محمد المنتصر
على غير العادة في مثل هذه الجرائم التي تشغل بال الرأي العام بالنظر لطبيعة شخص القاتل أو طريقة القتل، أحيل، في سرية تامة ومن دون مواكبة إعلامية كما هو متعارف عليه، مفتش الشرطة الممتاز الذي “أعدم” شابا وشابة في الشارع العام على وكيل الملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء و الذي أحاله بدوره على قاضي التحقيق بذات المحكمة لمباشرة التحقيق التفصيلي معه.
و أمر قاضي التحقيق بإيداع مفتش الشرطة الممتاز السجن في انتظار الشروع في الاستماع إليه بتهمة القتل العمد، بينما تابع الستة الآخرين، بينهم حارس الأمن الذي عنف الضحية الثانية، ونادل الملهى الذي كان تصرفه سببا في تطور الأحداث، بتهم تضليل العدالة، وشهادة الزُّور وتقديم بيانات كاذبة على خلفية جريمة “إعدام ّ”حاولوا طمس معالمها قبل أن يظهر شريط فيديو يوثق لحظة “إعدام” الضحية الثانية، حيث أظهر الفيديو تجمعا بشريا تخلله صراخ واستنكار سيدة بشأن إطلاق الرصاص على “رفيقها” الذي كان ممدا على الأرض مضرجا في دمائه، قبل أن تتعرض للدفع من طرف شخص وتسقط أرضا ثم يفرغ الشرطي رصاصة في رأسها ويرديها صريعة في الحين، لتتخذ القضية مسارا مغايرا مع فرار الشرطي وتدارك الإدارة العامة للأمن الوطني الموقف بإصدارها بلاغا في الموضوع يجب البلاغ الأول الذي كان مليئا بالمغالطات لدرجة اعتبره المتتبعون بأن الغرض من ورائه كان فقط إبراء ذمة الشرطي الممتاز ومن ثمة سهل له ظروف الفرار إلى كابونيكرو قبل أن يرتكب خطأ تشغيل هاتفه الأمر الذي عجل بإلقاء القبض عليه .
وبحسب مصادر متطابقة، وفي غياب بلاغ كان من المفروض أن تصدره النيابة العامة في الموضوع، على عكس مادأبت عليه عندما يتعلق الأمر بجريمة استثنائية، فإن التهم التي أودع على إثرها الشرطي، منفذ “الإعدام “، السجن، تتمثل في القتل العمد، وجنحة استعمال الضغط والمناورة والتحايل لحمل الغير على الإدلاء بتصريحات كاذبة.
وفي انتظار بلاغ في الموضوع ومعرفة مضمون محضر الإحالة، فإن رواية الشرطي منفذ حالة”الإعدام” سارت في الاتجاه الذي يحاول تكييف الجريمة بأنها كانت عرضية في البداية، قبل أن تتحول إلى قتل عمد اضطر للإعتراف به مادام هناك شريط يوثق لحظة” الإعدام” ويقينه بأن لافائدة من إنكاره.
وبالرغم من كون الإدارة العامة للأمن الوطني سجلت خروجا إعلاميا محدودا أرادت التأكيد من خلاله أن الحادث عمل فردي، وهو أمر بديهي لايستدعي التأكيد، إلا أن هناك أسئلة لابد من الإجابة عنها تتمثل في أن الجريمة بالفعل أكبر من أن يتم التعامل معها بتعتيم إعلامي، الأمر الذي يفتح المجال للإشاعات والروايات..، خاصة وأن هناك شهودا وروايات لأشخاص عاينوا الجريمة منهم مارة وسائقو سيارات أجرة ومرتادو الحانة.. أدلى البعض منهم بإفادات خاطئة تحت الطلب طوعا أو كرها، ومانتمناه ليس تحاملا بل إنصافا للحقيقة أن تتم الإجابة عن التساؤلات التالية:
- سؤال يطرح نفسه بإلحاح، من وراء محاولة تبرئة الشرطي القاتل، وهل له من السلطة مايجعله يوجه التحقيق الأولي بحسب نزوته؟
الأكيد أن الأمر أكبر بكثير مما قد يتصور البعض، فلا أحد سيتقبل المغامرة بمساره المهني وقد تتم إدانته من أجل مفتش شرطة طائش . وهو الأمر الذي أصبح حديث مواقع التواصل الاجتماعي، التشكيك في أحقية الإمتياز الممنوح لشهادة عناصر الأمن عند الدخول مع بعضهم في نزاع ، فلولا شريط الفيديو لتم تكييف القضية بالشكل الذي يخدم “القاتل” من حيث لاتدري الإدارة العامة للأمن الوطني، فالسيناريو المحبوك لم ينسفه التحقيق بقدر مانسفه شريط الفيديو.
