إدارة النشر
الثلاثاء 15 فبراير 2022 - 14:21 l عدد الزيارات : 17186
عبد السلام المساوي
وفي البدء كانت الكلمة ، كلمة اقرأ ، كلمة أكتب ، كلمة إدريس…قرأت وكتبت ، كتبت وأبدعت ؛ أنت مفرد بصيغة الجمع : أنت الكاتب والصحافي ، القاص وصاحب المقالة ، أنت الناقد والساخر ، أنت المناضل والشجاع ، أنت ولا أحد غيرك ؛ أنت الثوري بمعنى القناعة والالتزام ، أنت الحياة بروح الوجود …أنت اللحن والنغم …أنت الكلمة …أنت إدريس الخوري والبقية تأثيث …
كتب يونس مجاهد “رحل ادريس الخوري، احد الكتاب والصحافيين المتميزين في تاريخ الكتابة والصحافة بالمغرب، تقاسمت معه المكتب بمقر جريدة الاتحاد الاشتراكي بالرباط، وجمعتنا علاقة طيبة.
كنت معجبا كثيرا بكتاباته وخاصة قدرته على أن يرى ما لانراه نحن في حدث او واقعة او منظر ، حيث كانت له قراءته المبدعة، بأسلوب السهل الممتنع.
ظل ادريس الخوري ملتزما و متمسكا بأسلوبه العادي في الحياة إلى أن غادرنا، تاركا وراءه اوراقا تشهد أن احد الأقلام الرفيعة والموهوبة مرت من هنا وتركت بصمتها القوية في مسار صحافة راقية وكتابة عالية المستوى.”
أعلم أنك قد اختفيت لكنك لم تمت…
المناضل الشرس….المروءة هي هي العنوان والشموخ سيد الميدان…
الان ترحل ….فجأة ترحل ….هل تعبت ؟! انت طلقت التعب يوم ولدت …انت لم تشك التعب ابدا …ترحل وتترك أهلك ، إخوانك ، اصدقاءك …تائهبن حائرين …الصدمة كبيرة والفاجعة اكبر…
الرجال لا يموتون …العظماء لا يموتون…المبدعون لا يموتون ….إدريس الخوري لا يموت …
نعم لم تمت ولكن ساهمت في اقتلاع الموت من وطننا …ساهمت في اسماع صوت الانسان … الحرية والابداع …ساهمت في شق الطريق ، توضيح الرؤية وبناء المسار…
لما نطقت ..لما بدأت الكلام ؛ قلت ” لا ” …لا للاستغلال والمهانة…لا للذل والهوان …لا للقمع والاستبداد…لا للعار والخذلان …لا للنفاق والكتمان …لا للخيانة والنسيان …لا للجهل والخنوع ….الكلمة رمز الوجود في البدء والختم …من هنا كتبت وأبدعت …
قلت لا للموت …امثالك لا يموتون …احياء في الكلمة بل الكلمة حية بهم
ترحل بيولوجيا لتفرض حضورا اقوى …فانت الحضور ، بالامس واليوم وغدا …
وجودك كان له معنى …لم تأت إلى هذا العالم زائرا …لم تكن مؤقتا …بل أتيت فاعلا وخالدا …انك مبدع…انك مناضل… وطني اصيل …انك إدريس الخوري …
اعلم انك اختفيت ولكنك لم تمت
هل نبكيك ؟! وهل البكاء قادر على إطفاء النار التي اشتعل لهيبها في كياننا لحظة علمنا بخبر رحيلك عنا ….لا …لن نبكيك لانك لم تنته بل بدأت …كنت البداية دائما …ستستمر …ستخلد…ستستمر في كل من يؤمن بالكلمة …في كل من عرف انك كنت تزرع الابداع وتزرع الجمال ….وتزرع حب الانسان …تزرع حب الحياة …
اه كم كنت تعشق الحياة وتعشق الليالي الضاحكات …
اليوم يتعطل البكاء … لا نودعك ونبكيك ، بل نقدر ونعتبر الخسارة الكبرى التي لحقت الابداع ….
اعرف انك قد اختفيت ولكنك لم تمت
نعم لم ولن تموت …تغنيت بالحياة …تغنيت بالحرية وعلمتها لنا اغنية حلوة وجميلة …سنحلم ونحلم ..وطني وطن الجميع …وطن الكرامة والعدالة …
اعلم انك اختفيت لكنك لم تمت
مسار مكتوب بالمعاناة والعشق …. لكنه موشوم بالابتسامة والتفاؤل …كنت تعشق الكلمة …تعشق الحياة …انك إدريس الخوري …
اعلم انك قد اختفيت لكنك لم
كلمة واحدة في حقك أيها النبيل واصير ملقحا ضد كل نزلات الخيانة والانحراف…فالرجل انت والصدق فيك …والنبل ولد معك…انك وطني مخلص …انك مبدع اصيل…
اعلم انك قد اختفيت لكنك لم تمت
“ما هموني غير رجال الا ضاعوا ….” لا ثم مليون لا ، الرجال لا يضيعون …الرجال لا يموتون …
واخيرا ترحل ، ترحل عنا ، ترحل فجأة …لن نبكيك …فانت علمتنا الامل والتفاؤل….علمتنا كيف نحيا …علمتنا الصمود والكبرياء لنعيش ” منتصبي القامة مرفوعي الهامة “…
لقد حدث ما كان حتما سيحدث …وما كان مأمولا أن يتأخر حدوثه…حدث أليوم ، أن إدريس الخوري ، افرغ اخر ما استطاع من نفس ، ليسلم انفاس الانسان العزيز لفضاءات التاريخ الرحبة والعطرة بأريج انبعاث النيات المخصبة لمشاتل ، تولد الشمس في مستقبل التاريخ….
