-
محمد عياش (°)
اهتم أنطونيو كرامشي بادوار المثقفين داخل المجتمع، وقد كان على صواب حين قال: إن جميع الناس مثقفون، إلا أنهم جميعهم لا يؤدون الوظيفة الاجتماعية للمثقف، ذلك أن الميسم الأول للمثقفين هو فعل الالتزام الذي لا يتجسد في تفريخ خطابات جوفاء بقدر ما أنه يشكل ترجمة للانخراط في تنظيم الممارسات الاجتماعية بما فيها الممارسة السياسة… هؤلاء المثقفون العضويون لا يصفون الواقع بناء على قواعد علمية فحسب، بل يعبرون- بالأحرى- عن تجارب وأحاسيس الجماهير التي لا تستطيع فعل ذلك من تلقاء نفسها…
هذه الإضاءة الاستذكارية التي ارتأيت أن اوطئ بها للحديث عن المجتمع المدني وعلاقته بالوثيقة الدستورية، وأثره في ترسيخ الديمقراطية التشاركية، تفرضها مفارقة بارزة لا تكاد تخطئها العين في واقعنا المغربي الراهن، وتتمثل في انه كلما تقدمنا في السعي نحو تثبيت وعي مدني حداثي كمنظمات وجمعيات وحركات غير حكومية وفاعليين اجتماعيين، كلما وجدنا أنفسنا نلف داخل مدارات يشبه ويكرر بعضها بعضا لأسباب ذاتية وموضوعية.
فأما الذاتية فتتجلى في صعوبة وعدم قدرة العديد من التنظيمات المدنية وضمنها الجمعيات على تنزيل النصوص القانونية إلى أرض الواقع، ومواكبة التحولات الاجتماعية المتسارعة وما يلابسها من تطلعات مشروعة إلى الظفر بنصيب مستحق من التنمية الشاملة والمستديمة ، وأما الموضوعية فتكمن في عدم استعداد الدولة ومؤسساتها الرسمية للدفع بدينامية الوعي المدني إلا في الحدود التي تراعي الالتزام الحرفي بقوانينها الفوقية، وتخوف المجالس المنتخبة من تهديد المصالح القريبة والبعيدة لأعضائها وأتباعهم.
ويمكن بلورة هذا الخلل الكبير والملوس في جانبين بارزين :
أ- الجانب القانوني :
مفهوم المجتمع المدني في المغرب سيشهد طفرة نوعية مع الانفراج السياسي في ظل حكومة التناوب ، وما رافقه من اتساع للوعي الحقوقي والإرادة الرسمية في إشاعة المفهوم الجديد للسلطة القائم على الارتقاء بالتدبير المحلي والعام عن طريق التكامل بين الديمقراطية التمثيلية وبين الديمقراطية التشاركية ، والإنصات إلى هموم المواطنين بدون استثاء من أجل أخذ حاجاتهم الملحة بعين الاعتبارفي المشاريع التنموية المرحلية والمستديمة …. وهذا المنحى الإيجابي في المجتمع جاء استجابة لتقرير الخمسينية الذي ركز على أهمية التعاون بين الهيئات الدستورية والسياسية والنقابية والجمعوية من أجل بلورة المشاريع التنموية لاستكمال المواطنة الكريمة، وجاء كذلك استلهاما لروح دستور 2011 الذي حدد في الفصول 12-13-14-15-139 الآليات الدستورية الكفيلة بضمان مشاركة المجتمع المدني في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها …ومع ذلك ، فإن أدوار المجتمع المدني تظل مرتبكة إن لم نقل غير مفعلة بالشكل المطلوب نظرا للموانع الآتية:
ضعف مأسسة الديمقراطية التشاركية وتحولها إلى بروتوكولات سياسية شكلية وفقيرة أو محتشمة من حيث المضمون التشاركي.
الغموض القانوني الذي يكتنف النصوص الدستورية وما يترتب عنه من تشعب وتضارب في التأويلات (مثال ذلك التأويل الضيق الذي تم إسقاطه على عبارة السلطات العمومية الواردة في الفصل 15من الدستور حيث تم حصرها في شخص رئيس الحكومة فقط).
ضعف الإرادة لدى أصحاب القرار السياسي في فتح المجال وتشجيع المجتمع المدني على الإسهام في صناعة السياسات العمومية بسبب إحداث مساطر غير قابلة للتطبيق (مثال ذلك ان الجمعيات من حقها أن تتقدم بعرائض إلى السلطات العمومية ، وبملتمسات في مجال التشريع بواسطة جمع توقيعات المواطنين، غير أن هذا الإجراء تم تقييده بشروط تعجيزية حيث إن تقديم عريضة يقتضي الحصول على توقيعات 7200 مواطن عليها، وتقديم ملتمس يتطلب الحصول على توقيعات 25000 مواطن مصادق عليها من لدن السلطات المحلية ..وأن يكون هؤلاء المواطنون مسجلين في اللوائح الانتخابية، متمتعين بالحقوق المدنية والسياسية ، وفي وضعية جبائية سليمة).