- الفيديو الثاني، المصور تحت الطلب، كما يبدو من خلال بعض لقطاته، يبين أن عناصر الشرطة لم تؤمن مسرح الجريمة وتعاملت مع الواقعة كما لو أن الأمر يتعلق بحادثة سير وليس بعملية تصفية لم تتحدد بعد ملابساتها، فالشرطي الممتاز طرف في الواقعة وكان يستوجب التعامل معه إداريا كما هو الشأن في هذه الحالات.
- بحسب شهادات متفرقة هنا وهناك ، فإن المفتش الممتاز كان داخل الحانة، وبالتالي فإن شبهة السكر كانت واردة. فهل قامت العناصر الأمنية، التي نودي عليها وحلت بمسرح الجريمة، بمعاينة حالة السكر على المفتش الممتاز أم لا، وهو عنصر حاسم فس مسار التحقيق ؟
- من أسرع بإصدار تقرير أولي وساهم من حيث يدري أو لا يدري في طمس معالم الجريمة لايمكنه أن يسجل شهادة في هذا الاتجاه في حال ثبوت حالة السكر.
- لم يتم نقل الضحايا في الأكياس المعدة لمثل هذه الحالات للحفاظ على بعض الأدلة العالقة بملابس الضحية أو ماشابهها، بل فيديو مسرح الجريمة يبين مساهمة مواطنين في عملية النقل وبطريقة تبين بأن الأمر يتعلق فعلا ب”إعدام” حيث نقلت الضحية بنفس الوضعية التي سقطت بها صريعة.
- أكثر من ذلك لم نشاهد رجال المطافئ الذين من المفروض تواجدهم في أماكن حوادث مميتة تسيل فيها الدماء حيث يتكفلون بتنظيف المكان من الدماء، وهو الأمر الذي لم يحدث هنا، وتكفل مواطنون بتنظيف مسرح الجريمة، بحسب ما ظهر في شريط الفيديو، الذي تم مسحه ، بعد أن افتضح الأمر حيث يبدو أن عامل الوقت كان يتحكم في مجريات الأمور
وبتجميع لمعطيات غير رسمية لحد الآن بعد تسريبات محدودة، فإن المفتش الممتاز، اعترف أنه كان يتجاذب أطراف الحديث مع حارس أمن ملهى “عبر المحيط” بمدخلها و اضطر للتدخل لفض شجار عرضي بالقرب منه، لكن سرعان ما تطور الأمر إلى مشاجرة عنيفة بينه و بين الضحية الأولى، وقد تدخل حراس الأمن لإبعاد الطرفين نحو الشارع العام، وهناك، وبسرعة، استعمل سلاحه خطأ، مرديا الضحية قتيلا، بعدما كاد الضحية، نظرا لقوته الجسمانية، أن يسقطه و يتمكن منه، حسب إفادته.
وفي الفوضى التي تبعت سقوط الضحية الأولى، شرعت الضحية الثانية في الصراخ، و كانت شاهدة على الطريقة التي قتل بها صديقها. لكن حارس الأمن الذي كان مرافقا للشرطي، وهو نفسه من كان بمعيته قبل اندلاع الشجار، تدخل لتعنيف الفتاة وقرر حينها “إعدامها” في لحظة غضب وحالة نفسية منهارة كي لا يكون هناك أي شاهد ضده.
مصادرنا لم تستبعد حدوث ما سمته بالزلزال الأمني بالرغم من كون الأمر يعتبر فعلا فرديا، خاصة وأن الأمر يتعلق بجريمة غير مسبوقة في تاريخ الأمن الوطني، حيث تم تصفية شخصين بدم بارد برصاصتين قاتلتين في الرأس والرقبة، وبعدها الاتفاق بين الجاني ومرافقه على إخراج سيناريو «الدفاع عن النفس» وتسخير شهود الزور، ولكي تستكمل عناصر السيناريو المناداة على موقع مثير للجدل يبحث عن « البوز» وتوجيهه لتصوير مسرح الجريمة وتسجيل تصريحات البعض بالقول بأن الأمر يتعلق بحالة دفاع عن النفس، وأن القتيلين كانا يحاولان سلب الشرطي سلاحه الوظيفي والاعتداء عليه بالسلاح الأبيض.










تعليقات
0