مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد تنظم ندوة شعرية بعنوان “صورة الشاعر الحديث”
محمد المنتصر
الأحد 29 أكتوبر 2023 - 17:49 l عدد الزيارات : 33644
عبد الرحيم الراوي
احتضنت مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد أمس السبت 28 أكتوبر بشارع فلسطين بمدينة سلا، ندوة شعرية تحت عنوان “صورة الشاعر الحديث” وهي عبارة عن حوار مع الشاعر المغربي محمد بنيس، بمشاركة كل من وزير الثقافة الأسبق محمد الأشعري، والشاعر حسن الوزاني، والأكاديمي والمترجم عز الدين شنتوف، والأستاذ الجامعي والصحفي محمد جليد.
في البداية طلب محمد الأشعري الحضور، بالوقوف دقيقة صمت ترحما على شهداء غزة، التي تعرف منذ ثلاثة أسابيع هجوما عسكريا غير مسبوق من قبل القوات الإسرائيلية، مخلفا آلاف الضحايا معظمهم من الأطفال والنساء.
قال محمد الأشعري بطريقته الهادئة، ” هذا اللقاء مع الشاعر محمد بنيس أردناه في مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، لقاء حوار.. حوار حر للصداقة وإنصات متبادل واحتفاء بالكتابة التي نعتبرها معا شكل ومضمون حداثتنا المؤمنة”، لذلك يقول الأشعري “سنلتئم في هذه الجلسة حول نصوص ورؤى وقضايا وقيم كانت دوما في قلب التجربة الشعرية التي عاشها محمد بنيس مبدعا ومفكرا ومجادلا ومجربا، ومقتنعا أن الشعر في جوهره ليس كتابة فحسب، بل اختيار حياة واعتناقا صبورا لفكرة التقدم، إذ ما من شيء يشحد قدرتنا على النقد والمساءلة وعلى التفكير في المستقبل، والابتكار المستمر للحرية ومقاومة التحجر، والجمود أكثر من الشعر كممارسة وكوعد.
وفي كلمته، ذكر الأشعري بجيل السيعبنات من الشعراء المغاربة معتبرا الشاعر محمد بنيس يتفرد باختيار الثقافة وحدها، أفقا أساسيا لتفكيره ونضاله، دون أن يصرفه هذا الاختيار على اعتناق القضايا الوطنية الكبرى والدفاع عنها وفي مقدمتها قضية فلسطين، وعن الحرية وحقوق الإنسان والمساواة والعدالة الاجتماعية،
“كانت مرحلة السبعينات مرحلة صدام وقسوة والتباس” يقول الأشعري، “وكان الشاعر يخطو في هذه التربة الساخنة بأكبر ممكن من الانتباه والمجازفة، ومع ذلك وفي كثير من المرات يلح محمد بنيس على كون عطبنا الأساسي هو عطب ثقافي لأن الحداثة التي نحاول بناءها سياسيا منذ منتصف القرن الماضي، لم تبنى في أي تجربة إنسانية أخرى إلا على أساس حداثة ثقافية، من هنا ربما هذه الحاجة إلى ضرورة تأمل صورة الشاعر الحديث في المغرب، وهذا ما يدفع الى طرح أسئلة من قبيل.. ما هي أدواره؟ ما هي مكانته؟ ما هي الوعود التي يضعها على نفسه وعلى المجتمع ؟
بالنسبة لمحمد الأشعري، فإن الشعر كان يشكل ولا يزال مقاومة عميقة للمحافظة والاستبداد والظلامية، حتى وهو يشتغل في مناطق الظل أو يعاني العزلة والحصار، وفي هذا الثدد قال “تاريخنا الثقافي وضع على كاهل الفرد، ابتكار روحه الثقافية الخاصة، بينما تكفل القطاع العام كله في الشرق باستثناء لبنان، بوضع لبنات هذه الروح شكلا ومضمونا”.
صورة الشاعر الحديث بالمغرب، صورة حريته المستحقة بالكتابة أو المصادرة بعوائق الطريق
وقد ذكر الوزير الأسبق للثقافة بتعدد أصوات شعرية محلية أغنت الخزانة الثقافية المغربية ومدت جسورا مع الشعرية العربية والغربية، فقال “عندما استحضر مسار التجربة الشعرية بالمغرب، أتوقف أولا عند تعدد أصواتها ولغاتها عند الجسور التي شيدتها مع الشعرية العربية والشعرية الغربية.. جسور لم تلغ النقد من حسابها، ولم تمنع من انبثاق الصوت الخاص الذي قام على تجاور تجارب تلتقي فيها أصوات كثيرة .. أصوات محمد الخمار الكنوني، أحمد المجاطي، محمد بنيس، محمد خير الدين، مصطفى النيسابوري، عبد الله راجع، أحمد المسيح، وآخرون حتى لا أسترسل في ذكر أسماء من تجارب وأجيال مختلفة في الشعر المغربي، كل صوت له فراضته ومراهنته، لكنه أيضا صوت ضمن أصوات تجمعه آصرة يقول عنها محمد بنيس، أنها آصرة الاخوة الشعرية”.
