فاعلون في الحقل الثقافي بخنيفرة يستضيفون ندوة فكرية حول “الفلسفة والعنف”

أحمد بيضي الأحد 22 ديسمبر 2019 - 18:15 l عدد الزيارات : 22930
  • أحمد بيضي

 

  بعد احتضانها لندوة حول “الأخلاقيات البيولوجية وقضايا الإيتيقا المطبقة”، تخليدا لليوم العالمي للفلسفة، عرفت مدينة خنيفرة، مساء السبت 21 دجنبر 2019، أشغال ندوة فلسفية حول موضوع “الفلسفة والعنف”، بادرت إلى تنظيمها “جمعية الأنصار للثقافة”، بتنسيق مع “نادي اسمون نعاري للرياضات الجبلية” و”منتدى أطلس للثقافة والفنون”، وذلك بمشاركة الأستاذين جواد رضوان وأحمد بلحسن، وتسيير ذ. مصطفى داد الذي رفع الستار عن اللقاء بكلمة حول قيم الفلسفة في ارتباطها بالتفكير العقلاني، وسمو الإنسان بالتعايش والمحبة، قبل وضعه الحضور في إشكالية العنف كظاهرة وسلوك بيولوجي مقابل ضرورة إشاعة السلم في سبيل تجفيف منابع هذه الظاهرة.

   أشغال الندوة افتتحت بكلمة الجمعيات المنظمة، حررها وألقاها رئيس “جمعية الانصار للثقافة”، ذ. عبدالعزيز ملوكي، الذي اعتبر اللقاء “أمانة تستوجب الاستمرارية، شأنها شأن باقي المحطات الثقافية التي ركبت الجمعية من أجلها الصعاب والتحديات، وفي بعض الاحيان المجازفة في سبيل تكريسها وتطويرها”، في حين لم يفت ذ. ملوكي التنويه بأساتذة الفلسفة ل “تحملهم مسؤولية فكرية وتاريخية، بنشرهم الفكر التساؤلي النقدي العقلاني بين أوساط الناشئة وعموم الناس”، باعتبار الفلسفة الرأسمال الرمزي الذي لابد منه لخلق الفرد الحر والمجتمع الواعي الذي ينبذ العنف ويؤمن بالاختلاف والتنوع والحوار والتسامح.

   من جهته، انطلق ذ. جواد رضوان، في مداخلته، من العنف ك “ظاهرة طبيعية أضحت شبه واقع يومي”، ليؤكد أن مناقشة هذه الظاهرة تستوجب ملامسة جذورها ومراحلها وأسبابها، مع تحديد “مداخلها وجوانبها وخلخلة مفهومها وتمفصلاتها”، على كل الواجهات، السياسية منها والاجتماعية والنفسية، قصد الجواب عن إشكالياتها الشائكة، أو لإيقاف نزيفها على الأقل، بعد أن “باتت موضوعا للاستهلاك اليومي على الشارع والتلفاز”، قبل أن يعود المتدخل بالحضور إلى فجر التاريخ ليبرز “مدى صعوبة الإشكال الذي أضحى صنوا لحياة البشرية”، منذ أن كان الانسان يقتل ليتعلم ويعيش ويحافظ على وجوده، كما حدث مع قتل قابيل لهابيل.

   ولما كان العنف واقعا معاشا، أكد ذ. رضوان، من خلال ورقته، على ضرورة التساؤل حول أصول العنف؟ وهل هو صراع من أجل التملك؟ أم هو فطري أم مكتسب؟، قبل تركيزه على ما يقوله التحليل النفسي حول العنف على ضوء نظريات إيريك فروم وسيغموند فرويد، ومحاولتهما فك شفرة السلوك الانساني عبر العديد من الحقول الفيزيائية، فيما تناول ذات المتدخل، بالتفصيل الممكن، مفهومي “القوة والطاقة الحيوية (الليبيدو) ذات الطابع الهادف لإثارة نشوة الغرائز الطبيعية”، ثم “معنى الحياة واقترانها باللذة”، و”اجتناب الألم من أجل ارواء اللذة”، ثم “الجنس واستقلالية الوعي”، ليركز على قراءة الموت عند فرويد والرغبة في الدمار والعدوانية.