ب-الجانب السوسيوثقافي :
حسب بيير بورديو فإن الديمقراطية فلسفة، ونمط حياة، وعقيدة، وشكل في الحكم … بهذا المعنى، فإن أي حركة للمجتمع المدني ليس بمقدورها الامتداد والرسوخ – ثقافيا ومجتمعيا- إلا داخل مجتمع :
تؤمن مختلف مؤسساته وشرائحه وأفراده بالحرية كقيمة جوهرية في المبادرة والإبداع..
-
مجتمع تكون فيه الثقة أساس التعاقد بين الدولة وبين المواطن عوض الخوف والحذر والريبة..
-
مجتمع يقدر قيمة المواطنة والتنوع والحق في الاختلاف..
-
مجتمع يعلي من شأن ثقافة الاعتراف والتواصل والتضحية …
-
مجتمع يرجح كفة القانون على العادات والأهواء والتسويات الهشة..
في المجمل ، مجتمع يتبنى القيم الإنسانية السامية ويحرص على صيانتها وممارستها كسلوك يومي مألوف …وفي حال انتفاء أحد هذه الشروط والقيم ، يمكن للمجتمع المدني كمفهوم وكممارسة ان يتعرض للكثير من المشوشات والإكراهات التي تؤثر سلبا على أدواره الجوهرية في تجسيد الديمقراطية التشاركية وكسب رهان التنمية …فمن الصعب جدا أن نرتقي بالمجتمع المدني أمام حكومة تشتغل لوحدها على تدبير الملفات الحساسة دون استشارة المجتمع المدني.
ومن غير المفيد أن نراهن على مجتمع مدني في مواجهة بنية سلطوية – رغم رفعها لشعارات الحداثة –لا تعترف بمصداقية من يخالفها التصورات وآليات العمل والرهانات إذا كانت تدخلاته تنزاح عن قواعد اللعبة (كل بنية سلطوية تقليدية لا يمكنها أن تدخل في توافق مع مجتمع مدني حداثي، مسألة بديهية)، مثلما أنه من المستبعد أن نتقدم بالمجتمع المدني خطوات في اتجاه تفعيل الديمقراطية التشاركية داخل منظومة اجتماعية توكل القدرة على التدبير الأمثل واتخاذ القرارإلى نخبة ضيقة تحتكر جميع الصلاحيات، وتنهج طريق الوصاية في تحديد السياسات العمومية وإنجازها وتقويمها.
ولهذا نجد في بعض الأحيان أن الجهات الرسمية المسؤولة حين تستشعر قوة التأثير والتأطير لدى إحدى جمعيات المجتمع المدني ، تلجأ إلى أساليب خفية وأحيانا ماكرة في التضييق على أعمالها وتحركاتها كما لو أن خدمات هذه الجمعية الموجهة إلى الساكنة يمكن أن تشكل مدخلا لإنضاج الوعي الجماهيري وتحويله إلى مصدر ضغط على السلطة لتحقيق المطالب والإصلاحات التي لا ناقة ولا جمل للمسؤولين في الاستجابة إليها (اللعبة الانتخابية تحتل مساحة كبيرة في هذا الجانب) …
ويمكن هنا التمثيل لهذا النوع من التحديات الفوقية لأدوار المجتمع المدني – بخنيفرة مثلا – في ما تعانيه جمعيات الأحياء الهامشية (أستحضر هنا ما عاناه سكان أمالو مع السلطة بخصوص تحويل فضاء حديقة عمومية إلى فضاء عقاري)، والجمعيات ذات التوجه الأسري ومقاربة النوع (أستحضر معاناة الجمعيات الجادة منها بسبب هيمنة العقلية الذكورية في المجتمع المغرب يوما تستتبعه من مواقف تبخيسية لأدوار المرأة في بناء المشاريع التنموي) والجمعيات الخيرية (أستحضر أيضا التهم التي يكيلها الخصوم للجمعيات الخيرية والدينية، ونعتها بتكريس توجهات سياسية وهي منها براء)، والجمعيات المدافعة عن مكونات الهوية المغربية وضمنها المكون الأمازيغي (أستحضر هنا سهام النقد والغضب المسددة نحو الجمعيات التي تدافع عن خصوصيات الهوية المحلية والمطالب الثقافية واللغوية لحامليها) والجمعيات الحقوقية (أستحضر هنا ما تتعرض له فرع إحدى الجمعيات الحقوقية من مضايقات بسبب وقفات سلمية وحركات احتجاجية حضارية تطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد).