على مدى أكثر من عقدين، كانت هذه التجربة بؤرة لانبثاق مبادرة تركت أثرا بليغا في الثقافة المغربية الحديثة، مبادرات ولدت منها مؤسسات كثيرة لا شك أن بيت الشعر من أهمها، ومجلات الثقافة الجديدة، ودور النشر وعلى رأسها “تبقال” إحدى علاماتها المضيئة، ومهرجانات شعرية طمهرجان شفشاون القديم، والمهرجان الدولي للشعر بالدار البيضاء.. تجارب حاولت ربط الشعر بمجاله أكثر رحابة بالفكر والنقد والفنانون التشكيليين” مضيفا أن كثير من الشعراء ومن بينهم محمد بنيس، أنجزوا أعمالا مشتركة مع فنانين تشكيليين من المغرب والعالم العربي.
كان محمد بنيس، بإخلاص نادر للشعر، حيث ما كان، يؤكد بقصيدته وباجتهاده الفكري وبدرسه الجامعي وبسجاله، بصدقاته الشعرية عبر العالم، وبخصوماته الشعرية وغير الشعرية أيضا عبر العالم ،بأن الشاعر هو نوع من المثقف الشامل مثل اللاعب الشامل في كرة القدم، بنبغي ألا تضعف كثافته وتوتره وانتباهه المستمر، لالتقاط ظاهر اللعبة وباطنها.
وختم محمد الأشعري كلمته، مشيرا إلى أن صورة الشاعر الحديث اليوم، هي صورة أسئلته.. ما هي مكانة الأدب اليوم في مجتمع مشغول بعطبه وبحياة يومه الصعبة؟ مشغول بانتكاساته وبالعدوان الذي ينصب على قضاياه الوطنية الأساسية كيف يكون للشعر دور في حياتنا؟ في رؤيتنا للعالم وفي تعلمنا؟ في ذاكرتنا في مخيالنا الجماعي؟ بينما تتعاظم كل يوم هيمنة الابتذال والتسطيح وشحن العقول بواسطة أنظمة إعلا بين أيدي المال والسلطة.
وعن الأسباب التي كانت وراء اختيار الموضوع، كشف الشاعر محمد بنيس أن موضوع
اللقاء، يكاد يكون غريبا يترصد من وراء أسوار المدينة رؤيتنا إليه، صورة الشاعر الحديث، هذه الصورة تبدو شبحا بخيف، لذلك مازلنا نغلق في وجهها الأبواب، أقصد هنا متخيلنا عن هذا الشاعر لا صورته الفوتوغرافية، ورثنا صورة عن الشاعر التقليدي وهي التي توجه حتى اليوم رؤيتنا إلى الشاعر الحديث، وتبعث فينا حالة الخوف التي تستبد بنا ونحن نتعلم كيف نتجنبه أو كيف نمنع عنه حق الإقامة في المدينة، لذلك يكون اختيار هذا الموضوع دعوة للمؤانسة والألفة، نخطو فيها خطوة نحو إبدال الرؤية إلى هذا الشاعر الغريب المغترب.
صورة الشاعر الحديث لها تريخها في الامبراطوريات الشعرية القديمة الباذخة، مثل الشعرية العربية ويمتد تاريخها ويتسع في الشعرية الغربية الحديثة منذ دانتي صاحب الكوميديا الإلهية، الذي كان فاتح زمن شعري جديد في الغرب صورة الشاعر الحديث بيننا وحشية تبعث على النفور، وهو هنا غريب غرابته وغربته تصدران عما يكتبه، إنه يكتب وفق الإحساس باللغة والأشياء و الإنسان والكون، فالقصيدة هي مركز ممارسة النصية وبالتقاطع معها، يبحث ويفكر في شعرية القصيدة يلازم القصيدة، يلازم الترجمة كمختبر شعري ويكتب نصوصا تصبح مفتوحة على تفاعل الأجناس الأدبية، ومصاحبة الأعمال الفنية، ممارسات هي تجربة المستحيل تصبح فيها العلاقة باللغة أعمق أمام لغة تقليدية سطحية، وأمام لغة عالم بالغ الرخاوة، صورة الشاعر هنا تخرج عن نمطية شاعر البديهة والارتجال، أو الشاعر الذي يرى في تعدد الممارسات النصية نفيا لشعرية القصيدة وتلويثا لصفائها.
بهذا الخروج يتجرؤ الشاعر الحديث على اختيار صورة نقيضة لصورة الشاعر الموروثة المتعارف عليها، سفرا نحو تجربة يقف فيها على حدود الخطر، وفيها تخلق الكتابة لغة تسأل، تحلم، تنشئ عوالم الدهشة مثل ما هي تقبل بالنقصان، وباللا نهائي الذي يبقى لا نهائي اليوم وفي كل يوم.
جنبا إلى جنب، نجلس في ضيافة مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، من أجل المؤانسة والألفة، حتى نطل بكلماتنا على أرض منسية تقرب الواحد والآخر من صورة الشاعر الحديث.
حضر اللقاء نخبة من المنقفين والشعراء المغاربة بالإضافة إلى بعض وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة.
تعليقات
0