أعلم أنك قد اختفيت لكنك لم تمت …
الوطن يبكي …
الكلمة تبكي…
الانسان يبكي…
عشاق الحياة يبكون عزيزهم …يبكون حبيبهم …يبكون رجلا رضع المروءة والكرامة في معبد الشجعان …
كان كريما ومات كريما…
كان مبدعا …أصيلا متأصلا…
السلام عليك يوم ولدت …والسلام عليك يوم رحلت …والسلام عليك يوم تبعث حيا نظيفا…
ومات إدريس الخوري …وتيتمت الكلمة وتيتم الجمال…
كنت معنا دومًا وستظل معنا دائمًا.
لن نتركك تغادر، فأنت في بؤرة وجودنا.
لا أريد أن أتذكر،
لأنني لا أريد أن أنسى
ولا أريد أن أنسى
لأن الوجود أبقى
حتى في الغياب.
ادريس صنو وجود متعدد
وجود في الأعماق
وجود في الأماكن
وجود في الساحات
الضيقة والفسيحة
ادريس المبادرات التي كثيرًا ما أثارت فضول تساؤلات عميقة
هو وحده يملك كيمياء الربط بين الكلمة والجمال…
كما يراه
كما يتمناه
كما يعمل من أجله
بكل وقواه
وبين تلك المبادرات
الكثيرة في لحظات
حساسة من نضالنا
المشترك
لن أقول وداعًا ادريس
لأنك لا تودع
أنت ترحب دومًا
أنت لا تودع أبدًا
أنت باق هنا الخوري
أنت في بؤرة وجودنا
جميعًا
في قلب كل رفيق
في قلب كل صديق
وفي قلب كل حبيب
أنت باق ادريس
كبيرًا
كما كنت كبيرًا
شهما كما كنت
مخلصًا كما كنت
ولم تبرح
أنت هنا
وانت اليوم لم تفعل الا أن حلقت الى مثواك في البراري المزهرة لذاكرة الوطن ، وهي التي تصون ، برفق وفرح ، حيوات أمثالك من مولدي التدفق في المجرى العظيم للأمل في أوصال وطن يقاوم الارتداد ويراوغ المطبات …ويمضي بهدوء وثبات وبعزم نحو الامتلاء بالكرامة لمواطنيه…
إدريس الخوري ممتد في المشترك المديد والعميق بيننا…
إدريس الخوري..سيحفظ لك الوطن أنك كنت من أبنائه الأوفياء له ، وقد بذلت من أجل تقدمه الكثير من الجهد بكفاءة ابداعية …لذلك لن تذهب بعيدا تحت التراب ، لأنك ستذهب فوق التراب ….
ادريس الخوري من مواليد مدينة الدار البيضاء، انضم إلى اتحاد كتاب المغرب سنة 1968، عمل بجريدة المحرر ثم بجريدة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى أن تقاعد، فواصل كتاباته الصحفية، في مجموعة من الصحف الوطنية والعربية.
بدأ كاتبنا الراحل مشواره الأدبي، مثل صديقه الكاتب الراحل محمد زفزاف، شاعرا في مطلع الستينيات، لكن سرعان ما طلق الشعر، ليعانق فضاء الخاطرة وكتابة القصة والمقالة. عرف فقيد الإبداع المغربي، بحضوره الإبداعي الكبير، على مستوى كتابة القصة القصيرة تحديدا، التي ظل وفيا لها إلى أن توفاه الأجل، وله فيها عديد المجاميع القصصية الصادرة، منذ مجموعته القصصية الأولى “حزن في الرأس والقلب” (1973)، والتي عرفت طريقها إلى سلسلة “الأعمال القصصية الكاملة” في مجلدين اثنين، فضلا عن كتاباته الأخرى التي تندرج في إطار السرد الأدبي والنقدي والفني، وهي حول السينما والمسرح والتشكيل والرحلة والموسيقى والسياسة، جمعها إدريس الخوري في بعض كتبه المنشورة، من قبيل: “قريبا من النص.. بعيدا عنه”، و”كأس حياتي: كتابات في التشكيل”، و”فضاءات: انطباعات في المكان”، و”من شرفة العين”، و”التتياك السياسي”، وغيرها من الكتابات التي تزخر بها المكتبة المغربية اليوم…
هكذا، ظل كاتبنا الراحل قاصا وناثرا وكاتب مقالة من الطراز الرفيع، يتميز بأسلوبه الخاص في الكتابة وبلغته المميزة له، في التعبير والسرد وصوغ المفارقات الاجتماعية، ما جعل تجربته القصصية وكتاباته عموما، ذات نكهة ساحرة، بما تضمره من سخرية وصفية ونقدية مبدعة، بالنظر إلى كونها نابعه عنده من تراكم استثنائي في المعيش وفي التجربة الحياتية الذاتية.
وبوفاة الكاتب إدريس الخوري، يكون المغرب الإنساني والإبداعي والإعلامي، قد فقد إنسانا نادرا واستثنائيا، وكاتبا كبيرا، ومبدعا رفيعا وملتزما، وصديقا وفيا للشعب المغربي، بمختلف شرائحه الثقافية الاجتماعية، وأحد من خدموا الثقافة والصحافة والإبداع الأدبي المغربي، بشكل قل نظيره، على مدى عقود من الكتابة والإبداع والحضور والنضال والسفر والمغامرات وحب الحياة والنقاش والجدل والتضحيات…
تعليقات
0