وحتى لا ننجرف مع تيار السوداوية الذي يجرنا إليه سؤال المشروع الديمقراطية والعمل الجمعوي الراهن بالإقليم، يمكن أن نتحدث عن انبثاق وعي جمعوي اكثر انخراطا وطموحا للإسهام في خدمة التنمية المحلية بخنيفرة في السنوات الأخيرة بالرغم وجود العديد من الإكراهات والتحديات ..وسندي في هذا القول متابعتي المتواضعة لما تشهده الساحة الجمعوية والتنموية بإقليم خنيفرة من مبادرات وأنشطة ومشاريع جادة ورصينة منذ ثلاثة عقود تقريبا حيث يتبين للملاحظ والمتتبع أنه بقدر ما يزداد التهميش للمنطقة مؤخرا بقدر ما يتنامى الوعي والإحساس بضرورة الانخراط في مقاومة الهشاشة والفساد بما تتيحه الشروط القائمة من إمكانيات بشرية ومادية ولوجيستية …
يكفي أن أذكر هنا بأدوار الجمعيات التالية في خدمة القطاع الطفولي والشبابي والنسائي والحقوقي والثقافي والسياحي كجمعية الشعلة للتربية والثقافة، جمعية حركة شبابية، خنيفرة مبادرات، جمعية الأمل، جمعية أجيال زيان، جمعية العنقاء، فرع الجمعية المغربية لمدرسي علوم الحياة والأرض، جمعية أنير، فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع الشبكة المغربية لحقوق الإنسان، منتدى الأطلس للثقافة والفنون، جمعية الأنصار للثقافة، ومركز روافد للأبحاث والفنون والإعلام، جمعية وشمة، لمسات فنية، أكطاديس، جمعية “أمغار”، نادي إسمون نعاري، نادي إيسوريفن نوورغ، شبكة الجمعيات التنموية لأيت سكوكو، جمعية” تيغزى” أطلس للتنمية والجمعية الاجتماعية للتنمية بتغسالين…
وللتوضيح فقط، فإن مجمموع الجمعيات المعترف بها رسميا في خنيفرة، إلى حدود شهر يونيو 2017، هو 1070 جمعية..رقم كبير ومثير، لكنه يخفي وراءه تراكما ضعيفا من حيث الخدمات الموجهة للساكنة بالعالمين الحضري والقروي مع الأسف …. والأمل يحدونا في أن يتسلح الفاعلون الجمعويون بالمزيد من الوعي المدني الحقيقي، ويتشبعوا بالكثير من الروح المواطنة الصادقة لتأهيل هذه التنظيمات الجمعوية ذات النفع العام إلى أن تشكل طرفا أساسيا وحقيقيا في تدبير السياسات العمومية وترجمة مطمح الديمقراطية التشاركية إلى حقيقة ملموسة ومعيشة على المستوى المحلي …
إن التطبيق الرشيد لجدلية الفعل الجمعوي والديمقراطية التشاركية كما تنص عليها الوثيقة الدستورية 2011
،يستلزم التفكير وإعادة التفكير في تحقيق تواصل دائم ومثمر للجمعيات باعتبارها وسيطا بين الساكنة وبين الدولة من جهة ، وحصول القناعة لدى الجهات المسؤولة بأن إشراك فاعلين جدد في تدبير السياسات العمومية بات واقعا لامناص منه في الهندسة الجديدة للسلطة لمغرب ما بعد 2011 من جهة أخرى .
ولمعانقة هذا الأفق المشرق الذي لا نختلف حوله مهما تباينت الانتماءات والمواقع الطبقية والثقافية والاقتصادية ، لابد من المجتمع المدني، وأخص بالحديث التنظيمات الجمعوية، إلى المزالق التنظيمية والعملية التالية :
-
اجتناب ما يمكن تسميته “بالبارانويا الجمعوية”، والتي نقصد بها سقوط الجمعيات في شرك الوهم بأنها هي الأفضل والأجدى في محيطها ، وما دونها من جمعيات هي مجرد تنظيمات شبحية أو طفيلية.
-
الحرص على تطبيق الديمقراطية الداخلية بدءا من الجموع التأسيسية واختيار المنخرطين واقتراح الأفكار وتسطير المشاريع، وصولا إلى تحديد آليات الاشتغال ..فمن لا يمتثل لشرط الديمقراطية الداخلية جمعويا لا يمكنه أن يساهم في إنجاح الديمقراطية التشاركية اجتماعيا.