   وبعد طرحه لمفهومين أسماهما ب “الليبيدو الموجب” و”الليبيدو السالب”، وعلاقة كل منهما بشحنات من الطاقة الجنسية داخل الانسان وخارجه، انتقل ذ. رضوان للحديث عن “الابداع وعلاقته بالكبت الذي يمنح الإنسان نوعا من التسامي عن الواقع، انطلاقا من كون جل الحضارات تأسست على الكبت بالمفهوم الفرويدي”، كما لم يفته التطرق لمفهومي “الطوطم” و”الطابو”، واستثمار فرويد للأساطير اليونانية، ومنها أسطورة أوديب الذي قادته الرغبة الجنسية اللاشعورية إلى قتل والده ومضاجعة والدته، ولما علم بأن الأخيرة هي أمه فقأ عينيه لمحو عقدة الذنب، ليفتح المتدخل موضوع “الغريزة المحركة للتاريخ” والقادرة على إصابة الانسان بالمرض النفسي والتلذذ بالعدوانية.

   مفاهيم أخرى، تناولها ذ. رضوان، مثل اللاشعور، والطبيعة العدوانية، ثم البيلوفيليا والنيكروفيليا كحالات عميقة في اللاشعور الإنساني، من حيث ميل الأولى للقبول بكل ما نهتم به، والثانية للفعل الجنسي مع الجثث، ليتطرق للمازوشية التي تجعل الانسان يتلذذ بتعذيب النفس، ومنها للظاهرة التي يصطلح عليها الشارع المغربي “التشرميل”، حيث لم يعد “الفاعل” يهدد الآخر بالأذى بل صار يؤذي نفسه، لتختلط المازوشية بالسادية، مستشهدا بشخصية هتلر الذي “بقدر ما كان سوي الطبع كان حاملا لغريزة العنف والدمار والموت ونرجسية الجنس الآري”، كما تناول عقدة الاضطهاد والرغبة في المشتهى، وعقدة العدوانية والشهوة المدمرة التي تأتي في مواجهة تنافس أو غيرة أو حسد.

   ومن جهته، انطلق ذ. أحمد بلحسن من شخصيتين خنيفريتين، الأولى تاريخية هي موحى وحمو الزياني، والثانية من شباب اليوم وهي زكرياء أورسام، بالقول إن الأولى “وجدت الحكمة في مواجهة المستعمر”، كعنف إيجابي، والثانية “استحضرت قواها الذاتية من أجل الطبيعة المحلية”، نموذجان رآهما المتدخل مفتاحا للحديث عن العنف، وأيضا للعبور منهما نحو التذكير بلوحة “حذاء الفلاحة” للفنان الهولندي فان جوخ، وقصة الحذاء الذي أضحى الأشهر في تاريخ الفن والفلسفة، بعد قيام الفنان المذكور بشراء زوج من الأحذية البالية من أحد الأسواق، وقام برسمها على أشهر لوحاته، ليتحول زوج الحذاء من مجرد شيء تافه إلى رسم حامل لكثير من الرموز والمعاني.

   من هنا ولج ذ. بلحسن لمسألة العنف كانتهاك للحق، في مقابل السياسة التي تصادر هذا الحق، ليعرج على مفهوم العنف لدى جان جاك روسو بخصوص العلاقة التي تربط الفاعل السياسي بقوة العنف، وأيضا مما أجابت عنه الفلسفة في تاريخها حيال مناهضة العنف، ليتوقف عند نموذج نيكولا ميكيافيلي، صاحب عبارة “الغاية تبرر الوسيلة”، والذي أسس، في كتابه “الأمير” لإشكالية العنف على ضوء الأخلاقيات السياسية، وعلاقة الحاكم بالمحكوم وصراع البقاء، مع إبراز ظروف سجن ميكيافيلي التي جعلته يقارن السياسة بالخداع والمكر، ورغم الجدل الواسع الذي قوبل به كتاب “الأمير”، ومنعه من طرف الكنيسة الكاثوليكية، ما يزال الأكثر الأعمال شهرة ورواجا.

