع الحق والمتدين الحق، … ليس إنسانا عاديا  ـ لا عند نفسه ولا عند أمثاله ـ لا يخضع في منطقه ومزاجه لمقاييس عامة الناس الذين ما فتؤوا يجهدون أنفسهم عبر التاريخ من خلال ما قعدوه من قوانينهم وما تأولوه من أديانهم وما وضعوه من أعرافهم من أجل المحافظة قدر الإمكان على تلكم المسافات المرسومة فطرة بين الماهيات الصغيرة التي بها قوام كل واحد منهم من حيث هو إنسان: غريزة وجسدا و وجدانا بشقيه الداعي والصارف وعقلا بشقيه الضروري والمكتسب.
    وجنوح الشاعر ـ وهو المنشود عندي هنا ـ عن معهود الناس في التماس أسباب التوازن بين الماهيات الصغرى التي تؤثث ماهيته الكبرى، معلل بتوسعه في مساحة ماهية صغرى من هذه الماهيات على حساب الأخريات. وعلى طبيعة توسعه ذاك تبنى طبيعة شعره ونسبته إلى مدرسة شعرية مخصوصة أونمط شعري مخصوص. فيسمى شاعر تشبيب أو شاعر مجون … أو شاعر تعفف أو شاعر وجدان بالمقياس الراقي العام.
    والأستاذة بلا شك محسوبة على نمط الشعر الوجداني بالمقياس الراقي العام في أرقى ما تكون درجته. وهو المسمى في تقديري “الشعر الوجداني العام الراقي المتفلسف”.
    وبيانه أن من الشعر الوجداني العام ما لا يمتلك صاحبه ناصية الألفاظ التي يصدرها جزافا في تضاد وترادفات غير معللة يمجها الطبع وسليقة العربية ويأباها عنوان قصيدته. وهو ما يخلق نشازا في صنعته وكأن الدلالات التي ينشدها تخاصم الألفاظ التي تحملها. وغالب حال من يرتكب هذا المزلق وينحو هذا المنفق، أنه اقتحم الشعر وليس في أعماقه شاعر حقيقي أو أنه معوز بأدوات التعبير من ضعف في العربية أو قصور في ملكة الإبداع التي هي هبة من الله تعالى لا يستوي الناس في امتلاكها.
     وإنما استحقت الشاعرة خديجة بوعلي حسبانها على نمط الشعر الوجداني الراقي المتفلسف لأسباب ثلاثة:
1ـ انتقاِؤها عن وعي مهيء له سلفا لقطع الغيار التي تؤثث قصيدها من بداية العنوان إلى آخر القطعة، بما يشعرك في كثير من استعاراتها القوية بقصدها المتعمد إلى أداء معنى مخصوص. وهو ما تلمسه ـ وهو الطاغي في كتاباتها ـ في معادلة ضآلة المستعار له وقوة المستعار عندها. مع استحضارها بنباهة خبير المختبر للقرينة الجامعة بين القطبين لتعطي بهذه المعادلة بين القوي والضعيف بعدا دلاليا أعمق بما يتناسب وحاملي القلوب الكبيرة مثلها.
 2ـ ترتيبها الألفاظ تقديما وتأخيرا وتكرارا وإسنادا إلى بعضها، أوتفريدها في السطر، بما يخدم المقام المنتظم لعباراتها إسنادا ولألفاظها تفريدا.
3 ـ ربطها أجزاء القصيدة في بوثقة تفضي حلقاتها إلى الأخريات بصلة نسب تصاعديا إلى النهاية وتسافليا إلى البداية.
 4ـ    والمحصلة التي أخشى التقصير في عدم إيراد بعض مما تأسست عليه،  أنك عند التمعن في هذا الإفضاء بين عناصر القصيدة عند الأستاذة خديجة تلمس أن هناك شاعرا حقيقيا له موضوع حقيقي حي اختار له عنوانا حقيقيا حيا مقصودا بعناية ولغرض. وهو أشبه عند التحقيق في تعلقه بالقصيدة بشرفة أيكة سامقة يزل عنها ظفر الطائر، يطل منها المتنعم فيها على بستانه، بحيث يحتويه شعاع النظر كله بألوانه الزاهية وأشجاره اليانعة وثماره الباسقة ووروده الفياحة بكل أريج. فيتنفس عميقا في زهو المتنعم عبق وروده ويملأ عينيه من طويلا من هندسة الله تعالى في كونه، دون نسيان ما يتراءى بعيدا خلف الصورة من زرقة السماء وما يتخللها من الغيم الخفيف بما يرسم لوحة متناسقة العناصر.
 