-
تأطير الأعضاء والمنخرطين والمتعاطفين بشكل أساسي ومستمر ومحين حتى تكون الجمعية دائما في مستوى المواكبة الدقيقة للمستجدات القانونية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية .
-
عدم شخصنة العمل الجمعوي، وتفادي إلقاء ثقل المسؤولية والمهام على طرف أو طرفين في مكتب الجمعية ، فقد لوحظ أن عددا من الجمعيات انسحبت من الساحة بسبب إثقال كاهل اطراف منها دون أخرى بأعباء مادية ومعنوية وتنظيمية فوق الطاقة …وحين يتوقف أولئك الأطراف عن الاضطلاع بالمهام الواجب إنجازها في زمكان محدد ،تتوقف الجمعية ككل عن العمل .
-
تجديد القيادات من خلال المراهنة على مبدأ التشبيب كقناعة جوهرية وليس كشعار براق .
-
تحول الجمعية من قوة تأطيرية إلى قوة اقتراحية – كما ينص على ذلك الدستور الجديد – بمقدورها تقديم الإضافة النوعية الإيجابية للسلطات المحلية والجماعات الترابية على مستوى تشخيص الأعطاب، واقتراح طرق العمل، وآليات التنفيذ، والتقييم (تفعيل مبدأ المساءلة والمحاسبة)، والبحث عن البدائل الناجعة والملائمة لحاجات وخصوصيات الساكنة المحلية .
-
تجنب العمل الموسمي الذي عادة مايحول أنشطة الجمعيات إلى شهادة لإثبات البقاء على قيد الحياة أكثر منها شهادة على بعث الحياة في الرهان التنموي وأسئلة المحيط المحلي الثقافية والسوسيو اقتصادية والروحية ..
-
التفكير في صيغ جديدة لعقد شراكات حقيقية مع فاعلين من قطاعات أخرى تهمها المصلحة العامة للساكنة أكثر من أي مصالح أخرى زائلة .
-
تقوية التواصل والتنسيق مع النسيج الجمعوي بمختلف أطيافه ، لأن من شأن هذه العملية أن يجنب الكثير من الجمعيات استنساخ بعضها البعض سواء في التصورات والمشاريع وأشكال العمل ، وبالتالي سيمكنها هذا التواصل من تبادل وجهات النظر والخبرات في تطوير الأداء وتجنب التعثرات الممكنة .
-
اعتبار بعض الجمعيات أن الدعم المقدم لها شكل من أشكال المن والسخاء السلطوي مما يجعلها عرضة للدخول في تواطؤات سخيفة، لا لشيء سوى لأن انخراطها في الإصلاح والنقد ومحاربة الفساد سيشكل – في نظر مسؤوليها -مسوغا للمسؤولين لحرمانها أو التقليص من حقها المشروع في الدعم لاحقا .
-
إيلاء أهمية أكبر للفعل الجمعوي التمكيني المرتبط بالتنمية مقارنة مع الفعل التسكيني الخيري، لأن الأول مستمر والثاني منقطع .(لا تعطيني سمكة، بل علمني كيف أصطاد ).
-
التركيز على الأعمال التنموية الاجتماعية والثقافية ذات المفعول المباشر والقريب من الاحتياجات الحيوية للساكنة عملا بمعيار أسبقية المعيش على المنشود الذي يتسم مفعوله بالبطء واحتمالات الهدر في حال عدم استقرار شروط التطبيق..
هذه عصارة بعض التأملات من خلال تتبعي لمسار العمل الجمعوي بخنيفرة، خلال السنوات الأخيرة ، وحين نموضع الحصيلة الإجمالية في خانة التعالق الواجب تحققه بين العمل الجمعوي وبين مطلب تفعيل الإسهام في تفعيل الديمقراطية التشاركية نشعر بنوع من الحسرة على كثرة الفرص الضائعة والمشاريع المهدورة، خاصة بالنسبة للساكنة القروية، ونجد أنفسنا متورطين – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تكريس السيرورة التنموية البطيئة والمرتبكة رغم الجهود المعزولة لجمعيات تعد على رؤوس الأصابع..
لهذا ، وجب التفكير في اساليب أخرى لحفز المواطنين على وضع الثقة الكافية في المجتمع المدني وفي الدولة من أجل توسيع قاعدة المنخرطين في العمل الجمعوي بروح متفائلة مفعمة بقيم المواطنة والتجديد والتعاون والتضحية، وكما يقال “من اجتهد وأصاب فهو مشكور ، ومن اجتهد وأخطأ فهو معذور “.
خنيفرة -25ماي 2019.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(°) ناشط جمعوي وفاعل ثقافي










تعليقات
0