   وبينما أشار للفيلسوف أفلاطون الذي أسس المدينة الفاضلة بشكل مختلف، استنتج ذ. بلحسن مدى الحاجة إلى “استبعاد القوة الغاضبة من الحياة السياسية للمدن”، كما تطرق لواقع العنف لدى الفاعل السياسي، و”رغبة الأخير في حماية أطماعه الاقتصادية وتحقيق مصالحه النفعية”، وأيضا لما وصفه ب “العنف الترفيهي” و”العنف الرمزي” الذي “تمارسه وسائل الاعلام والقنوات التلفزية، من خلال تلاعبها بالعقول”، وكيف تمكن هتلر وموسوليني مثلا من استغلال هذه الوسائل، إلى جانب بسمارك في تأثره بهيجل حول “المشاكل التي لا تحل إلا بقوة الحديد”، قبل مرور المتدخل إلى ما أسماه ب “جدلية العبد والسيد” ليشرح واقع الانسان كأداة في خدمة ما تريده الدولة.

   وبعد إشارته لجانب من صراعات الفلسفة الماركسية والصراع الطبقي والنظام الرأسمالي، وسياسة الملكية الخاصة، وانحياز الطبقة الحاكمة للطبقة الاقطاعية، عاد ذ. بلحسن بالحضور لموضوع “الإنسان ككائن غريزي”، و”للسياسة كتدبير بعيد عن سلطة القوة”، و”العنف والسياسة كمفهومين متناقضين”، و”القوة كوسيلة واجبة في الأسرة والذات”، قبل توقفه كثيرا عند مسألة البيئة كجزء من حياتنا الانسانية، ورغم ذلك “نمارس في حقها التخريب والعنف، عوض احترامها واحترام ما تعانقه من هواء ونبات وحيوان”، وباقي الكائنات المشكلة للتنوع البيولوجي الذي يعد نظاما أساسيا في حماية الحياة على كوكب الأرض.

   وقبل اختتام أشغال الندوة الفلسفية، فُتح باب النقاش أمام الحضور الذي سجل جملة من الأفكار والتساؤلات التي أكدت مدى تفاعل الحضور مع الموضوع: وذلك من قبيل سؤال العنف الجماعي؟، العنف الممارس باسم الدين؟، العنف الايجابي والمولد للتغيير؟، العنف بالمؤسسات التعليمية؟، العنف ضد المرأة؟، العنف الاقتصادي؟، العنف الالكتروني؟، العنف كوجه آخر للممارسة العقلانية لدى الانسان وحاجته للتبرير؟، علاقة العدوانية بالعنف؟، حدود الفاصل بين العنف المشروع والعنف اللامشروع؟ اشكالية العنف على المستوى السياسي؟ عنف الدولة ضد التظاهر السلمي؟، سمو التسامح كبديل للعنف؟ وغيرها من التساؤلات القيمة.

   وتجدر الإشارة إلى أن لقاء الندوة الفلسفية تميزت بحضور لافت ومتنوع من فاعلين جمعويين، وأطر تربوية، ومهتمين بالقضايا الفكرية والفلسفية، إلى جانب عدد من تلميذات وتلاميذ المؤسسات التعليمية والأندية التربوية، أبرزها “نادي القراءة والسينما” لثانوية محمد السادس التأهيلية، وكان أحد الأساتذة قد طالب تلامذته الحاضرين بإنجاز تقرير حول الأفكار التي أسفرت عنها أشغال الندوة، من باب التحفيز والتحسيس والمعرفة، في حين لم يفت المنظمين الإعلان عن تكريم ذ. جواد رضوان، اعترافا بما أسداه للفكر الفلسفي، مع تقدم ذ. المصطفى تودي بكلمة في حقه ومسيرته التربوية والفكرية على مدى أجيال متعددة.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image