المطلب الثاني: تقويم مضمون  قصيدة : “أسطورة أنت”

أولا: تقويم دلالة العنوان وبيان مكامن القوة البلاغية والقصدية فيه

       خالفت الشاعرة في وضعها هذا المركب الإضافي معهود غالب الاستعمال العادي عند العرب في تقديمهم الموصوف على الوصف، والمسند إليه على المسند. كما خالفت معهود أهل المنطق في تقديمهم الموضوع على المحمول. على نحو قولهم: “أنت أسطورة”. و”عمرو عالم” بحيث يصح امتحان صحة هذه النسبة الخبرية بين الإسمين المفردين عرضا على الواقع. وهو شرط تسليمها كمقدمة ليصح بناء مقدمات أخرى عليها فنتيجة. 
      وهذا الترتيب في النسبة الخبرية في هذه الجملة الحملية معلل بأن الأوصاف في حقيقتها الوجودية ليست كفؤا في مساحتها الدلالية لماهية الموصوفات وإنما هي أجزاء منها فغلبها الناس تجاوزا وصارت مستغرقة لموصوفاتها بالتجاوز لا بالحقيقة.
       فعندما تقول: “عمر عالم” تجد أن الوصف مستغرق للموصوف ظاهرا. وكأنه كل العلم. لكنك عند التحقيق تجد أن العالمية ما هي إلا جزء من ماهية العالم. فهو أيضا بشر وإنسان وقوي وضعيف ذكر أو أنثى شاب أو شيخ كريم أو بخيل ,,,,,إلخ مما يدخل من الأوصاف في ماهيته.
      لكن الشاعرة خديجة أرادت أن تؤدي معنى آخر بقلبها الموضوع محمولا والمحمول موضوعا، في هذا المركب الحملي بصيغة:”أسطورة أنت”. وقد تعمدت هذا حتى يتحقق لديها الاستغراق التام بين الوصف والموصوف بما يجعل غريم بطلتها في القصيدة الذي سمته “أسطورة” يتقمص كل أوصاف الأسطورة دون غيرها من الأوصاف الأخرى. إذلو قالت: أنت أسطورة لانصرف الذهن توا إلى أن الأسطورية جزء من ماهيته كما حال جميع التوابع الأخرى من صفاته. وقرينة ذلك أنه مقدم في النسبة الخبرية والمقدم له مزية على المؤخر فهو الموضوع وعليه مدار الحكم… 
      لكنها لما قالت أسطورة أنت فقد أعطت للأسطورية مزية الغلبة وجعلت منها موضوعا مستعارا مستغرقا للمحول الذي هو أنت. وهي بذلك تروم الإمعان في المبالغة في وصف صنيع هذا المتهم في القصيدة مع البطلة الذي خذلها في البدايات وجاء لينغص عليها حياتها ويوقظ لواعج المشاعر الدفينة في النهايات ويشوش على واجباتها نحو قدرها الثاني وإن لم يكن لها دخل في اختياره.
ثانيا: هندسة المساحة الزمكانية لشخوص القصيدة:
     هيأت الشاعرة مضمارا شاسعا بما يتناسب وطبيعة شخوص قصيدتها من مساحتين عريضتين  زمانية  ومكانية:
1 ـ زمنية تبتديء من أول عمر بطلة القصيدة إلى زمن كتابة الشاعرة لها مع ما تخلل تلك الفترة الزمنية من ليالي سرحان روح البطلة على مر الليالي في الربوع النائية مع لذة الحلم وتخدير الوهم، وما تخللها من الصباحيات النارية المحملة بهاجس الخوف من أن يوقظ نورها بطلة القصيدة من غمرة لذة الحلم وتخدير الوهم.
2ـ شساعة مكانية تمتد من مكان الواقع الذي تعيش فيه البطلة إلى أبعد ما يكون الأفق في الصحاري والوهاد حتى تعطي للروح من الآفاق ما يكفي لتحقيق لذة الحلم العارمة أثناء سرحانه وسباحته في أحلام النوم وأوهام سكون الليل. 
ثالثا: تحليل قصيدة: “أسطورة أنت”
   وفي زاوية ما من مضمار النزال والمساءلات نصبت الشاعرة محكمة للترافع بين البطلة وبين غريمها الذي سمته “أسطورة”.. وهي محكمة بكل المقايس.
ـ فيها المدعي المشتكي المستغيث الصارخ المتمرد وهو شخص البطلة.
  • وفيها المدعى عليه الكائن الأسطورة. 
ـ وفيها متابعة “محكمة المنطق والعهد القديم” للمتهم بالتهم التالية وهي نوعان منطوق ومفهوم.
* التهم التي يفصح عنها منطوق النص:
 ـ الجثوم على صدر المشتكية منذ طفولتها
ـ التيه بالمشتكية في فيافي الليل وعبوره الصحاري بها 
ـ ملاحقتها حيثما حلت وارتحلت
 * التهم التي يفصح عنها مفهوم النص
ـ اتهامه بالتهاون في منع الصباح من أن يشرق حتى لا يفسد عليها أحلام الليل الجميلة والأوهام الصوفية البهيجة التي تنعش عقلها الباطن وهي نائمة.
 

المرافعة:

      لم تعط الشاعرة مهندسة القصيدة الأسطورة حق الدفاع عن نفسه.  وكأني بهذا تلمح إلى أن التهم الموجهة إليه ثابتة في حقه وأن محكمة المنطق الإنساني الرحيم العاقل مقتنعة بتجريمه. بينما أعطت للبطلة حق الدفاع والتماس الأحكام الجزائية في حق غريمها الأسطورة: وذلك بأن وجهت إليه أسئلة إنكارية هي في ظاهر حالها تهم قضائية، ولكنك عند التمحيص تحس وكأن لومها وعتابها له وإنكارها عليه ليس لوما على تعقبه لها في كل مكان وزمان، كما يفصح عنه ظاهر العبارة.
ولكنه لوم منها له على تفريطه فيها في البدايات. وهو الحجة القضائية التي تأسس عليها الحكم عليه بعدم أحقيته في ملاحقتها واقتحامه الدائم لرحابة فكرها وقلبها… فيتحصل أن تفسير هذا الحكم القاسي عليه وعليها معلل بما كان منه من تفريط في البدايات .. إذ لم يحول وقتها ما كان حلما لها إلى حقيقة دائمة بوصال مشروع حقيقي ودائم بما يستحيل معه حلم النوم إلى حلم يقظة بيقين…
 

الأحكام: 

       أصدرت محكمة الشاعرة الأحكام التي التمستها بطلة القصيدة في حق المتهم “الأسطورة”، في تمرد عليه تغالب فيه على مضض مشاعرها القديمة الدفينة نحوه. عندما نطق الحكم بأنه لن يكون غريمها الأسطورة قدرا لها.
 وكأنها تلمح إلى أنه قد جد من الموانع والواجبات المعلقة في عنق البطلة ما يمنعها من قبول اعتذاره ورضوخها لطلبه بمشاركتها إياه تحويل الأحلام التي يتعقبها بها إلى واقع وحقيقة.
 وكأن لسان حال البطلة في هذه الممانعة التي تخفي مرارة قاسية يقول: إن واجباتها نحو قدرها المفروض في واقع اليوم لها قدسية أخرى اكتفاء بشيء من سعادة عرفية منمطة. وبهذا صار لقدر اليوم من قوة الغلبة ما جعل المحكمة تقدمه على قدر الماضي الذي كانت له ولها فيه فسحة الاختيار لكنه فرط بعدم استثماره وتحويله إلى سعادة حقيقية.
 

المطلب الثالث: خلاصة تقويم قصيدة “أسطورة أنت”

       نذكر في هذه الخلاصة بما استعرضناه من وقائع إنسانية مؤثرة في مضمار قصيدة “أسطورة أنت” من محكمة نصبت ومرافعات عقدت وشكاوى قدمت وأحكام نطقت مع ما اختزنته هذه الأحكام من ازدواجية قاسية:
أ ـ اقتصاص منصف من المتابع بتضييع ود قديم.
ب ـ وألم مخلف في نفس البطلة المشتكية حسرة على فقده وإشفاقا على حبسه وراء قضبان سجن الفرقة والبعاد بما ستنأى به عنها الدار ويشط المزار.
     فما أروعها بلاغة وأعمقه حسا عندما استطاعت الشاعرة تقدير المشتكية سببا في سجن غريمها وتقدير سجنه في المقابل سببا في زيادة اشتعال نار حنينها إليه ولوعتها عليه والتي استيقظت من سبات نسيان مؤقت لتتجدد وتستعر بفقده.
ج ـ  فمن عالم غيبتة الطويلة الحرة عنها نسبيا اقتنصته في لحظة من لحظات تعقبه لها لتحاكمه على الغيبة والبعاد.
د ـ وإلى نفس عالم الغيبة ـ لكن المحروسةـ أبعدته بموجب حكم محكمة منطق عقلي لا يلتفت إلى منطق الوجدان الذي لا زال يشتعل بداخلها لوعة على فقده الأول، لتنضاف لوعة إلى لوعة تولدت بمخاض عسير من إضافة فقد إلى فقد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(°) أستاذ جامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة السلطان مولاي سليمان – ببني ملال

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image